8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إشكاليات التشكّل المسيحي الجبهوي من جديد

أثار الاجتماع الذي عقد في دارة رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع في الأرز وبدعوة منه، وضمّ فريقاً من "مسيحيي 14 آذار"، نقاشاً واسعاً خلال الأيام القليلة الماضية في الوسط السياسي عموماً وضمن فريق 14 آذار خصوصاً. وفي هذا المجال، سجّلت مجموعة من الملاحظات "الجوهرية".
تظهير الشراكة المسيحية وخصوصيّتها
بدايةً، لا بد من القول أن انعقاد اجتماع مسيحي عام أو اجتماع لمسيحيي الرابع عشر من آذار، ليس مستنكراً ولا يجب أن يكون مستنكراً، وليس مستهجناً ولا يجب أن يكون مستهجناً. فالفريق المسيحي المتعدّد هو جزء عضوي من حركة 14 آذار، وهو شريكٌ في هذه الحركة. وإذا كان الهدف من الاجتماع ـ أيّ اجتماع ـ هو تظهير الشراكة المسيحية في حركة 14 آذار وتأكيدها على اعتبار أن مسيحيي 14آذار هم الشريك "الثالث" بين فريقين مسلمَين يمثلهما "تيّار المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي"، فإن هذا الهدف موضوعي وفعلي وحقيقي، ليس فقط من أجل ألاّ يبدو مسيحيّو 14 آذار ملحقين بشريكَين مسلمَين، بل من أجل أن يؤدي مسيحيّو 14 آذار دوراً مميّزاً في إطار مسيرة استكمال الاستقلال والحرية والديموقراطية.
وإلى ذلك، أي الى المبرّر الجوهري المشار إليه آنفاً لتعبير مسيحيي 14 آذار عن أنفسهم وخصوصيتهم ضمن فريق 14 آذار "العام"، تضاف حقيقة ان مسيحيي 14 آذار كانوا على امتداد الفترة السابقة، خصوصاً عشيّة الانتخابات النيابية الأخيرة وبعدَها، مطالبين من قبل شركائهم بـ"التصدّي" لمسؤوليّتهم في البيئة المسيحية لـ"مواجهة" الاستنفار الذي اصطنعه العماد ميشال عون تحت عنوان أن ثمة هيمنة مسلمة على 14 آذار ـ ومسيحييه ـ أو تحت عنوان أن ثمّة تفريطاً من قِبل مسيحيي 14 آذار بقواعد "الشراكة الوطنية".. من جهة ولتنمية تيّار الاعتدال في هذه البيئة من جهة أخرى.
المسؤولية التي حمّلها الشركاء لجعجع
كذلك، ثمّة أمرٌ لا بد من أخذه في الاعتبار يتعلّق بجعجع نفسه. فرئيس "القوات" الذي جرى "التطلّع" إليه من قِبل كثيرين، بما في ذلك في الإطار المسلم من 14 آذار على أنه المسيحي "الآخر" الذي يمكن الرهان عليه لإيجاد نوع من "التوازن" السياسي ضمن البيئة المسيحية، مِن "حقّه" أن يتطلّع هو نفسه الى دور "أعلى" مسيحياً من مجرّد كونه رئيساً لـ"مجموعة" أو "حزب". وبصراحة كاملة، فرضت الوقائع خلال الشهور الماضية، ومن بينها أن مسلمي 14 آذار اعتمدوا جعجع "فرساً" لرهانهم على توازن سياسي مسيحي مختلف، نوعاً من الثنائية المسيحية المتجدّدة بين "التيّار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، بين عون وجعجع.
إذاً، إن كل المقدّمات السابقة: تظهير الشراكة المسيحية وتفعيلها، الردّ على الاستنفار العوني في البيئة المسيحية والذي يتمّ على "خطّ سوري"، والضغوط التي يتعرّض لها مسيحيو 14 آذار إجمالاً، ثم الثنائية القائمة موضوعياً الى حدّ معيّن.. إن كل هذه المقدّمات تبرّر اجتماعاً مسيحياً وتفرض أن يكون النقاش فيه موضوعياً الى أقصى الحدود.
