لما كان من نافل القول أن الوضع السياسي اللبناني مقيمٌ على تقاطع مجموعة من التطوّرات الإقليمية والدولية، فإن متابعةً دقيقة لهذه التطوّرات تفيدُ أن ثمة معطيات رئيسية يجدر أخذها في الاعتبار في المرحلة المقبلة.
في مقدّم هذه المعطيات أن العلاقة الأميركية ـ الإيرانية سائرةٌ بخطى حثيثة الى لون من ألوان المواجهة، انطلاقاً من الملفّ النووي الإيراني الذي ترى فيه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مصدر خطر عليهما من ناحية ومصدر توتّر إقليمي كبير من ناحية أخرى. وليس الملف النووي وحده هو ما يقلق واشنطن، إنما تعتبر الإدارة الأميركية أن السياسة الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط لا تهدّد مصالحها فقط بل وجودها ككل في هذه المنطقة، وهو الوجود الذي بنته تباعاً عبر العقود السابقة.
"المواجهة" الأميركية ـ الإيرانية
فالولايات المتحدة مقنتعةٌ بشكل تام بأن السياسة الإيرانية سواء في العراق أو في فلسطين أو في سوريا ولبنان، تهدف ـ إذا توافرت لها مقوّمات النجاح ـ الى محاصرة النفوذ الأميركي تدريجاً وإلى طرده ـ إن أمكن ـ من المنطقة. والولايات المتحدة مقتنعةٌ أيضاً بأن النظام في سوريا وحكومة "حماس" في فلسطين و"حزب الله" في لبنان يشكّلون "قواعد" لإيران في المنطقة. كما أن واشنطن مقتنعة بأن عدداً من التفجيرات التي شهدتها دول المنطقة في الآونة الأخيرة إنما هي من تخطيط إيراني وبتنفيذ سوري، لإحاطة "الوجود" الأميركي بقدر عالٍ من التوتّر والفوضى.
وقد استوقف الأداء الإيراني ـ السياسي ـ الإدارة الأميركية في هذا المجال. ذلك أن اتفاقاً أميركياً ـ إيرانياً كان تم التوصل إليه في وقت سابق يقضي بالتفاوض بين واشنطن وطهران حول الشأن العراقي. ولإظهار الحرص من جانبها على أن يقتصر التفاوض على الموضوع العراقي وحده، كلّفت الإدارة سفيرها في العراق زلماي خليل زاد بالمهمة.. وإذا بالإيرانيين يعتبرون عنوان العراق مدخلاً الى عناوين أخرى يريدون مناقشتها، وعلى أساسها شكّلوا وفدَهم الى المفاوضات وقد ضمّوا إليه ممثلين عن مختلف إدارات الجمهورية الإسلامية وعن الملفّات كافة، فانضمّ الى الوفد الإيراني ممثل عن الوكالة الذرية الإيرانية، وآخر عن مكتب الرئيس الإيراني وثالثٌ عن الخارجية إلخ..
اعتبرت الإدارة الأميركية أن ثمة سعياً إيرانياً الى إجراء مفاوضات "شاملة" بغية الوصول الى تسوية "شاملة". وقدّرت أن طهران إما أنها ترى أن لديها شعوراً بـ"القوة" فتحاول التفاوض على نطاق شامل، وإمّا أن لديها شعوراً باقتراب المواجهة مع الولايات المتحدة فتحاول تجنّبها عبر محاولة تقديم تنازل في مكان، في مقابل أخذ "شيء ما" مِن بين الملفات المتعدّدة.
القرار في واشنطن: إنجاز قبل انتخابات الكونغرس
حيالَ ذلك كله، اتخذت أميركا قراراً سياسياً حاسماً: لن يكون مقبولاً على الإطلاق أن تدفع طهران واشنطن الى التراجع في المنطقة، أي أنه ليس مقبولاً أميركياً أن تُصيب السياسة الإيرانية السياسةَ الأميركية بـ"مقاتل" استراتيجية.
وفي ترجمة لهذا القرار السياسي "الحاسم"، يبدو بالتزامن معه أن الاستحقاق الانتخابي الداهم على مستوى الكونغرس في الخريف المقبل، وفي شهر تشرين الثاني تحديداً، يشكّل موعداً سياسياً للإدارة الحالية. وبكلام آخر، إن الإدارة لن تُقبل على هذا الاستحقاق الانتخابي الرئيسي من دون أن تكون حقّقت إنجازاً "ما" على هذا الصعيد قبل الانتخابات.
