اعتباراً من هذا الأسبوع، يبدأ تحالف "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" تنفيذ خطة "النزول إلى الشارع"، المعلنة منذ مدة، والمعلن هدفها السياسي المتمثل بـ"هزّ" الوضع الحكومي توصلاً إلى إسقاط الحكومة إذا استطاع التحالف المذكور إلى ذلك سبيلاً.
الذريعة المسحوبة
لم "يصمد" العنوان الاجتماعي للتحرك في الشارع طويلاً. فبعد أن أعلنت الحكومة سحب مشروع التعاقد الوظيفي من التداول، والذي كان "السبب" المعلن للتحرك، تمسّك تحالف "حزب الله" و"التيار" عبر ما يسمى "هيئة التنسيق النقابية" بقرار التظاهربعد غدٍ في العاشر من أيار، فلم يعد خافياً ما لم يكن خافياً في الأصل، أي حقيقة ان هذا التحرك ذو أهداف سياسية بحتة.
بيد ان نقاشاً في التوجه الذي يعتمده التحالف الثنائي، يبدو ضرورياً من زوايا نظر عدة، وذلك لوضعه في إطاره "السياسي" الحقيقي.
بين رفض الشارع في الرئاسة واعتماده حيال الحكومة
غنيّ عن القول بداية ان القرار بالنزول إلى الشارع يتناقض مع الموقف الذي سبق للطرفين أن أعلناه، لا سيما بعد 14 شباط الماضي عنما أحيت قوى 14 آذار الذكرى السنوية الاولى لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقبل الذهاب الى مؤتمر الحوار الوطني في 2 آذار الفائت. والموقف "الثنائي" آنذاك كان يقول بـ"خطورة الاحتكام إلى الشارع" في القضايا السياسية وبالاحتكام إلى المؤسسات الدستورية في مقاربة مسألة رئاسة الجمهورية وبأنه "لا يجوز" إسقاط الرئيس في الشارع.
وإذ يتناقض النزول إلى الشارع بهدف إسقاط الحكومة مع ما كان الطرفان يزعمانه من حرص على المؤسسات الدستورية متى كان الأمر متعلقاً برئيس الجمهورية، فإنه يكشف في المقابل ان "حزب الله" خضع لما قرّره الجنرال ميشال عون. وفي هذا المجال، يتذكر المتابعون ان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وفي خطاب له عشية جولة 28 نيسان الماضي من الحوار، وفي إطار التمهيد لتجديد التمسّك ببقاء إميل لحود في بعبدا، دعا فريق 14 آذار إلى الإقرار بـ"التعايش" مع لحود خلال الفترة المتبقية من ولايته الممدّدة، لكنه دعا في المقابل الساعين إلى إسقاط الحكومة إلى إعطاء فرصة للحكومة كي تعمل، وبدا نصرالله آنذاك وكأنه يدعو إلى مقايضة بقاء الرئاسة ببقاء الحكومة. ولذلك، فإن "حزب الله" من هذه الزاوية يبدو في انتقاله إلى الشارع وقد سلّم بـ"المنطق" العوني وإن لم يعلن إسقاط الحكومة رسمياً حتى الآن.
"حزب الله" يتبع عون
وأكثر من هذا، ففي خلال أسبوع فقط، انتقل "حزب الله" على لسان نصرالله من الكلام الهادئ الداعي إلى عدم إدراج الملف الاقتصادي ـ الاجتماعي في إطار التجاذب السياسي، وإلى الحوار حول هذا الملف والاستعداد للنقاش في بدائل لعدد من بنود الورقة الإصلاحية، إلى الكلام الحاد والتصعيدي، وإلى التهديد بالشارع.. أي ان الحزب الذي خضع للموقف العوني، راح يزايد في موضوع النزول إلى الشارع.
وإلى الأمرين السابقين، أي التناقض بين رفض الشارع في مسألة رئاسة الجمهورية واستخدامه في المسألة الحكومية، ثمّ انجرار "حزب الله" وراء عون، يضاف أمر جدير بالملاحظة.
فإذا كان عون وقبل الجولة السابقة من الحوار في 28 نيسان الماضي نعى هذا الحوار، وقد كان المقياس الوحيد لنجاحه من وجهة نظر الجنرال توصله إلى اختيار عون رئيساً للجمهورية، ثم نعاه بعد انتهاء الجولة السابقة للاعتبار نفسه، فإن "حزب الله" تولى خلال الأيام الأخيرة مهمة تحميل فريق 14 آذار مسؤولية عدم وضع ما تقرّر بالإجماع في جولات سابقة موضع التنفيذ من جهة وعدم إمكان توصل الحوار إلى نتائج ايجابية في بندي الرئاسة وسلاح "حزب الله" من جهة ثانية.
