8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المسألة السيادية والعملية الإصلاحية ورقتان بيد 14 آذار لـ"المواجهة"

من الواضح وقبل ثمان وأربعين ساعة من جلسة مؤتمر الحوار الوطني بعد غد الجمعة أن فرصة انتهاء هذه الجلسة بنتائج على صعيد بندَي رئاسة الجمهورية وسلاح "حزب الله"، غير متوافرة. وذلك ليس فقط لأن مقدّمات البحث في رئاسة الجمهورية في ظل المواقف المعروفة لا تقود الى توافق بشأن حصول تغيير رئاسي، بل أيضاً لأن بند السلاح عاد ليرتبط مرة أخرى بالسياق السياسي الذي وُضع فيه من جانب النظام السوري وحلفائه، ما قادَ فريقَي النظام والحلفاء الى التراجع حتى عن البنود التي أُقرّت بالإجماع في جولات سابقة.
بنود الإجماع.. وكلام نصرالله
بكلام آخر، ينعقد المؤتمر بعد غد، وقد انتكست بنود الحوار المقرّة بالإجماع، أي أن الانتكاسة في البندَين المتبقيين بمثابة تحصيل حاصل. وأبلغُ دليل على هذا التوصيف ما أعلنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أول من أمس نفياً لوجود إجماع حول ترسيم حدود مزارع شبعا.
والنقاشُ هنا مع نصرالله يتجاوز "مفرَدة" الترسيم أو التحديد. ذلك أن مؤتمر الحوار عندما قرّر بالإجماع تثبيت لبنانية مزارع شبعا وتحديدها بما يتلاءم مع المعايير المقبولة دولياً، فإنه وضع هدفاً واضحاً هو تحرير المزارع بعدَ تثبيت لبنانيّتها وتحديدها، أي أن التحرير ـ بالنسبة الى الدولة اللبنانية ـ هو نتيجة للتثبيت والتحديد، ولا معنى لخطوة "تحديد عام" كما قال نصرالله، لأن "التحديد العام" لا يُطعم خبزاً أي أنه لا يؤسس مقدّمات التحرير "السياسي" و"الديبلوماسي"، ولمقدّمات استرجاع المزارع الى السيادة اللبنانية. والفارق إذاً بينَ التثبيت والتحديد من جهة والتحديد "العام" من جهة ثانية، هو أن التثبيت يقود الى وضع مزارع شبعا تحت سقف القرار الدولي المتعلّق بلبنان أي القرار 425، فيما يُبقي التحديد "العام" مزارع شبعا معلّقة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
للسيد حسن نصرالله أن يقول ما يريد، وهو على أي حال لا يكشف قطبةً مخفيّة، على اعتبار أن استعادة مزارع شبعا الى السيادة اللبنانية بعد تثبيت لبنانيّتها لتحريرها، تنضوي ـ أي استعادة المزارع الى السيادة ـ ضمن مشروع سلطة الدولة وسيادتها وتوفير مقوّمات هذه السيادة على الأرض. وليس طبيعياً أو مفهوماً أن يرى نصرالله هدفاً غير هذا الهدف، خصوصاً عندما يقول إن الساعين الى تثبيت لبنانية المزارع ليس هدفهم تحرير المزارع بل إنهاء "سلاح المقاومة". لكأن السيد يرفض الربط بين التحرير ومشروع الدولة. والأخطر في نظر العديد من المراقبين هو أن نصرالله يتناسى أن اتفاقاً ضمنياً كان قائماً بين المكوّنات الرئيسية على أن بحث مسألة السلاح يكون أكثر جدوى متى استُكمل تحرير الأرض، ويتناسى أنه هو نفسه كان وافق على الحوار حول وظيفة السلاح في ما يتجاوز مزارع شبعا.
من هذه الزوايا بالتحديد، لا يعود نفي نصرالله للإجماع على "الترسيم" نفياً لـ"مصطلح" بل يغدو نفياً لمجمل "منطق" الحوار وتراتب أولوياته، علماً أن الحوار انطلق وبدعوة من الرئيس نبيه بري من القرار 1559، بهدف "لبننة" الاستحقاقات على أساس مرجعية اتفاق الطائف.
قائد "حزب الله": رسالة تحميل 14 آذار المسؤولية
غير أن ذلك كله ليس سوى جزء من "رسالة" السيد نصرالله الى مؤتمر الحوار. فثمّة جانب آخر في خطابه أول من أمس جديرٌ بالتعليق. فالأمين العام لحزب الله قاربَ عدم تحقّق المطالب اللبنانية المقرّة بالإجماع حتى الآن من زاوية تحميل فريق 14 آذار المسؤولية وليسَ النظام السوري. كان نصرالله واضحاً في قوله: يريدون كذا وكذا من سوريا ويستمرّون في مهاجمتها والحرب عليها.
