لم يعُد سراً أن الخطة السورية هي خطة انقلاب كامل على الوضع السياسي اللبناني الذي نشأ بعدَ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم بعدَ الانتخابات النيابية الأخيرة. الحلقة الأولى من الانقلاب تقضي بإسقاط الحكومة. والحلقةُ الثانية بقيام حكومة جديدة تذهب بالبلاد الى انتخابات نيابية مبكّرة تأتي بنتائج مختلفة. والحلقة الثالثة تقضي بعدَ الانتخابات المبكّرة باستلام السلطة.
تولّى الجنرال ميشال عون إعلان الخطة السورية وتعهّد تنفيذها بالاستناد الى تحالفه مع "حزب الله". ويجب أخذ ذلك بجدية.
لماذا إسقاط الحكومة في الشارع؟
لماذا لا يستقيل وزراء "حزب الله"؟
طبعاً، ربّ قائل ان ثمة طريقة "أسهل" لإسقاط الحكومة وتغييرها بدلاً من النزول الى الشارع، هي أن يستقيل وزراء "حزب الله" من الحكومة وأن يضغط الحزب على "حركة أمل" كي تسحب وزراءها أيضاً، فتغدو الحكومة فاقدة "التوازن الوطني" أي الطائفي. بيدَ أن استئخار اللجوء الى هذا الخيار يعودُ الى أسباب عدة.
الأول هو أن استقالة الوزراء المعنيين "قد" لا تؤدي الى تقديم الحكومة ككلّ استقالتها فتنتقل عملياً الى لون من تصريف الأعمال لفترة مديدة. والثاني هو أن جرأة الاستقالة غير متوافرة الآن في وقت يتمسّك "حزب الله" بالبقاء في الحكومة محاولاً تعويقها من داخلها من ناحية ومستظلاً هذه الشرعية الدستورية من ناحية ثانية. أما السبب الثالث ـ والأهم ـ هو أن الخطة إذ تقضي في حلقتها الثانية بالذهاب الى انتخابات نيابية مبكّرة، تتطلّب من وجهة نظر أصحابها ومنفّذيها إنهاك قوى الأكثرية واستنزافها شعبياً.
لهذه الأسباب وغيرها الكثير، يبدو خيار الانسحاب من الحكومة مستأخراً أو مؤجلاً لكنه ليس مُسقطاً من الحساب. وقد يلجأ إليه منفّذو الخطة في وقت لاحق، وقد يضغطون بالاستقالة من مجلس النواب أيضاً.. علماً أن الفريق الحليف للنظام السوري والموالي له، وبنوع خاص تحالف عون و"حزب الله"، يبدي حرصاً على استعجال الحسم في الشارع ليقول بلا شعبية فريق 14 آذار من جهة وكي يستبق تطوّرات إقليمية ـ دولية مرتقبة من جهة أخرى.
زيارة بري الى دمشق: إشارة سورية متناقضة "في الظاهر"
وربّ سائل في هذا المجال يسأل: إذا كانت تلك هي فعلاً خطة الانقلاب السوري على الوضع السياسي اللبناني، فكيف يمكن تفسير الأجواء الإيجابية التي أعلن الرئيس نبيه بري أنه يعود بها من دمشق، وفيها أن العاصمة السورية مستعدّة لاستقبال الرئيس فؤاد السنيورة؟
عن هذا السؤال، يمكن الإجابة بقدر من "السهولة". فليست المرة الأولى في "تاريخ" السياسة السورية التي يُعطي النظام في دمشق إشارات متناقضة في ظاهرها. وليست المرة الأولى التي يحاول فيها هذا النظام، بعدَ أن يقرّر خطّته، أن يأخذ مسافة نسبية عن التنفيذ، ساعياً الى "لبننة" الصراع. غير أن ما يسترعي الانتباه، هو أن تحميل دمشق للرئيس بري أجواء إيجابية، يشكّل محاولة سورية للالتفاف المسبق على موقف يتّخذه مجلس الأمن بناء على تقرير الموفد الدولي تيري رود ـ لارسن الذي يتبنّى المطالب التي توصّل إليها الحوار الوطني.
"قد" تتمّ زيارة الرئيس السنيورة الى دمشق و"قد" لا تتمّ. لكن، لا يمكن أن يكون خافياً أن المحاولة السورية لإعطاء إشارة إيجابية الى مجلس الأمن "تغطّي" الخطة الفعلية، أي إسقاط الحكومة، وزعزعة الاستقرار في لبنان، إنما تهدف أيضاً الى إيصال الحوار في جولته المقرّرة في 16 أيار الجاري الى نتيجة معيّنة: يتحدث الفريق الحليف والموالي لسوريا عن الإيجابية السورية ويحمّل فريق 14 آذار ـ كما يفعل الآن ـ مسؤولية إفشال تطبيق مقرّرات الحوار، ويصرف النظر عن مناقشة البندين المتبقيين لا سيما بند سلاح "حزب الله" منهما.