..ويعتمد خطاباً سورياً حيال الحوار
لقد التزم "حزب الله" في الأيام الأخيرة خطاباً سورياً صافياً لـ"تغطية" التراجع من جانبه عمّا تقرّر بالإجماع، بعد أن أوصدت دمشق كل أبواب البحث في تحديد مزارع شبعا وفي إقامة العلاقات الديبلوماسية. وبهذا المعنى، كان الخطاب الأخير لنصرالله هادفاً إلى تحميل 14 آذار ما يجب تحميله للنظام السوري، فاتهم الفريق الاستقلالي بـ"استفزاز"(!) سوريا واتهمه بالمسؤولية عن تراجع الأمين العام لـ"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" أحمد جبريل عن "بداية البحث" في موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. وغنيّ عن القول، ان "حزب الله" عبر هذا الخطاب كان يمهّد لاستعادة أجواء صراعية حادة مع فريق 14 آذار، مواصلاً في إطار هذه السياسة "تكتيك" التمييز بين "تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري من ناحية ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة من ناحية أخرى.
اكتمال عدة الهجوم السوري
على ان أهم ما تجدر ملاحظته في مجال قراءة التحرك في الشارع سياسياً، هو ان تحالف "حزب الله" و"التيار العوني" يقرّر النزول إلى الشارع على تقاطع مع اكتمال عدة الهجوم السوري على الوضع السياسي اللبناني.
فبالإضالة إلى رفض النظام في دمشق للمطالب اللبنانية كافة، والذي يمثل ـ الرفض ـ ذروة الهجوم السوري، أعاد هذاالنظام استحضار كل أدواته ورموزه و"أطلقهم" ـ أي أفلتهم ـ على المسرح السياسي من جديد فراحوا "يبشّرون" بأن المرحلة مرحلة تحوّل سياسي "جديد" لمصلحتهم. وفيما تندرج حملة الرموز الدروز الموالين لدمشق على قانون تنظيم شؤون الطائفة الدرزية في إطار الهجوم السوري، يأتي الكلام من جانب الأدوات عن هدف 14 آذار من ترسيم حدود مزارع شبعا ليكشف محاولة استعادة "عنوان وطني" ضد فريق 14 آذار.
هكذا أصبح ترسيم مزارع شبعا يريده فريق 14 آذار من أجل الذهاب إلى مفاوضات ثنائية مع إسرائيل لتوقيع "17 أيار"جديد (!). وهكذا أصبح تقرير تيري رود ـ لارسن الذي يعتبر مزارع شبعا في وضعيتها القانونية الحالية خاضعة للقرار الدولي 242، مدخلاً إلى استدراج لبنان نحو مفاوضات ثنائية مع إسرائيل (!). وهكذا أصبح مطلب الترسيم هادفاً من وجهة نظر السيد نصرالله إلى "نزع سلاح المقاومة" وليس إلى تحرير المزارع.
بطبيعة الحال، بات النقاش حول ترسيم مزارع شبعا لتثبيت لبنانيتها وتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي، عقيماً إلى حد كبير بعد أن دار الحوار بشأن هذا الموضوع فترة طويلة، علماً انه إذا كان نصرالله يتهم فريق 14 آذار المُطالب بالترسيم في مزارع شبعا بأنه لا يريد تحرير المزارع بل يريد "سلاح المقاومة"، فإن فريق 14 آذار يعتبر في المقابل ان رفض "حزب الله" تحديد المزارع هو من أجل التمسّك بالسلاح إلى ما يشبه "أبد الآبدين"، وانّ المسألة عند "حزب الله" ليست مسألة "استراتيجية دفاعية" من ضمن مشروع الدولة.
أسبوع سوري ـ إيراني حافل في مجلس الأمن
وإلى ما تقدّم، تجدر ملاحظة ما هو "أهم" و"أخطر" في مجال قراءة التحرك في الشارع من جانب تحالف "حزب الله" ـ "التيار العوني".
ليس خافياً في هذا المجال ان ثمة "مواجهة" تدور في الوقت الحاضر بين النظام في سوريا والمجتمع الدولي من جهة وبين النظام في إيران والمجتمع الدولي من جهة ثانية. وليس خافياً أيضاً أن الأسبوع الحالي ـ أسبوع التحرك في الشارع ـ هو أسبوع استحقاقات سورية وإيرانية في مجلس الأمن.