هكذا إذاً، يقدّم خطاب نصرالله جزءاً رئيسياً من المشهد على طاولة الحوار بعدَ غد الجمعة. فهو يدخل الى المؤتمر محمّلاً فريق 14 آذار المسؤولية عن تعويق بنود الإجماع الوطني، وسوف يطعن بالخطوات المتخّذة لـ"ترسيم" حدود مزارع شبعا.
في المقابل، ليس خافياً أن لفريق 14 آذار مقاربةً أخرى. هو يعتبر أن ما أقرّ بالإجماع إنجاز مهمّ. ويرى أن اصطدام الحوار بحائط مسدود في ما يتعلّق بالمسألة الرئاسية لا يمنع مواصلة الحوار في بند السلاح. وحين سيَسأل عمّا آلت إليه بنود الإجماع الوطني سيكون واضحاً في تحميل مسؤولية التعطيل الى النظام السوري في سياق حربه المتواصلة على الوضع اللبناني. وسيعتبر أن ما أقرّ بالإجماع ينبغي التمسّك به.
"المسألة السيادية" تتجدّد
في 28 نيسان إذاً، وفي ضوء المقدّمات الآنفة التي تفيد أن "الفرز" أو "الاصطفاف" يعود الى سيرته الأولى، من المنطقي افتراض أن ينتهي المؤتمر وقد قرّر كل فريق المضيّ في طريقه السياسية.. أي أن 28 نيسان سيؤرّخ لاستئناف الصراع السياسي على إيقاع "أعلى" مما كان عليه حتى في الأيام الأخيرة.
بيدَ أن ما ينبغي تسجيله، هو أن انتكاسة الحوار ـ وانتهاءه ـ لدى وصوله إلى بندَي الرئاسة وسلاح "حزب الله"، وانتكاسة الحوار بالتراجع في البنود السابقة، أن كل ذلك على الرغم من سلبيّته ـ لأن فشل أي حوار هو أمرٌ سلبيّ بالمطلق ـ يعيدُ إبراز العنوان السياديّ بقوة من جديد. وبكلام آخر، وإذ يعني هذا التطوّر أن معركة السيادة الوطنية لا تزال مستمرّة وأنها لا تزال في منتصف الطريق أو أكثر بقليل، فإن المسألة السيادية تعود من جديد عنواناً رئيسياً في برنامج فريق 14 آذار. فالتطوّر هذا منظوراً إليه سلباً من زاوية تأخيره لاكتمال استقلال البلد، ومن زاوية تأشيره الى حدّة الصراع السياسي، يمكن أن يكون "مفيداً" لفريق 14 آذار كي يستعيد المبادرة مرة أخرى من مدخل المسألة السيادية. ذلك أنه لا يخفى في التحليل السياسي أن فريق 14 آذار بدخوله الى الحوار ومراعاته مقتضيات الحوار ـ ولم يكن ثمة خيار آخر ـ لم يكن ممسكاً بالمبادرة، وثمة فرصة لـ"استئناف" المبادرة.
"الجبهة" الموالية لسوريا وإشكاليّات تعثّرها
في المقابل، ليس خافياً على أحد أن النظام السوري أعاد خلال الأسابيع الأخيرة استنفار حلفائه وأدواته وأتباعه واستحضرهم الى المسرح السياسي من جديد.
وعلى الرغم من "تعبئة" النظام السوري لهؤلاء جميعاً تحت عناوين شتّى منها أن الأحوال سوف تتغيّر وأن فريق 14 آذار في طريقه الى "الانتهاء" وأن التطوّرات في المنطقة تجري لمصلحة النظام السوري.. وكل ذلك من القراءات الخاطئة، فإن مشروع الجبهة السياسية الموالية لنظام دمشق يتعثّر.
لا شك أن تعثّر قيام الجبهة السياسية الموالية للنظام في سوريا هو مؤشّر ارتباك، ذلك أنه من الطبيعي أن ينعكس التوتّر السوري حيال الاستحقاقات الدولية والإقليمية ارتباكاً سياسياً في الأداء في لبنان. وإلى ذلك تضافُ حقيقة أن المدعوّين الى تشكيل جبهة "المواجهة" السورية لا يمثّلون وزناً سياسياً. ويشار هنا الى أن القوّتين السياسيّتين الرئيسيّتين الحليفتين لسوريا، أي "حزب الله" و"التيّار العوني"، لا يبديان ـ على ما تقول المعلومات ـ حماساً للانضمام الى الجبهة المذكورة، وبدونهما لا تكون الجبهة "فعليّة".
بين "حزب الله" وعون
صحيحٌ أن "حزب الله" يقوم باحتضان رموز الحقبة السورية، من كل الطوائف. وصحيحٌ أيضاً أنه يشجّع "حركة سياسية" موالية لسوريا. لكن الصحيح أن له حسابات من شأنها أن تجعله لا يدخل في هذه الجبهة وقيادتها. وفي هذه الحسابات، "قد" لا يكون الحزب راغباً في إسقاط الحكومة خاصة إن لم يكن متأكداً من أنها ستسقط حتماً، و"قد" يكون من بين الحسابات أيضاً أنه لا يرغب في "القطع" مع "تيّار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري فيما علاقاته مأزومة مع الأطراف الأخرى في 14 آذار. و"قد" يكون من بينها أنه لا يريد مغادرة الحكومة في هذا الظرف الإقليمي ـ الدولي المحيط بلبنان.
