يعود مؤتمر الحوار الوطني الى الانعقاد هذا الأسبوع وسط استحقاقات دولية وإقليمية داهمة وبالغة الأهمية بالنسبة الى لبنان، الأمر الذي يحيط مستقبل المؤتمر ومصير جلسات الحوار بأكثر من علامة استفهام.
الاستحقاق الأول في الأيام القليلة المقبلة، هو اجتماع مجلس الأمن لمناقشة التقرير الذي أعدّه المبعوث الدولي لمراقبة تنفيذ القرار 1559 تيري رود ـ لارسن وقدّمه الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الأسبوع الماضي.
وبحسب المعلومات الديبلوماسية المتوافرة، فإن مجلس الأمن هو بين خيارَين بنتيجة تقرير لارسن الثالث، فإمّا بيانٌ رئاسي يعكس وجهة نظر المجتمع الدولي حيال التقرير وما يتضمه على غرار البيان الرئاسي السابق في كانون الثاني الماضي، وإمّا قرار يصدره مجلس الأمن متبنيّاً مضمون التقرير ومحدّداً الالتزامات المطلوبة من دمشق في ضوء هذا المضمون. وتقول المعلومات أن ثمة سعياً أوروبياً ـ أميركياً باتجاه الصيغة الثانية أي القرار الدولي تأكيداً لالتزام المجموعة الدولية بدعم لبنان.
مجلس الأمن وتقرير لارسن "اللبناني"
على أن ما هو جديرٌ بالملاحظة في هذا المجال أن التقرير الأخير للارسن الأسبوع الفائت، يتضمّن المطالب التي أقرّها مؤتمر الحوار اللبناني بالإجماع، أي أن "الجديد" على هذا الصعيد هو أن المطالب اللبنانية غدت مطالب دولية، وهذا ما يمثّل تطوراً لمصلحة القضية اللبنانية. فإذا كان النظام السوري تعاطى مع المطالب اللبنانية بإدارة الظهر لها خلال أسابيع لا بل بتصعيد للأزمة مع لبنان عبر رفضه المطالب جملةً وتفصيلاً، وذلك في امتداد نهجه التخريبي في لبنان الهادف الى زعزعة استقراره، فإن "الجديد" ـ النسبيّ ـ هنا هو أن المطالب اللبنانية باتت في صلب مشكلة النظام السوري مع المجتمع الدولي، ومن ضمن "ملفّه" المأزوم مع الشرعية الدولية. ذلك أن هذه المطالب ـ المقرّة بالإجماع ـ تمثّل التطبيق اللبناني للقرار 1559، لكنها قبل ذلك وبعدَه تمثّل التطبيق الأمين لاتفاق الطائف أي المرجعية الميثاقية للبنانيين.
زيارة السنيورة
بيدَ أن الأهم ـ حدَثيّاً ـ هو أن اجتماع مجلس الأمن لمناقشة تقرير لارسن، يلي زيارةً ناجحةً جداً لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الى الولايات المتحدة في محطّتَيها بين واشنطن ونيويورك.
فإذا كان بديهياً القول أن زيارة السنيورة الى الأمم المتحدة كانت بتفويض من مؤتمر الحوار، وأن ما طرَحه هناك يقع ضمن الإجماع اللبناني، سواء ما يتعلّق بلبنانية مزارع شبعا أو بترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية وضبطها أو بالتمثيل الديبلوماسي بين بيروت ودمشق، فإن الجدير بالاهتمام يتّصل بالمقاربة الدولية المتعاطفة مع لبنان، لا سيما في موضوع لبنانية مزارع شبعا.
ذهب رئيس الحكومة الى نيويورك بقرار لبناني اتخذ بالإجماع يقضي بتثبيت لبنانية المزارع وتحديدها وفقاً للصيغ "المقبولة" دولياً. وذهبَ الى المنظمة الدولية بعنوان محدّد هو المطالبة بضغط أميركي ـ دولي على إسرائيل كي تنسحب من المزارع، أي أن السنيورة لم يذهب بمهمة "نظريّة" هي "استطلاع" كيفية الترسيم من وجهة نظر القانون الدولي على أهمية هذا الجانب، بل ذهب بمهمّة هادفة الى وضع الترسيم في خدمة التحرير من إسرائيل، وجعل التحرير أساساً للترسيم ومنطلقاً له.
سمِع السنيورة في واشنطن كلاماً "متفهماً" من قِبَل الإدارة الأميركية على أعلى مستوياتها لوجهة نظر لبنان ـ أي حكومته وإجماعه الوطني ـ وسمِع في نيويورك تأييداً وحلولاً عملية.