إذاً، يجب تصديق ما هو جارٍ تنفيذه على الأرض وليس ما جرى تحميله الى الرئيس بري. وعلى أي حال، ليست المرة الأولى التي تعتمد السياسة السورية قاعدة "لكل مقام مقال"، فيما تكون "كلمة السر" الحقيقية عند آخرين. والحال أن "كلمة السر" معطاة لعون و"حزب الله".
كذلك، ليس خافياً أن جولة 16 أيار الجاري، إن انعقدت، ربما تكون الأخيرة. ذلك أنه لا يمكن أن يكون مقبولاً أن يتوجه فريق 14 آذار الى الطاولة فيما ثمة خطة انقلابية قيد التنفيذ ضدّه.. وهذا هو "بيت القصيد".
الطائف مستهدف لصالح ثنائية مارونية ـ شيعية
المقدّمات السابقة عرضت الخطة السورية الانقلابية المضادّة. ويجب أن يُضاف الى كل ما تقدّم أمرٌ في غاية الخطورة لا بد أن يكون في وعي فريق 14 آذار.
ليس صدفةً أن ما سمّي "وثيقة التفاهم" بين "حزب الله" و"التيّار الوطني الحر" جاءت خاليةً من أي إشارة الى اتفاق الطائف. ليس صدفةً أن طرفَين سياسيين لا يستحضران اتفاق الطائف كمرجعية ميثاقيّة لدى مقاربتهما قضايا الوضع اللبناني. ليس الأمر صدفةً لأن الطرفين يتّخذان من هذا الاتفاق موقفاً سلبياً. عون عاداه منذ البداية و"حزب الله" أشار إليه في مرّات قليلة على استحياء وله منه موقفٌ غير إيجابي.
راجع عون
لذلك، ثمة ما يجدر التنبيه منه. إن الطرفين اللذين يقودان ميدانياً الانقلاب ضدّ فريق 14 آذار غير ملتزمين بالطائف. وأكثر من ذلك، ثمة تنظير في العديد من الأوساط العونية لنهاية اتفاق الطائف تحت عنوان أن هذا الاتفاق "عُمل" لصالح وصاية سوريا على لبنان وبدونها لا وجود للطائف. حتى ان الشاب الأكثر نفوذاً في "التيّار" وتأثيراً على عون، جاهرَ قبل أيام بالمطالبة بما سمّاه "طائف لبناني" بديلاً مما سماه "الطائف السوري". وفي جميع الأحوال إن من استمع الى الجنرال عون في مقابلته المتوتّرة على شاشة "نيو.تي.ي" مساء الأحد الماضي، سمع منه "مفاهيم" لا تمتّ الى الطائف بصلة، منها على سبيل المثال أن رئيس الجمهوية يجب أن يكون ثقلاً موازياً لرئيس الحكومة، واستخدم بالفرنسية مصطلح )sdiop-ertnoc(. ومَن يستمع الى "منظّري" الهجوم السوري المضادّ في هذه الأيام، يسمعهم يتحدّثون عن ثنائية "السيادة ـ التحرير"، وثنائية عون ـ السيد حسن نصرالله، مستبطنين الحديث عن ثنائية مارونية ـ شيعية. ومعلوم أن استعادة منطق الثنائيّات هو نسفٌ كامل لما يقوم عليه اتفاق الطائف المنظّم لـ"الشراكة".
فريق 14 آذار: إنهاء المحاصصة وقيام مركز قيادي
حيالَ هذين الخطَرين: الانقلاب السياسي والانقلاب على الطائف، ماذا يُفترض بفريق 14 آذار أن يعمل؟
لا شك أن تشخيص الخطر أو الأخطار مهمّ وهو لا ينقصُ فريق 14 آذار. ولا شك أن القدرات التحليلية عندَ هذا الفريق كبيرة جداً ليقرأ بواسطتها "تناقضات" الخطة المضادّة أي إشكاليّاتها وآفاقها المغلقة في المديَين المتوسط والبعيد بالعلاقة مع العوامل المحلية والإقليمية والعربية والدولية.