أما العماد ميشال عون، فعلى الرغم من التحوّل الاستراتيجي عنده باتجاه سوريا، فإنه يحاذر الانضمام "العضوي" الى جبهة موالية لسوريا، لأن له حسابات أيضاً، أهمها عدم تمكين خصومه من الإمساك بـ"ورقة إثبات" سوريّته. و"قد" يكون من بين أسبابه أنه ـ حيال الداخل والخارج معاً ـ لا يريدُ التقدّم بـ"وجه" سوري مكشوف. بيدَ أن ثمة "تمايزاً" برز في الأيام الماضية بينه وبين حليفه "حزب الله"، إذ في حين لا يطرح الحزب علناً هدف إسقاط الحكومة، يعلنُ عون أن هذا هو هدفه المباشر.
من هنا، فإن إشكاليات قيام الجبهة الموالية للنظام السوري كثيرة: التوتّر السوري المنعكس ارتباكاً سياسياً من ناحية، لا معنى قيام هذه الجبهة من دون مشاركة مباشرة للحزب و"التيّار" فيها من ناحية ثانية وحسابات الحزب والتيّار الخاصة بكل منهما من ناحية ثالثة.
خطة استنزاف الأكثرية والتوعّد بالشارع
بطبيعة الحال، وعلى الرغم من هذه الإشكاليات، لا يمكن القول أن أي "متغيّر" لن يطرأ. ذلك أن ما يجمع بين الجميع في الضفّة السورية هو هدف كبير واحد: استنزاف الأكثرية وتهيئة الظروف لتغيير الوضع السياسي. وتجدر الإشارة هنا الى فارق جوهريّ بين "حزب الله" و"التيّار العوني"، فالأول أكثر "ذكاء" و"دهاء" بكثير، وفي سياساته شيء كثير من "التقيّة"، فيما الثاني يفتقر الى الحنكة ويتحرّك بـ"الانفعال". وهذه الإشارة "قد" تعني أن "التيّار العوني" يكشف المستور بينه وبين "حزب الله" أي أنه يعلن هدف إسقاط الحكومة قبل الأوان. و"قد" تعني أن الحزب يعملُ للهدف نفسه لكن على إيقاع مختلف، وهو على أي حال يمارس منذ فترة بعيدة سياسة تزاوج بين عدم القطع مع الحريري وبين الهجمات "المرتدّة" على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة.
على أن الثابت، إضافة الى كون الطرفين أي "حزب الله" و"التيّار العوني" يُعتبران الطرفين اللذين "يعتدّ" بهما في الضفة المتقاطعة مع دمشق، هو أنهما سينتقلان بعد 28 الجاري الى التحرّك في الشارع، وإن كان "التيّار" يهدّد بالشارع أكثر. ويربطان الانتقال الى الشارع بالمدخل الاقتصادي ـ الاجتماعي، وذلك على طريق استنزاف الأكثرية والحكومة.
ورقة العملية الإصلاحية
وهنا، من الطبيعي استنتاج أن الأكثرية وفي خطّتها للصمود الطويل النفس، مطالبة بتفويت الفرصة على مشروع استنزافها. ولذلك، وبما أن الأولوية لـ"السياسة"، فإن الخيار واضح: المضيّ في العملية الإصلاحية وتطوير البدائل سواء تعلّق الأمر بالضمان الاجتماعي أو الكهرباء أو غيرهما من جهة، في مقابل عدم تكبيد المواطن أي أكلاف إضافية على معيشته من جهة ثانية.
وفي تلخيص لمجمل ما تقدّم، يمكن القول أن ثمّة "ورقتين" رئيسيّتين يجب أن تكونا في يد الأكثرية بعد 28 الجاري: ورقةُ المسألة السيادية المتجدّدة من ناحية وورقة العملية الإصلاحية بما فيها محاربة الفساد "الفعلي" في الأمكنة الفعليّة من ناحية ثانية. وإن أحسن فريق 14 آذار الإمساك بالورقتين معاً وإلى جانبهما إمساك الحكومة بالمسألة الأمنية، فإنه سوف يستعيد المبادرة، ويحبط الهجمة المضادّة لاستنزافه.. والأهم أن يخرج فريق 14 آذار الى الصراع السياسي لتكون معركته مفهومةً من الناس، أي أن يوحّد خطابه وينسّق أداءه بدرجة أعلى، وأن تكون "الحسابات" مشتركةً الى حدّ كبير بين مكوّناته.
في 29 نيسان يومٌ آخر، والمعركة الطويلة مستمرة.. والتفاؤل مصدره أن فريق 14 آذار الذاهب الى الحوار بعدَ غدٍ الجمعة ذاهبٌ وفي يده برنامج بديل للصمود، جاهز منذ الآن.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00