دعم دولي لترسيم "خرائط" المزارع
فإذا كان صحيحاً أنه سمِع أن الترسيم يجري ـ بحسب القانون الدولي ـ بين الدولتين اللتين يقوم بينهما "النزاع الحدودي"، أي بين لبنان وسوريا في حالة مزارع شبعا، فالصحيح أيضاً أنه سمع من الأمم المتحدة أن الترسيم يمكن أن يتمّ حتى لو كانت المزارع تحت الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بواسطة الأقمار الصناعية والصور الجويّة، فتوضع خرائط قابلة في ظرف مناسب للتعديل إذا كان فيها ما يثير خلافات بين البلدين المعنيين.
إسقاط "الذريعة السورية" وحشرة نظام دمشق
عملياً، قالت الأمم المتحدة قولاً واضحاً أسقط ذريعة الرفض السورية للترسيم، أي ذريعة الاحتلال الإسرائيلي. وإذ برهَنت المنظمة الدولية عن استعدادها لمساعدة لبنان في استعادة مزارع شبعا الى السيادة اللبنانية، خرج الرئيس السنيورة من لقاءاته "النيويوركية" ليتحدّث عن "ترسيم الخرائط" بدلاً من الترسيم الميداني للحدود.
لم يعُد ثمّة شك في أن استعادة المزارع الى السيادة اللبنانية ممكنة عبر "ترسيم الخرائط" ممراً الى مطالبة إسرائيل بالانسحاب منها لإخضاعها للقرار 425. ولم يعُد ثمة شك في أن العقبة أمام استعادة المزارع، سورية بامتياز. كذلك لم يعُد ثمة شك في أن المجتمع الدولي صادقٌ في دعمه سيادة الدولة اللبنانية، فيما المعوّق لسيادة الدولة هو النظام السوري.
ولعلّ هذا النجاح الذي حقّقه السنيورة في أميركا، هو ما يجعل دمشق تحمل عليه وعلى زيارته ونتائجها، وقد افترض النظام في سوريا ـ الذي انحشر بمجريات واشنطن ونيويورك ـ أن الممر الوحيد للمطالب اللبنانية هو سوريا، وأن دمشق كونها "المفتاح" تستطيع أن تبقيَ الأبواب مغلقةً "الى الأبد"، ليعود النظام فيكتشف ـ ربما ـ أنه وضع نفسه في مواجهة الشرعية الدولية مرة أخرى.
الملف النووي الإيراني
أما الاستحقاق الثاني في الأيام الأولى من أيار المقبل، فيتمثّل في اجتماع مجلس الأمن لمناقشة الملفّ النووي الإيراني، في ظل التوتّر العالي بين طهران والمجتمع الدولي.
الأمور متفاقمة على خطّ إيران ـ واشنطن وإيران ـ الغرب، وثمّة حرص أميركي ـ غربي على "مواجهة" الملفّ النووي الإيراني، وإن كان مِن غير المعروف حتى الآن الاتجاه الذي سوف تأخذه هذه المواجهة، وما إذا كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو كل ذلك.
بيدَ أن ما تشير إليه أوساط ديبلوماسية وسياسية مطّلعة في هذا الإطار، هو أن النظام السوري الذي يسلك طريق المواجهة مع المجتمع الدولي بالنسبة الى الاستحقاق الأول ـ أي القرار 1559 وتقرير لارسن ـ يراهن على مواجهة إيرانية ـ أميركية ـ غربية ـ دولية بالنسبة الى الاستحقاق الثاني، أي الملف النووي الإيراني. غيرَ أن الأوساط تسارعُ الى القول أن النظام في سوريا لا يفعل في رهانِه هذا سوى أن "يُثقل" ملفّه دولياً، وأنه يتغاضى عن حقيقة أن الغرب ـ الأميركي والأوروبي ـ كما المجتمع الدولي يتعاطيان معه بوصفه "الحلقة الأضعف" و"الأسهل".. أي أنه يلعب هنا لعبةً خطيرة إذ يجازف بتحويل نفسه في وقت من الأوقات الى بدل عن "ضائع إيراني" في حال كان على الغرب أن يسلك ممرّات طويلة المدى في مواجهته مع الجمهورية الإسلامية.
التحقيق الدولي: الانتقال قريباً الى الظنّ والادعاء
أما الاستحقاق الثالث في حزيران المقبل، فهو ما يمكن تسميته "عقب أخيل" بالنسبة الى النظام في دمشق، أي التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتقرير رئيس فريق التحقيق الدولي القاضي البلجيكي سيرج براميرتس.
