في إطار الحوار الوطني ومنذ جلسته الأولى في الثاني من آذار الفائت، أقدم رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري على ما يسمّيها رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط "تضحية كبيرة" تمثلت في موافقته على الفصل بين التحقيق الدولي في جريمة اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبين العناوين السياسية بما فيها العلاقات اللبنانية ـ السورية، وذلك من منطلق الاقتناع لدى الحريري ـ وفريق 14 آذار ـ بأن للتحقيق الدولي مساره المستقل المنحكم إلى قرارات دولية واضحة من ناحية ومن منطلق الحرص على إنجاح الحوار في عناوينه الكثيرة المتشعبة من ناحية أخرى.
بين "الربط" السوري و"الفصل" اللبناني
دارت الأيام دورتها، وبدا واضحاً خلال الأسابيع الأخيرة، ان ما وافق عليه سعد الحريري مؤيداً من فريق 14 آذار، يرفضه النظام السوري والفريق الحليف والتابع في لبنان. بدا واضحاً ان رفض النظام السوري للمطالب اللبنانية بما فيها تلك المقرّة بالإجماع، وتعطيله زيارة رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة إلى دمشق لبحث هذه المطالب، انما يعكسان ـ أي الرفض والتعطيل ـ ربطاً من جانب النظام السوري لكل الأمور بالتحقيق، ما حدا أحد السياسيين البارزين إلى القول ان النظام في سوريا لا يريد فصل التحقيق عن العلاقات مع لبنان، بل هو يريد التحقيق.
وفي ضوء ملاحظة "الربط" السوري في مقابل "الفصل" اللبناني، يمكن القول، وذلك بحسب أوساط متابعة عديدة، ان السياسة التخريبية والتعويقية السورية الحالية إزاء لبنان والمطالب اللبنانية لا تندرج فقط في إطار مراهنة نظام دمشق على متغيرات إقليمية يشكّل الملف النووي الإيراني والعلاقة المتوترة بين طهران والمجتمع الدولي منطلقها، انما يشكّل التوتر ـ السوري ـ حيال مجريات التحقيق الدولي وقد دخل منعطفاً "استراتيجياً"، أساساً لها.
هجوم لحود على التحقيق
على هذه الخلفية، يمكن قراءة "الهجوم" الذي شنّه رئيس التمديد السوري إميل لحود على التحقيق دفاعاً عن جنرالات النظام الأمني الأربعة الموقوفين بناء على طلب لجنة التحقيق الدولية. وهجوم لحود هذا، هو التعبير الأبرز ـ أو الأكثر وضوحاً ـ عن ذلك الربط السوري بين التحقيق وبين سائر العناوين السياسية في إطار العلاقة اللبنانية ـ السورية.
بكلامٍ آخر، ان هذا "الربط" ـ في مقابل "الفصل" من جانب سعد الحريري وفريق 14 آذار ـ يتزامن مع التقدم الحاصل على مستوى التحقيق الدولي في الجريمة الإرهابية، سواء بعد رضوخ النظام في دمشق لمطلب استماع فريق التحقيق الدولي إلى رئيسه بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع، أو على أبواب خطوة حاسمة تتمثل في الاتجاه إلى تعيين مدّعٍ عام دولي قريباً ليتم الانتقال من التحقيق إلى الظن والاتهام والادعاء، وذلك في موازاة خطوات حثيثة لتشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي "حيث لا ينفع مال ولا بنون". وإذ يتزامن "الربط" مع هذه التطورات جميعاً على الصعيد التحقيقي القضائي، فإنه يشكّل في الوقت نفسه العنوان غير المعلن مباشرة للهجوم السوري على الوضع اللبناني.
الردّ الأول أتى من بوش: التحقيق يحسم وضع لبنان
وكالعادة، "ارتكب" النظام في سوريا سوء تقدير سياسي في ربطه هذا.