وأكثر من ذلك، وأمانة لـ"الواقع"، يجب القول أن صاحب الدعوة الى الاجتماع المسيحي الأخير، أي سمير جعجع، لم يقترف منذ عودته الى الحرية الصيف الماضي أي خطأ سياسي ـ بالمعنى الاستراتيجي الوطني ـ يجعل مهاجمة مبادرته الأخيرة بديهية، لأنه التزم بخطابه وأدائه منطق الشراكة وميثاق العيش المشترك واتفاق الطائف. وإلى ذلك، ثمّة حقيقة لا بد من أخذها في الحسبان، وهي أن الوضع المسيحي السياسي العام في أزمة كما في عدد آخر من الطوائف، وهذه الأزمة تستدعي المناقشة. لذا من الطبيعي أن يُناقش اجتماع الأرز ليس على قاعدة الاعتراض على مبدأ انعقاده، بل على أساس إشكاليّاته الفعلية والآفاق.
خطر الذهاب الى "يمين" الجنرال
هذه المقدمة كان لا بد منها من أجل تسجيل عدد من الملاحظات الهادفة الى مقاربة "المسألة المسيحية" إذا جاز التعبير، بقدر عال من المسؤولية والموضوعية.
الملاحظة الأولى، في الشكل "الجوهري"، هي أنه لم يكن "ضرورياً" وصف الاجتماع في الأرز بأنه اجتماع "موسّع" من ناحية، وبأنه لمسيحيي 14 آذار ككلّ من ناحية ثانية، طالما أن الاجتماع مقتصر على عدد من الفاعليات والشخصيات المسيحية، ولم يشمل مسيحيين آخرين في مواقع أخرى ضمن "تيّار" 14 آذار.
أما الملاحظة الثانية، فتذهب الى المضمون. وفي هذا المجال، ينبغي القول أن الحد الفاصل بين اجتماع مسيحي وبين تحوّل الاجتماع الى بحث عناوين مسيحية بحتة، رفيعٌ جداً.
والملاحظة الثالثة، هي أن ثمة خطراً، تحت وطأة "المشكلة العونيّة"، من الظن أن الذهاب الى "يمين" الجنرال عون يمكنه أن يرفع منسوب التأييد المسيحي الشعبي لتيّار 14 آذار بين المسيحيين. ذلك أن الذهاب الى يمين عون ينطوي على خطر، هو في الحد الأدنى تغييب خطاب العيش المشترك والشراكة الوطنية أو تهميش هذا الخطاب، وفي الحدّ الأقصى الدخول في مزايدة مسيحية مع عون. هذا في حين أن "المشكلة العونيّة" تكمن في مكان آخر أي في "تسوْرنه" المقرون بادعاء القدرة على جرّ "الشارع المسيحي" الى أي خيار يريد حتى لو كان هذا الخيار سورياً.. الأمر الذي يستدعي من مسيحيي 14 آذار، لا سيما من تيّاراته الحزبية وشخصيّاته، أن يجدوا "طريقة ما" لإقناع "الشارع المسيحي" بأن الشراكة هي الضمانة، على أن يقنعوا المسلمين بأن تعاملهم مع المطالب والمصالح المسيحية ليس سليماً حتى الآن ويجب أن يتغيّر.
بين "الجبهة اللبنانية" و"قرنة شهوان": تغيّر الأزمنة
أما الملاحظة الرابعة فتتّصل بالوضع المسيحي نفسه. فقد عاش الوضع المسيحي تجربتين سياسيّتين في العقود الثلاثة الماضية، هما تجربة "الجبهة اللبنانية" من جهة ثم تجربة "لقاء قرنة شهوان" من جهة ثانية. الأولى، تجربةٌ في زمن الحرب والثانية في زمن السلم.
طبعاً، لقيام "الجبهة اللبنانية" سياقٌ في زمن الحرب ليس ضرورياً أن تتمّ استعادته. لكن "الجبهة" هذه ـ ولأنها قامت في زمن الحرب ـ كانت محكومة أو حُكمت بأن تنغلق على "الآخر" وحملت خطاب "المجتمع المسيحي". أما "لقاء قرنة شهوان" الذي تشكّل تحت مظلّة الكنيسة المارونية وندائها الأول في أيلول 2000، فإن له سياقاً مختلفاً، وأهم ما في هذه التجربة أمران: الأول هو أن "اللقاء" كان تحت قيادة البطريركية المارونية و"تشكّل" الجميع تحت هاتين القيادة والأمرة، والثاني هو أن هذا "اللقاء" المسيحي تكلّم لغة لبنانية ـ وطنية ـ فشكّل جسراً بين المسيحيين والمسلمين على أساسه جرى خوض بدايات معركة الاستقلال الثاني.
من الصعب، لا بل مِن المستحيل تكرار تجارب أزمنة سابقة في زمن جديد.. والتجربتان السابقتان هما في حكم التاريخ، ولن تتكرّرا، ولا بد من اشتقاق صيغ جديدة مختلفة.