لقد أقرّ مؤتمر الحوار الوطني وبالإجماع ـ أيضاً ـ وعلى قاعدة الفصل بين التحقيق الدولي وبين العلاقات اللبنانية ـ السورية، المحكمة ذات الطابع الدولي وطلب توسيع صلاحيات التحقيق الدولي لتشمل محاولات وجرائم الاغتيال الممتدّة بين تشرين الأول 2004 وكانون الأول 2005. واتخذ المجتمع الدولي قراراً باستجابة المطلب اللبناني وقطعت المفاوضات بين لبنان والأمم المتحدة شوطاً كبيراً، لا سيما خلال زيارة الرئيس السنيورة الأخيرة الى نيويورك.
سيُصدرُ براميرتس تقريره في حدود الخامس عشر من حزيران المقبل. "مرّر" في تقريره السابق جملةً لم تلفت الانتباه كما يجب على ما يبدو، إذ أشار الى رجحان حصول التفجير في موكب الرئيس الشهيد من تحت الأرض في 14 شباط 2005. ولا يخفى أن هذه الجملة تعني أن التفجير تمّ من قِبل دولة أو نظام يملكان وسائل وقدرات، فيما كان ترويج الفريق الموالي لسوريا لنظريّة التفجير فوق الأرض يعني الترويج لنظرية الاغتيال من قبل "مجموعة متطرّفة". وسيكون هناك في 15 حزيران المقبل مدّع عام دولي. وفي حزيران سيتمّ الانتقال من التحقيق الى الظن والادعاء. وثمّة بحثٌ في أن يكون براميرتس هو نفسه المدّعي العام الدولي أو يمدّد له كمحقّق "يزوّد" مدعياً عاماً آخر بالمعطيات. وثمة حديث ديبلوماسي عن إمكانية الإسراع في تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي قبل نهاية العام الجاري.
التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري يتقدّم ـ على ما يبدو ـ على الرغم من منهجية براميرتس الصامتة. وحيالَ ذلك، يواصلُ النظام في سوريا النهج نفسه، أي نهج عدم التعاون، وهو كان ولا يزالُ يأمل بـ"صفقة" على مستوى التحقيق. وعدَ براميرتس بتمكينه من الاستماع كمحقّق دولي الى الرئيس بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع خلال نيسان الجاري. لم يفِ بالوعد وراحَ يضع شروطاً على "المقابلة".. ومع ذلك لا يخفي النظام في دمشق أنه مقبلٌ على "مشكلة" في موضوع التحقيق. وها هو الإعلانُ "المفاجئ" من العاصمة السورية عن تشكيل لجان تبرّع لتمويل محامي الدفاع عمّن "سوف" يشتبه بهم براميرتس أو يتّهمهم في الجريمة النكراء.
التفجير السوري للحوار الوطني.. والخشية من تجديد الجريمة
خلاصةُ القول أن استحقاقات ثلاثة تؤرق النظام السوري، لكنها في الوقت نفسه تؤثّر على لبنان في المدى المباشر، لأن النظام في سوريا اختارَ في الاستحقاقات الثلاثة طريقَ "المواجهة"، على الرغم من أن هذه "المواجهة" لا تعكسُ قوّة "فعليّة".
لذلك، من الطبيعي جداً وسطَ هذه المعطيات كافة أن يُستنتج أن مؤتمر الحوار الوطني في 28 الجاري، أي بعد ثلاثة أيام، والذي ينعقد على تقاطع الاستحقاقات الثلاثة الآنفة، سيكون ـ أي المؤتمر ـ أمام واقع تفجيري سوري عرضته المقدّمات السابقة. فليس فقط الخلافُ في ما يتعلق بـ"أزمة الحكم" أي البند الرئاسي، هو المشكلة، بل ما أقرّ سابقاً بالإجماع حوّلته دمشق الى مشكلة بينها وبين المجتمع الدولي.
سيعرضُ الرئيس السنيورة ما توصّل إليه، على طاولة الحوار. سيُعلم المتحاورين بـ"العقبات" السورية. سيُطالب فريق 14 آذار من جهته بالتمسّك بما جرى إقراره وبتحديد موقف. والأخطر من كل ذلك هو أن فريق 14 آذار يُعلن خشيته الواضحة من تجديد النظام السوري لحلقة الجريمة على أبواب 28 نيسان أو بعدَه خلال الأسابيع المقبلة عشيّة تقرير براميرتس.. وهذا ما شدّد عليه زعيمُ "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط.
إذاً، ثمة مسعى سوري لتفجير مؤتمر الحوار، لإفشاله وإنهائه. لكن فريق 14 آذار سيبقى متمسكاً، ليس فقط بالنقاش في البندين الباقيين، لا سيما بند سلاح "حزب الله"، بل بما تقرّر سابقاً بالإجماع وحاز دعماً دولياً استثنائياً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.