يُستدلّ على ذلك أولاً من الموقف الذي اتخذه الرئيس الأميركي جورج بوش أول من أمس، عبر "الأمر" الذي أصدره بتجميد أرصدة كل من يشتبه به في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
وإذا كان مهماً جداً التذكير هنا بأن هذا الإجراء الأميركي يُعدّ الموقف الأقوى للإدارة الأميركية حيال دمشق منذ بضعة أشهر، فمن المهم أيضاً وضع الإجراء الأميركي في خانة الموقف الداعم للتحقيق الدولي الذي تتبناه الإدارة الأميركية، وفي خانة الدعم الأميركي المتكرر للبنان. بيد ان الأهم في وقتٍ تشير الخطوة الأميركية الأخيرة إلى ان تحقيقات القاضي سيرج براميرتس لا تعاكس ما توصل إليه سلفه القاضي ديتليف ميليس لجهة تحميل النظام في سوريا مسؤولية دور معيّن في الجريمة، هو ان الإدارة تعتبر التحقيق الدولي ونتائجه المفتاح في التعامل مع النظام السوري، لا بل المدخل إلى "حسم" الأوضاع لبنانياً وسورياً.
وهنا تكمن المفارقة الكبيرة: فيما يراهن نظام دمشق في سياسة الربط بين التحقيق الدولي وبين العناوين السياسية كافة ويتخذ منه ـ أي الربط ـ وسيلة مواجهة يشكّل لبنان مسرحها الرئيسي، وفيما يضيف هذا الربط إلى الرهان على مواجهة إيرانية ـ دولية تقلب الأوضاع رأساً على عقب، تقول له الإدارة الأميركية لا تفتّش عن مهارب فإنك الحلقة الضعيفة والتحقيق الدولي سوف يتكفّل بك، وانك بدلاً من ان تتعاون تنفيذاً للقرارات الدولية انما تضع نفسك في دائرة الضوء "الشديد".
تقرير لارسن: التدويل
ويُستدلّ على سوء التقدير السياسي السوري ثانياً من واقع ان رفض دمشق التعاطي ايجاباً مع المطالب اللبنانية أدى إلى أن تصبح هذه المطالب اللبنانية مطالب دولية كما تجلى ذلك في التقرير الذي قدّمه المبعوث الدولي لمراقبة تنفيذ القرار 1559 تيري رود ـ لارسن إلى مجلس الأمن الذي وضع يده عليه وبدأ درس "الاستخلاصات" اللازمة. وعليه، فإن السياسة السورية أدت إلى تدويل المطالب اللبنانية، هو أمر بالغ الدلالة، إذ بدلاً من أن يُقدم النظام في سوريا على التحاور مع الحكومة اللبنانية بايجابية، اختار طريقاً آخر، فكان التدويل، وفيما كان اللبنانيون يجهدون من أجل "لبننة" القرارات الدولية لا سيما القرار 1559 الذي قادت السياسة السورية إلى استصداره في حينه، انتقل الملف السياسي اللبناني إلى مزيد من التدويل، الداعم للبنان على كل حال.
هكذا إذاً، بين "الربط السوري" للتحقيق الدولي بالعناوين السياسية مع لبنان ورهانه على المواجهة الإيرانية ـ الدولية من جهة وبين "الفصل اللبناني" للتحقيق الدولي عن العناوين السياسية والمباركة الدولية المتجدّدة للمطالب اللبنانية من جهة ثانية، يستوي المشهد السياسي اللبناني على "صورة" معيّنة خلال الأسابيع والشهور المقبلة.
بين "الجبهة السياسية" و"القوة اللسانية الضاربة"
من الطبيعي ـ والمنطقي ـ في مثل هذه الأجواء أن يُصار إلى استنتاج ان جلسة مؤتمر الحوار اليوم ستكون محطة نحو صراع سياسي محتدم.
وفي إطار هذا الصراع، تجدر ملاحظة مجموعة من المعطيات. المعطى الأول يتمثل في استكمال دمشق استنفار الرموز السياسيين للنظام الأمني المخابراتي السوري ـ اللبناني المشترك، وهذا ما برز بـ"عودة" الوزيرين السابقين ميشال سماحة وايلي الفرزلي والنائب السابق ناصر قنديل إلى المسرح السياسي من جديد، وهؤلاء كانوا ـ ولا يزالون ـ على علاقة وطيدة بالمسؤولين الأمنيين السوريين واللبنانيين وأبرزهم رستم غزالي وجميل السيّد.
والمعطى الثاني يتمثل في مواصلة السعي إلى تشكيل "الجبهة" السياسية الموالية للنظام السوري. وفي المعلومات ان "البورصة" استقرت على "جبهة" تتشكل من عمر كرامي وسليمان فرنجية وطلال ارسلان والبير منصور وعبد الرحيم مراد، وهؤلاء جميعاً كوّنوا النواة الرئيسية لحكومة كرامي التي جرى اغتيال الرئيس الشهيد في عهدها، وكان لكل منهم دورٌ في "المناخ السياسي" للاغتيال.