النظام السوري: الحلقة الأضعف والهدف الأسهل
في هذا الإطار، من الواضح أن الإدارة الأميركية التي تصنّف النظام السوري على أنه إحدى قواعد إيران في الشرق الأوسط، تعتبر في الوقت نفسه أن هذا النظام يمثّل الحلقة الأضعف، وتنظر إليه بوصفه الهدف "الأسهل".
فمن وجهة نظر واشنطن، أن النظام السوري لا يحتاج الى استصدار قرارات دولية "جديدة" بشأنه، لأن هناك ما يكفي من القرارات الدولية على امتداد عامين تضع دمشق تحت الرقابة ـ والمحاسبة ـ الدولية. فهو مقيّد بالقرار 1559، ومقيّد بالقرار 1595 المتعلق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومقيد بمتفرّعات هذه القرارات المبنية على تقارير المبعوث الدولي لمراقبة تنفيذ القرار 1559 من جهة وعلى تقارير لجنة التحقيق الدولية والتقرير الأخير الذي سيقدمه رئيسها القاضي سيرج براميرتس سيكون وشيكاً في وقت تتجه الأسرة الدولية الى تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي قريباً من جهة أخرى. والى ذلك، فقد صاغت الادارة في واشنطن ومنذ العام 2003 بعد الحرب على العراق دفتر الشروط الأميركية حيال دمشق، وهناك ايضاً قانون محاسبة سوريا.
كلما تصاعدت الأزمة مع طهران
تصاعدت الضغوط في دمشق
وفي ضوء اعتبارها ان النظام في سوريا يمثل الحلقة الأضعف في "المحور الايراني" وانه الهدف "الأسهل" طالما ان هذا النظام خاضع لـ"دفتر سلوك" تحدده قرارات دولية، فالمتوقع أن يقود كل تصاعد في الأزمة الأميركية ـ الايرانية الى تصاعد في الضغوط الأميركية ـ والدولية ـ على سوريا.
وبالفعل، إن هذا ما يحصل في الأيام الأخيرة، سواء ما تضمنه تقرير لارسن الذي فنّد عدم تطبيق دمشق للقرار 1559 وتبنى المطالب اللبنانية ما يتعلق منها بمزارع شبعا والحدود وما يتصل بالتمثيل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، أو الأمر الذي أصدره الرئيس الأميركي جورج بوش بتجميد أرصدة كل من يشتبه بضلوعهم في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، مستنداً الى "الشبهة" على دمشق التي تحدث عنها تقريرا المحقق الدولي السابق ديتليف ميليس والتي يتابعها خلفه براميرتس.
تقرير لارسن.. واستحضار متجدد للمسألة الرئاسية
على أن التطور الدولي المرتقب بالتزامن مع بدء مناقشة مجلس الأمن لـ "المسألة الايرانية"، يتمثل في إعادة استحضار لارسن في تقريره الذي تبناه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الموضوع الرئاسي في لبنان مذكراً بأن الانتخابات الرئاسية الحرة النزيهة والمطابقة للدستور اللبناني لم تحصل بعد تنفيذاً للبند الأول من القرار 1559. وبكلام آخر، ان هذا التطور المتمثل بتبني الموفد الدولي لمجمل المطالب التي أقرت بالإجماع في مؤتمر الحوار الوطني من ناحية وإعادة التذكير بالواقع اللادستوري، وغير الشرعي لرئاسة الجمهورية في لبنان بناء، على القرار 1559 وعلى الوقائع اللبنانية التي تثبت هذا التوصيف من ناحية أخرى، يمكن أن يجد ترجمة له بقرار دولي جديد يصدره مجلس الأمن، أي أنه يحتمل أن يصدر قرار دولي يطالب اللبنانيين بإجراء انتخابات رئاسية احتراماً لدستورهم وانسجاماً مع المطلب الدولي.
مؤتمر الحوار وتمديد البحث الرئاسي
في ضوء ما تقدم وعلى خلفيته، ينظر عدد من المراقبين الى ما جرى في الجلسة الأخيرة للحوار الوطني يوم الجمعة الفائت.
كان المؤتمر في جولته السابقة في الثالث من نيسان الماضي، قرر بحسب ما أعلن الرئيس نبيه بري حينئذ أن يواصل في جلسة 28 نيسان مناقشة رئاسة الجمهورية، وأن يحسم النتيجة فاما اتفاق على التغيير الرئاسي وإما اختلاف، وفي الحالتين يتم الإعلان عن النتيجة.
وخلال الأسابيع الثلاثة التي سبقت استئناف الحوار الجمعة الماضي، بدا واضحاً ان المواقف التي تصدر عن المتحاورين تشير الى ان الاتفاق على إجراء تغيير رئاسي، أمر متعذر، وبدا ان جلسة 28 ستكون الأخيرة، على الأقل بالنسبة الى بند الرئاسة.
