لم يعد ثمة شك في أن أزمة العماد ميشال عون مع الجمهور المسيحي ـ أو البيئة المسيحية ـ سائرة الى تفاقم، في ضوء الانقلاب الكامل في خطاب الجنرال وموقعه. فأن يغدو زعيم "الأكثرية المسيحية" ناطقاً باسم الخطة السورية، وأن يغدو ناطقاً باسم تحالف ثنائي مع "حزب الله"، ليس أمراً يمر به المسيحيون مرور الكرام.
لا يستدل على هذه الأزمة المتفاقمة من انحسار التلبية الشعبية المسيحية للجنرال في عدد من المناسبات ومن بينها احتفال "الفوروم" قبل أيام وتظاهرة الأمس فقط، ولا يسترُ هذه الأزمة "التعويض" الذي يمنحه إياه اللابسون الجدد للون البرتقالي المتحدرون من أصول حزبية موالية لسوريا، لأن الأزمة تبدأ داخل "التيار الوطني الحر" نفسه وتتجلى على مستوى جمهوره المباشر.. إنما يستدل على الأزمة المذكورة من التذمر الكبير الذي تبديه نخبٌ مسيحية والذي يعبر عنه مناصرون كثر للجنرال في الانتخابات النيابية الأخيرة.
التمويه العوني للتحول نحو سوريا
بدأ التحول السوري عند عون قبل عودته الى لبنان من المنفى في أيار من العام الماضي، واشتق الجنرال لهذا التحول نظرية تعلن أن سوريا لم تعُد في لبنان، وكانت قد انسحبت عسكرياً قبل عودته. واستطاع عون أن يمّوه هذا التحول بالرغم من تحالفاته الانتخابية مع رموز حقبة الوصاية السورية على لبنان في كل المناطق. استطاع أن يمّوه، بفعل عامل مهم هو الثقة التي كان الجمهور الواسع يمحضه اياها، وعدم قدرة هذا الجمهور على تصديق أن الجنرال العنيد يمكن أن يتحول، وعدم قدرته على تصديق أنه يمكن لـ"غاية" الجنرال أي الوصول الى رئاسة الجمهورية أن تبرر "الوسيلة" أي ابتداع تحالفات جديدة.
بيد أن عون استفاد في الانتخابات النيابية من عاملين رئيسيين في البيئة المسيحية. الأول هو توق المسيحيين الى أن يكون لهم قائد وزعيم يتساوى على الأقل مع غيره من قادة الطوائف وزعمائها، وذلك بعد سنوات من التهميش في ظل الوصاية السورية. وهذا التوق المسيحي الى قائد وزعيم كان من ضمن أسبابه الكثيرة ما سمي آنذاك الخوف المسيحي من هيمنة إسلامية تعقب الانسحاب السوري فتؤدي الى تهميش المسيحيين مجدداً.
عوامل عدة أفادت عون قبل الانتخابات
وإذا كان العامل الأول موضوعياً فإن العامل الرئيسي الثاني ـ والأهم ـ الذي استفاد منه الجنرال، يتعلق بفريق 14 آذار.
فتحت وطأة الحاجة الى حصول الانتخابات في مواعيدها، وتقديراً منه أن حصول الانتخابات في مواعيدها أهم من القانون الذي تجري الانتخابات على أساسه، وافق فريق 14 آذار مجتمعاً لكن بالاضطرار على إجراء الانتخابات على أساس قانون العام 2000، بعد محاولات من جانبه باتجاه صيغة مختلفة لم تُفلح لأنها كانت تصطدم إما برفض الفريق الآخر أي 8 آذار وإما بـ"خطر" التأجيل. ولا شك أن مسيحيي 14 آذار بمختلف تلاوينهم دفعوا الثمن إذ اتهموا بالتواطؤ على بيئتهم لصالح قانون لا يؤدي الى تظهير تمثيلهم السياسي على حقيقته. وأول ثمن دفعوه، كان عند البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي ثارت ثورته على القانون.. وعلى الذين ساروا فيه.