فمجلس الأمن في صدد مناقشة مشروع قرار ينطلق من تقرير لارسن المتضمن تضامناً دولياً مع المطالب اللبنانية المتصلة بالحدود ومزارع شبعا والعلاقات الديبلوماسية اللبنانية ـ السورية والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وكذلك حول رئاسة الجمهورية. كما ان مجلس الأمن في صدد مناقشة الملف النووي الإيراني وسط تصاعد "المشكلة" الإيرانية ـ الدولية.
وإذا أخذ في الاعتبار ان موعد تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري يقترب، ومعه يقترب تعيين مدّعٍ عام دولي، وأن اجتماعاً قريباً تعقده اللجنة القانونية في الأمم المتحدة في نهاية أيار الجاري لبتّ تشكيل المحكمة الدولية، يغدو واضحاً ان ثمة تشابكاً سورياً ـ إيرانياً وان ثمة استحقاقات دولية أمام الطرفين السوري والإيراني، وان ثمة قراراً سورياً ـ إيرانياً بالمواجهة، والميدان الرئيسي لهذه "المواجهة" بالنسبة إلى نظام دمشق هو لبنان أو "الساحة اللبنانية".
لا يمكن عزل القرار بالنزول إلى الشارع اعتباراً من هذا الأسبوع عن المعطيات الإقليمية المشار إليها آنفاً. فربّما لو كان الأمر مجرد "تناقض" بين رفض اللجوء إلى الشارع في مسألة رئاسة الجمهورية وبين استخدام الشارع ضد الحكومة، لأمكن إقناع الحزب و"التيار" بأن هذا التناقض "غير جائز". ولو ان في الأمر مجرد لعبة سياسية داخلية، ربماكان ممكناً التحدث مع الطرفين عن ضبط "حدود" اللعبة وايقاعها. ولو ان المسألة الاجتماعية هي فعلاً "المحرك"، لربما كان منطقياً تذكير الطرفين بأن مشروع الحكومة لا يزال على طاولة الحوار وبأن الوقت لا يزال يحتمل النقاش. لكن الموضوع في مكان آخر فعلاً: الطرفان اتخذا قرارهما بأن الحوار انتهى، وانتقلا من القبول بأحكام الحوار إلى التصعيد تحت غطاء كثيف من إطلاق النار على فريق 14 آذار والحكومة.
دور "الرافعة"
وأكثر من ذلك، يشكّل الطرفان الرافعة المحلية للهجوم السوري المضاد. ذلك ان "الآخرين" الموالين لسوريا لا يمثلون حيثيات فعلية في الشارع. و"هيئة التنسيق النقابية" بعدما أعملت الوصاية السورية في النقابات تدميراً وتدجيناً، لم تعد في معظمها إطاراً نقابياً موثوقاً. ولذلك، فإن "اللبننة السورية" للهجوم المضاد، تستند إلى هذا التحالف في الأمور كافة.
من هنا، يخطئ من يظن ان النقاش يمكن أن يكون "منطقياً"، ويخطئ من يظن ان إلغاء السبب المباشر للتظاهر، أي التعاقد الوظيفي، سيدفع الطرفين إلى إعادة النظر في قرارهما التظاهر. ذلك ان التحرك مرتبط على نحو وثيق بالمعطيات الإقليمية.
لا يُخفي الموالون لدمشق ان خطة المرحلة المقبلة تقضي بالآتي: الضغط على الحكومة تمهيداً لإسقاطها، ضعضعة الأكثرية النيابية، قيام حكومة جديدة بتوازن مختلف. والغاية هي ان انتخاب رئيس جديد للجمهورية في 2007 لن يحصل بدون "توافق" وإلا ففراغ مرحلي في الرئاسة، ولسدّ هذا الفراغ لا بدّ من حكومة مطواعة، لان الحكومة تتولى صلاحيات الرئيس عند الشغور.
إذاً، ان التحرك بعد غدٍ في الشارع، هو البداية بالنسبة إلى التحالف الثنائي ذي الأبعاد "الإقليمية"، هو محطة من ضمن هجوم سوري، حيث تفترض دمشق ان الظروف ستؤاتيها لإحداث تغيير في توازن القوى لبنانياً.
هكذا إذاً، اعتباراً من هذا الأسبوع، سيكون لـ"الصراع السياسي" منحى آخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.