بيدَ أن ذلك على أهميّته لا يكفي ولا بد مِن توافر معطيات رئيسية أخرى، تطرّق الى بعضٍ منها الاجتماع الأخير لقوى 14 آذار في البريستول الأسبوع الماضي.
لا بد أولاً أن تتصرّف قوى 14 آذار كفريق واحد برسالة سياسية واحدة. ولم يعُد "التغنّي" بأن الفريق ليس حزباً ولا جبهة لتبرير التباينات، مفيداً في الظرف السياسي "الدقيق" الراهن. وبالتوازي مع تسمية المجتمعين في البريستول لأنفسهم "حركة 14 آذار" في البيان الصادر عنهم، لا بد مِن مزيد من الخطوات.
لا يمكن لـ"حركة" موحّدة الأهداف أن تقوم العلاقة بين أطرافها على ما يشبه "المحاصصة" الطائفية، أي أن يُبذل جهدٌ على "التمايزات" أكبر من الجهد على الجوامع المشتركة.
ولا يمكن لـ"حركة" موحّدة الأهداف أن تكون بلا "مركز" قيادي يقود توجهاتها ويتّخذ القرار.
ولا يمكن لـ"حركة" موحّدة الأهداف أن تتصرّف كمعارضة ـ فقط ـ فيما تشكّل غالبية المجلس النيابي والحكومة. فهي معارضة حيالَ خطط النظام السوري و"أعوانه" وهي حكومةٌ بالنسبة الى اللبنانيين. وأكثر من ذلك، لا مفرّ من التفكير بوضع الحكومة "تحت" القرار السياسي لـ"حركة 14 آذار" لأن الحكومة تحكم باسم هذه الحركة التي ينوجد قادتُها خارج الحكومة وإن كانوا ممثّلين فيها بطبيعة الحال.
الورشة المطلوبة لتجديد الدولة
لكن الأكثر إلحاحاً، هو أن تمارس الأكثرية سلطتها بالفعل. كيف؟
يتحدث سياسي مخضرم عن تجربتين في التاريخ اللبناني الحديث، فيقول ان الرئيس الراحل فؤاد شهاب تسلّم الحكم في 1958 (صيف ذلك العام) وإذا به بواسطة المراسيم الاشتراعية التي أصدرتها الحكومة، قد غيّر "وجه الدولة" في العام 1959، أي بعد عام، منفذاً سلسلة من الإصلاحات. ويضيف السياسي المخضرم أن الرئيس أمين الجميّل ـ مستنداً الى دراسات حزبه ـ أصدر مع حكومته مراسيم اشتراعية بين 1982 و1983 وذهب بقوانين الى المجلس النيابي، وأدى ذلك في حينه الى تغيير "وجه الدولة" أيضاً.
طبعاً ليس ثمة مقاربة واحدة عند السياسيين، المخضرمين منهم بشكل خاص، للتجربتين.. إلاّ من زاوية الإشارة الى تغيير "وجه الدولة".
مِن هنا، فإن المطلوب من الأكثرية أن تستحدث ورشة متكاملة تشريعية تذهبُ نتائجها الى مجلس النواب، تتضمّن الإصلاحات الضرورية في المجالات كافة، وأن تأخذ الحكومة قرارات في مختلف الشؤون في موازاة الورشة المشار إليها.. تغييراً لوجه الدولة.
المطلوبُ إذاً توحّد سياسي، ومركز قياديّ، ورسالة سياسية موحّدة لمعركة واحدة، وهجوم على مستوى الدولة. المطلوب مواجهة الهجوم النقلابي المضادّ و"فضحه" وفضح المنخرطين فيه، لكن المطلوب "إيجاباً" هو ورشة لتجديد الدولة.
المطلوب أن يبرز أكثر فأكثر مشروع الأكثرية تحت سقف الطائف، وأن يرتبط الصراع من أجل استكمال الاستقلال والسيادة بالصراع من أجل حماية لبنان مِن التداعيات الإقليمية بالصراع من أجل تجديد الدولة.. والمطلوب استقطاب "جماهير 14 آذار" مجدداً الى مشروع متكامل. فهكذا تدارُ المواجهة مع الهجوم المضادّ. وليس ذلك من أجل ملء الوقت، إنّما من أجل معركة لبنانية ناجحة يدعمُها اللبنانيون بكثرتهم والمجتمعان العربي والدولي.
أما "الألغام" فستكون كثيرة وسيبنى على كل حدث حديث. لكن الأكيد هو أن الأكثرية النيابية ـ السياسية ـ الشعبية، الشرعية، يجب ألاّ تكون محشورةً بل أن تحشر الآخرين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.