مسيحيو 14 آذار و"التحالف الرباعي"
غير أن ما قَصَم ظهر مسيحيي 14 آذار، كان التحالف الرباعي بين "تيار المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" مع كل من "حزب الله" و"حركة أمل". صُوّر التحالف الرباعي هذا، وصوّره الجنرال عون نفسه، على أنه حلف إسلامي لاستتباع المسيحيين، ودفع مسيحيو 14 آذار الثمن غالياً حتى لو أن التحالف الرباعي لم يكن لهذه الغاية في حينه، بل كان في سياق محاولة من جانب فريقين رئيسيين في 14 آذار هما سعد الحريري ووليد جنبلاط للتأسيس لـ"احتمال تسوية" لبنانية في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، وفي سياق محاولة لإعادة تكوين دينامية التطبيق اللبناني "الذاتي" لاتفاق الطائف.
استفاد الجنرال إذاً من عامل الخوف المسيحي على المصير المصحوب بالتوق الى قيادة وزعامة من جهة ومن الحشرة التي وجد مسيحيو 14 آذار أنفسهم فيها خصوصاً في ظل التحالف الرباعي من جهة أخرى. واستثمر عون كل ذلك انتخابياً ليحصد نتيجة انتخابية كبيرة ولـ"التغطية" على التحول السوري عنده، البادئ قبل العودة من المنفى.
واستمر عون بعد الانتخابات وفي وهج نتائجها في قدرته على تمويه تحوله. لكنه مع الوقت، بالغ في تقدير أن ما حصل عليه في الانتخابات يتيح له أن يفعل ما يشاء، وأن يتصرف وكأنه يمتلك عقاراً باسمه يفعل به ما يريد. لم يدرك أن التفويض الشعبي الذي أعطي له ليس تفويضاً بتغيير الخيارات السياسية أو بالانقلاب عليها. ولم يستوعب أن الجمهور قابل لأن يصاب بصدمة ولأن يُحاسب، ولأن تتخذ محاسبته لـ"القائد" و"الزعيم" صيغاً شتى.
التحالف مع "حزب الله": المزاج المسيحي
استمر عون في تمويه تحوله سورياً وذلك بمحاربته "طواحين الهواء" وبافتعال عناوين لمعاركه. غير أن أموراً كثيرة تراكمت خلال الشهور الماضية أدخلته في أزمة "تصاعدية".
في مقدم هذه الأمور، تقع "وثيقة التفاهم" التي وقعها "التيار العوني" مع "حزب الله". نظر الجمهور المسيحي "العمومي" الى هذا التفاهم بقلق وبخوف وذلك من زوايا عدة: "حزب الله" هو الطرف الأقوى في الثنائية الجديدة، و"التيار" يعطي في هذا التفاهم أكثر مما يأخذ، يغطي سلاح "حزب الله" واستمراره في مدى مفتوح، ويخلو التفاهم من مرجعية اتفاق الطائف، وهو الاتفاق الذي يرى فيه المسيحيون ضمانتهم. وأكثر من ذلك، أدخل هذا التحالف الثنائي "التيار العوني" في حركة تمحور داخلي واقليمي، فاتسعت رقعة اشتباكات "التيار" في المدار اللبناني. ولم ينتبه عون الى حقيقة أنه حتى لو كان ما تفاهم عليه مع "حزب الله"، منطقياً ومقبولاً، فلن يكون في وسعه "الدفاع" عنه مسيحياً إلا إذا كان التفاهم لبنانياً عاماً، فكيف إذا كان "الجو" المسيحي العام يخشى أصلاً من موضوع السلاح كثيراً.
سوء تقدير الجنرال
إذاً، ارتكب الجنرال سوء تقدير إذ افترض أنه وعلى وهج نتائج الانتخابات التي جعلته ـ في ظروف معينة ولأسباب محددة ـ الأكثر تمثيلاً على الصعيد المسيحي، إنما يستطيع أن يجر المسيحيين الى خيار يختلف عن "مزاجهم". لكنه ـ وهذا هو الأهم ـ وقع في ما وقع فيه مسيحيو 14 آذار، أي إذا كان مسيحيو 14 آذار دفعوا ثمن التحالف الرباعي باسم أنه استتبع المسيحيين، فإن عون يبدأ بدفع ثمن الاستتباع لحزب الله.
