لم يعُد وليد جنبلاط مرتاحاً يوماً من زيارة خارجيّة كما عاد هذا الأسبوع مِن زيارته إلى المملكة العربيّة السعوديّة. ويقول جنبلاط انّ كلّ زياراته السابقة إلى المملكة كانت ناجحة، إلا انّ الزيارة الأخيرة كانت الأنجح.
خادم الحرمين الشريفين:
جنبلاط الفَرس والصاروخ وابن الصديق
يخال المستمع إلى الزعيم الاشتراكيّ انّ سبب هذه "السعادة" قد يكون حصوله في المملكة على معلومات أو معطيات عن تحولات حصلت أو ستحصل لمصلحة القضيّة اللبنانيّة أو حصوله على تطمينات بأنّ هذه القضيّة سائرة إلى خواتيمها السعيدة في أمد قريب. بيدَ أنّ جنبلاط يسارع إلى توضيح سرّ ارتياحه الكبير إلى محادثاته مع قادة المملكة وفي مقدمهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
في "الشكل" بدايةً، لقد جرى تخصيص وليد جنبلاط بحفاوة استثنائيّة من جانب الملك عبد الله بالدرجة الأولى، الذي اسهب في النقاش مع رئيس "اللقاء الديموقراطي". استخدم الملك تعابير محبّبة ومعبّرة معه. وصفه للحظة بأنه مثل "الصاروخ" اشارة الى سرعة جنبلاط في التحليل وفي الاستنتاج وفي اطلاق الاحكام، لكنه استدرك فوراً بأنْ وصفه بـ"الفَرس" التي تحتاج في وقت من الأوقات الى "لجم". ولما كانت "الخيل المعقود في نواصيها الخير" ترمز الى ما هو "أصيل" و"شريف" عند العرب، أدرك جنبلاط انّ خادم الحرمين الشريفين يمتدح عروبته ويثمّن اصالته.
ناقش الملكُ جنبلاط في بعض مناحي الثقافة الاسلامية. وتذكر معه العلاقة التي ربطته بوالده الزعيم الراحل كمال جنبلاط. وتذكّر الملك زيارة تاريخية قام بها الى المختارة على أيام "المعلم" الذي كان يمارس رياضة "اليوغا" ودعا الامير عبدالله يومها الى ممارستها.
عتبٌ ملكي "أبوي".. وأفكار لمبادرة
تعاطى الملك عبد الله مع رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" بودّ ومحبة.. ونوع من "الأبوية". وفي هذا المناخ المريح، "مرّر" الملك عتباً على جنبلاط بشأن ما صدر عنه من اعتراض على "المبادرة العربية". أوضح جنبلاط انّه لم يكن في ذلك الوقت في صدد اعتراض على مبادرة سعودية أو سعودية ـ مصرية، انما على "افكار" سوريّة جرى دسّها. لم يتوقف الملك كثيرا عند الموضوع بعد ذلك، وسارع وليد جنبلاط الى لفت نظر خادم الحرمين الشريفين الى انّ ما قرره مؤتمر الحوار الوطنيّ بالاجماع يصح لأن يكون أساساً لمبادرة سعودية او عربية، فتُحمل المطالب اللبنانيّة المتعلقة بترسيم الحدود والعلاقات الديبلوماسيّة اللبنانيّة ـ السوريّة، ولبنانيّة مزارع شبعا والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات، باعتبارها مطالب لبنانيّة من سوريا.
أوضح جنبلاط رأيه في سلاح "حزب الله"، وقد "طوّر" موقفه مؤخراً مقترحاً اندماجه في الجيش. استمع الملك عبد الله، وكان مؤيداً في "المبدأ" لدور الدولة ومركزية "فكرتها". ونصح جنبلاط بأن يعتمد خطاباً هادئاً في التوجه الى الشيعة في لبنان، وتأكيد انتمائهم الى الوطن والهويّة الوطنيّة اللبنانيّة.
البُعد الايراني "الفارسي"
في "الشكل" إذاً، حفاوة استثنائية، وفيها سهرات حتى ساعات متقدمة مع كبار معاوني الملك والمسؤولين في المملكة، تناولت أوضاع المنطقة، و"تشعباتها" كافة. وفي هذا "الجو" تم بحث القضيّة اللبنانيّة، وتمّ نفي الازمة في العلاقة السعوديّة ـ الجنبلاطيّة.