بيد أن ما جرى في الجلسة الأخيرة أحدث نوعاً من المفاجأة. فبالرغم من تأكد الاختلاف بين فريقي 14 آذار و8 آذار حول المسألة الرئاسية، قرر المتحاورون استبقاء هذا البند الى جلسة أخرى في 16 أيار الجاري، أي أنهم قرروا العودة الى مناقشة الموضوع الرئاسي.
قرار دولي جديد في الأفق يؤسس ظرف إقالة لحود؟
على خلفية هذه المفاجأة، ثمة سؤال طُرح على نطاق واسع في الأوساط السياسية خلال الساعات الماضية: ما الذي دفع المتحاورين المختلفين الى حد التناقض في البند الرئاسي الى تجديد فرصة البحث في هذا العنوان؟
لا يخفي الكثيرون، جواباً عن هذا السؤال، ان في خلفية قرار تمديد البحث في رئاسة الجمهورية، يقع النقاش الدائر في نيويورك حول تقرير لارسن ومشروع القرار الذي يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن بناء على هذا التقرير، وفيه مطالبة دولية بانتخابات رئاسية في لبنان.
وعلى هذا الأساس، فإن قرار مؤتمر الحوار بمتابعة البحث في رئاسة الجمهورية في 16 أيار، يصبح في هذه الحالة استباقاً لقرار محتمل يصدره مجلس الأمن من ناحية وتحوّطاً من هذا القرار بحيث لا تبدو العودة الى مناقشة رئاسة الجمهورية لاحقاً وكأنها خضوع بل تبدو نوعاً من المبادرة الذاتية من ناحية ثانية، كما أن النظام السوري "قد" يكون في "مناخ" أن ثمة قراراً دولياً جديداً يحضّ على حصول انتخابات رئاسية لبنانية فلا يريد إغلاق الباب بالكامل متأملاً أن يجري تفاوض ما معه لتنحية رئيس التمديد إميل لحود وعندئذ "قد" يكون مستعداً لـ"بيعه".. من ناحية ثالثة.
بمعنى آخر، يمكن قراءة قرار تمديد البحث في رئاسة الجمهورية الى 16 أيار بالعلاقة مع تطوّر شديد الاحتمال يتمثّل في صدور قرار دولي جديد، أي أن قرار المتحاورين ـ أو معظهم بالأحرى ـ يبني على احتمال كبير في أن تشهد الأيام المقبلة تشكّل الظروف "الخارجية" المؤاتية لإقالة لحود أو تنحيته أو استقالته. وفي جميع الأحوال، فإن تمديد البحث في رئاسة الجمهورية مهم، لأنه يعني ـ أو هو لا يزال يعني ـ أن مصير لحود مفتوح، في حين كان ثمة سعيٌ من جانب البعض على طاولة الحوار الى الانتهاء من هذا الموضوع و"إقفاله" على بقاء لحود في بعبدا تحت عنوان أن الحوار حول مصيره انتهى.
التصعيد الأميركي حيال لحود يتجدّد
وعلى كل حال، فإن ما يعزّز هذه القراءة بالذات لقرار مؤتمر الحوار، هو أن المواقف الأميركية من لحود التي تصاعدت ضدّه خلال شهرَي كانون الثاني وشباط الماضيين، ثم بدا أنها تراجعت خلال آذار وبعض شهر نيسان بالصلة مع بروز الأولوية الإيرانية، عادت ـ أي المواقف الأميركية ـ الى التصاعد من جديد في الأيام الماضية، بين الاستقبال الرئاسي في البيت الأبيض لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة وبين الكلام المتكرّر للسفير الأميركي جيفري فيلتمان على إيقاع مواقف مماثلة في واشنطن، حول التطلّع الى استقبال رئيس لبناني جديد يمثّل المستقبل لا الماضي.
إذاً، وبالعودة الى نقطة الانطلاق، قد "يستفيد" لبنان في المدى المباشر، بالتقاطع مع التطوّرات الإقليمية، من الضغوط الدولية على سوريا. غير أن هذه القراءة تبقى مجتزأة ما لم تتّسع للتدقيق في ما يمكن أن ينتج عن التطوّرات في المدى المتوسّط. ذلك أن جزءاً من "الموضوع" يتعلّق بمآل الأزمة الأميركية ـ الإيرانية ومدى انعكاسها على لبنان في جوانب أخرى، وهذا شأنٌ تجدرُ متابعته في الفترة القريبة المقبلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.