وإذ يمكن القول إن إعلان التحالف مع "حزب الله" عبر "وثيقة التفاهم"، يؤرخ لبداية الأزمة التصاعدية "الفعلية" مع البيئة المسيحية، فإن ما سبقه عاد ليُقرأ بمنظار ما تلاه، أي أن قراءة بمفعول رجعي أخذت تتقدم، فصار مفهوماً أكثر أن التحالف مع رموز الوصاية السورية في الانتخابات لم يكن تحالفاً انتخابياً تكتيكياً، وأن تحييد النظام السوري عن الانتقاد ليس "مرونة" ولا خطأ تفصيلياً، وأن "المترسة" أمام إميل لحود ليست تكتيكاً من أجل ترجيح كفة الجنرال.. وأن كل ذلك وسواه من احتضان سوري لعون ومن احتضان عوني للسوريين وأدواتهم، ليس سوى عنوان لانقلاب سياسي في حياة الجنرال وخطابه وموقعه.
الهجوم على الحريري: جواز المرور الى دمشق
لم يعد ممكناً إخفاء التحول. ولم يعد ثمة بحث عن قطبة مخفية ما. ذلك أنه عندما يحدد الجنرال فريق 14 آذار كله كخصم أو كعدو رئيسي، وعندما يصبح الجنرال حاملاً لـ"كلمة السر" السورية، يغدو الأمر برمته مكشوفاً. ويتذكر اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً أن الهجوم على الرئيس الشهيد رفيق الحريري في زمن الوصاية السورية كان جواز مرور للسياسيين الذين يطرقون أبواب عنجر ودمشق. وتكرار الهجوم اليوم على "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري، لا يخفي محاولة استرضاء النظام السوري.
قد يكون عون متوهماً بتأييد النظام السوري له. وقد يكون متوهماً بإمكان حصول متغيرات في المنطقة تعيد دمشق لاعباً أساسياً في الرئاسة اللبنانية. وقد يكون مراهناً على تطورات في لبنان ضد فريق 14 آذار. وقد يكون في صدد ممارسة سياسة "عليّ وعلى أعدائي".. وقد يكون مضلَّلاً بـ"الاستطلاعات". لكن المسيحيين يعرفون حسب ما تدل عليه نقاشات النخب، أن عون يُستخدم الآن سورياً وليس العكس، وأنه يقدم للنظام السوري فرصة تجديد نفوذه في لبنان.
حيثية عون الأصلية أنه ضد دمشق
المسيحيون مستعدون للسير خلف الجنرال في كلامه عن أي شيء، لكنهم غير مستعدين إطلاقاً للسير وراءه خلف سوريا. وعلى أي حال، فقد بنى الجنرال حيثيته في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية على "حرب التحرير" التي خاضها في أواخر الثمانينات، ويومها كانت تلك الحرب خطأ بكل المقاييس والمعايير المحلية والعربية والدولية، ومع ذلك اكتسب عون شعبيته المسيحية منها. وعزز تلك الشعبية ـ والشرعية ـ من الهجوم السوري عليه في 13 تشرين الأول 1990، بالرغم من أن بقاءه في بعبدا آنذاك كان خطأ قاتلاً بعد اتفاق الطائف.. ومع ذلك أيده قسم كبير من المسيحيين.
لذلك، على الجنرال أن يقرأ المعطيات جيداً: لا شعبية مسيحية لأي مشروع سياسي يستدرج نفوذاً سورياً متجدداً. يمكن أن يجد أي زعيم مسيحي نفسه في ظرف معين أمام خيار واقعي، قد لا يكون شعبياً لكنه صحيح، إذا ما باتت سوريا في سوريا فعلاً. لكن ذلك ليس واقع الحال الآن، والجنرال يلبس ثوباً غير ثوبه الأصلي. والأهم أن يقرأ الجنرال جيداً في تظاهرة أمس: المسيحيون ليسوا وقوداً لمعركة ضد 14 آذار، ولا ينزلون الى الشارع كيفما اتفق، ولا يلبون نداءً سياسياً ملتبساً.
بين وثيقة التحالف مع "حزب الله" وما جرى أمس، تتفاقم أزمة عون مع البيئة المسيحية، ويبدأ عد تنازلي إن لم يستدركه الجنرال. ولعل "توتره العصبي" في الأيام الماضية ناجم عن معرفته بـ"المزاج المسيحي"، لكن التمويه على الحقيقة لم يعد ممكناً. المسيحيون يرفعون نقطة نظام في وجهه!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.