"ظواهر" جديدة مسيحياً
أكثر من ذلك، لا مفرّ من القول هنا أن ثمة أموراً يقتضي الانتباه إليها جيداً. فإذا كان صحيحاً أن الجنرال عون يمثّل مشكلة سياسية يغطّيها بالاستنفار الطائفي حول عناوين أخرى لتضييع انتقاله الى موقع سياسي آخر، فالصحيح في المقابل أن استنفاراً مقابلاً يهدّد بـ"تشنيج" الساحة المسيحية. وإذا كان صحيحاً أن ثمة تذمّراً مسيحياً متنامياً من سياسة عون، فالصحيح في المقابل أن المتذمّرين لا يبحثون ـ على ما يبدو ـ عن "مكان مسيحي" آخر، أي عن "مكان تنظيمي مسيحي" آخر، وبين هؤلاء من اختاروا أو يختارون "الانكفاء"، وبينهم من ينتظر واقعاً مختلفاً لرئاسة الجمهورية للتحلّق حولها، وقسمٌ آخر يفتّش عن تشكيلات "مختلطة".
والقسم الأخير، أي الذي يفتّش عن تشكّل مختلط، له ردفاء في طوائف أخرى، متذمّرون هم أيضاً من الواقع السياسي لطوائفهم، وهذه "ظاهرة" جديرة بالمتابعة.
البطريرك
ويبقى أن يُقال، في مجال الحديث عن الأمور التي تقتضي الانتباه، أن التشكّل تحت يافطة مسيحية، لا يمكن في الظروف القائمة إلاّ أن يأخذ مشروعيّته من بكركي وسيّدها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، وهي المشروعية التي أضفاها على "قرنة شهوان" سابقاً قبلَ أن تسقط "القرنة" بضربة بطريركية قاضية في مرحلة الانتخابات. ومن الواضح أن البطريرك في توجّهاته الحالية ليس في صدد "تظليل" أي تشكّل مسيحي، الأمر الذي يمثّل إشكالية في حدّ ذاتها لمن في ذهنهم قيام إطار مسيحي جبهوي ما.
إدارة التعدّدية.. والتشاور والتنسيق
وبالعودة الى نقطة انطلاق النقاش، لم يخطئ سمير جعجع في المبدأ، أي في إطلاق نقاش حول الوضع المسيحي السياسي الراهن، ولم يُثر موضوعاً مفتعلاً. بيدَ أن هذا النقاش ـ إذا تعمّق ـ انطلاقاً من الإشكاليات الآنفة، سيتّضح منه أن التعدّدية "الشديدة" ضمن مسيحيي 14 آذار لا تسمح بقيام إطار جبهوي، وإنه لا بد في هذه الحالة من إدارة حكيمة لهذه التعددية. فمسيحيّو 14 آذار فيهم التيّارات الحزبية المسيحية، وفيهم من يقيم على تماس مباشر مع تيّارات غير مسيحية، وفيهم من يرى موقعه ودوره في إطار تشكيلات مختلطة.
ولذلك، فإن الإدارة الحكيمة هي التي تمتنع عن "التوحيد"، وتأخذ في الاعتبار أن لكل لون من الألوان دوره طالما أن لا تناقضات جوهرية بين هذه الألوان بشأن العناوين السياسية الرئيسية، وتأخذ في الحسبان أن كل لون يمكن أن يقوم بـ"شغله"، فالحزب حزبٌ والتيّار تيّار والشخص شخص إلخ... بيدَ أن ما يجب توخّيه دائماً هو التشاور وتنسيق المواقف والآراء والبقاء ضمن 14 آذار "العام". ولا بد من الاعتراف بأن مواجهة "المشكلة العونية" ليست مشكلتها ـ أي المواجهة ـ غياب الإطار بل هي تكمن في حسن إدارة الصراع السياسي وعدم السماح لعون باستدراج المسيحيين الآخرين الى أرض يختارها هو للمعركة.
إن الإشكالية الكبرى لأي بحث مسيحي صرف، تتمثّل في حقيقة أن الساحة المسيحية "عادت" الى تعدّدها الغنيّ.. ولذلك، ينبغي في آن معاً الاعتراف لجعجع بـ"حدسه" السياسي الذي أملى عليه الدعوة الى الاجتاع المسيحي الأخير لبحث "أزمة" قائمة، وبأنه "حاول" ولم يفرض رأيه. وكما يقال فإن من اجتهدَ له أجرٌ واحد على الأقل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00