والمعطى الثالث، هو ان "الجبهة" التي ستعتمد على قوة "لسانيّة" ضاربة من قنديل وسماحة ووئام وهاب، تشكو من ان فريقين هما "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، وحركة "أمل" طبعاً، لن يكونوا عضوياً في هذه "الجبهة".
"الحضن" العوني
غير ان ما تجدر ملاحظته في هذا المجال، هو ان شخصيات "الجبهة" من ناحية وشخصيات "القوة الضاربة اللسانية" ـ من لِسان ـ من ناحية أخرى، يقومون بممارسة سياسة الاحتماء برئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون لا بل يقصدون "الحضن" العوني باستمرار ويحجّون اليه. وإذا كان ذلك كله يلفت إلى الثقة السورية بعون، وإلى ثقة هؤلاء جميعاً به بالتالي، ويشير إلى محاولة ضمّ الجنرال إلى "الجبهة" سياسياً وليس تنظيمياً، فإن ما يلفت الأنظار ليس المديح الذي يكيلون للعماد عون فقط، بل بلوغ الأمر حداً "سوريالياً" تمثل في الاعتذار الذي تقدم به ناصر قنديل من عون واعترافه بـ"الخطأ" حتى كاد يطلب منه "الصفح" و"الغفران". ومعنى ذلك انّ هذه "المجموعة" تسعى إلى الحصول على تغطية من الجنرال الذي لم يعد جائزاً بعد اليوم التعاطي مع سياسته التي تحمي بقاء إميل لحود في بعبدا، وتمنح غطاءها للفريق السياسي للنظام الأمني "المشترك"، إلا بوصفها ـ أي هذه السياسة ـ واجهة للمشروع السوري "المرحلي".. لكن مع فارق هذه المرة هو ان عون بسياسته وأدائه هذين انما يجازف بتوفير غطاء لشخصيات "ملتبسة" في علاقتها بالتحقيق الدولي.
"حزب الله"
وإلى هذه المعطيات الثلاثة التي تشكّل جزءاً من المشهد السياسي، يضاف معطى يتعلق بحزب الله. وفي هذا المجال، وإذ يرى مراقبون كثيرون ان "حجر الزاوية" في المشروع السوري "المرحلي" داخلياً في لبنان هو عون، فإنهم ـ أي المراقبون ـ يعتبرون ان "حزب الله" الذي يتحالف مع دمشق وقد احتضن رموز مرحلة الوصاية السورية، لن يدخل "الجبهة"، وعلى الأرجح سيكون حريصاً على عدم القطع النهائي مع "تيار المستقبل" خصوصاً. غير ان ثمة جانباً آخر يلفتون إليه، يتصل بالعلاقة الثنائية بين الحزب والتيار العوني، الأمر الذي يطرح على الحزب إشكاليات في مجال التنسيق بين المواقف والتحركات والأهداف، إذا أخذ في الاعتبار ما هو معلن من جانب كل منهما".. إلا إذا كان ثمة "تواطؤ" معيّن بينهما سيكون موضع رصد ومتابعة على كل حال.
"14 آذار"
في هذه "الصورة" تبقى الإشارة إلى فريق 14 آذار. فهو إذ يقرأ الربط السوري بين التحقيق الدولي والعناوين السياسية على انه إشارة توتر وارتباك، وإذ يتوقع أن تشهد الفترة القريبة الفاصلة عن انتهاء مهمة براميرتس في منتصف حزيران المقبل تطورات تحقيقية بارزة، انما ينطلق في خطته للمرحلة المقبلة، من التمسّك بمقررات الإجماع الوطني وقد صارت لها مباركتان عربية ودولية ليصوغ برنامج صمود اقتصادي ـ اجتماعي ـ سياسي ـ أمني كما قال رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط أول من أمس. سيكون على هذا الفريق خوض الصراع السياسي على تقاطع تطورات كبيرة، وسيكون عليه الصمود عدداً إضافياً من الشهور، وهذا شأن سيكون الحديث فيه أكثر تحديداً اعتباراً من بعد غدٍ 29 نيسان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.