أما في "مضمون" ارتياح جنبلاط إلى الزيارة ونتائجها، فبالاضافة إلى ما تم ذكره حول "الجانب اللبناني" البحت في القضية اللبنانية، فان وليد جنبلاط يعتبر انه نجح في تقديم البعد الايراني ـ يسميه فارسي ـ الخطير لأزمة لبنان ولأزمة المنطقة. أوصل الى قيادة المملكة "الرسالة" التي يريد.
المملكة وعروبة لبنان وسوريا
لم يتأخر رئيس "اللقاء الديموقراطي" في "اكتشاف" ان المملكة الحريصة في سياستها المعتدلة والمتزنة على العلاقة بإيران، قلقة حيال البرنامج النووي الايراني وتداعياته خليجياً، وقلقة من محاولات الجمهورية الاسلامية الايرانية مدّ نفوذها الى غير بلد عربي، والى لبنان وسوريا تحديداً. فهم جنبلاط ان ثمة صراعاً عربياً ـ إيرانياً (فارسياً) على لبنان وسوريا. وفهم ان الاتصالات السعودية ـ الايرانية تطرقت الى هذه المسائل.
يرفض وليد جنبلاط البوح بما سمعه من موقف سعودي. لكنه عائدٌ من الرياض باستنتاج ان قيادة المملكة واعية للأبعاد الايرانية وتأثيراتها، وباستنتاج ان البرنامج النووي الايراني يستقطب الأولوية إقليمياً ودولياً، وأن القضية اللبنانية "تتشابك" في هذه المرحلة مع المسألة الاقليمية، وباستنتاج ان اجتماع مجلس الأمن الدولي المخصص للملف الايراني، والمقرر مطلع أيار المقبل سيكون محطة فاصلة في "العلاقة" بين طهران والمجتمع الدولي، وانه لن يكون ممكناً قبل هذا الاجتماع تأكيد أي وجهة ستسلكها الأزمة الايرانية الدولية.
التشابك بين القضية اللبنانية والتطورات الاقليمية
ومع ذلك، يؤكد زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" ان المعركة اللبنانية لاستكمال الاستقلال والسيادة، طويلة جداً، خاصة في مثل الظرف الاقليمي الراهن، وهي معركة يرى أنها مع الحلف السوري ـ الفارسي. ولذلك، أبدى جنبلاط حرصاً استثنائياً بعد عودته من المملكة على الاتصال بجميع مكونات 14 آذار لاطلاعها على ما بحثه في الرياض. وهو منذ أن عاد، يرعى مباشرة اجتماعات لفريق 14 آذار آخرها مساء امس من أجل صياغة ما يسميه "برنامج صمود طويل الأمد" يقوم على "رصّ صفوف" هذا الفريق وعلى بلورة خطاب "جديد" للمرحلة. ويؤكد أن البرنامج بات جاهزاً، وهو سياسي ـ اقتصادي. ولا يتردد في القول ان "المشكلة" لن تكون عند 14 آذار. ويوضح أن البداية ستكون في 28 نيسان: سندخل الى مؤتمر الحوار الوطني وسنبدأ بالسؤال عن مصير المطالب التي قررت بالإجماع، وسنحدد المسؤولية عن التعويق، وسنطالب بمواقف.. وسنناقش في سلاح "حزب الله"، سنستمر في مؤتمر الحوار وهو أحد ميادين الصراع السياسي أو "الصراع الحواري" إذا جاز التعبير.
هكذا إذاً، يعود جنبلاط مرتاحاً من المملكة العربية السعودية لأن مناخ الزيارة كان ممتازاً ولأن النقاش كان عميقاً، ولأنه استطاع ان يعود بصورة واضحة عن المجريات الاقليمية تعزز قراءته لكون المعركة اللبنانية طويلة المدى.
تحول في استراتيجية تيار "المستقبل"
مواز للتحول في 14 آذار
الزعيم الشاب لتيار "المستقبل" سعد الحريري ليس بعيداً عما توصل اليه جنبلاط. وقد التقيا غير مرة في قريطم قبل سفرهما كل على حدة الى الرياض، والتقيا في العاصمة السعودية مراراً، وكانت لهما لقاءات مشتركة مع مسؤولين سعوديين.
يدرك الحريري أيضاً أن المعركة طويلة جداً. لكنه قبل ذلك يعرف انه أعطى الكثير من أجل أن ينجح الحوار الوطني، وان أهم ما أعطاه كان موافقته على الفصل بين التحقيق الدولي في جريمة اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبين العلاقة اللبنانية ـ السورية، وتحمّل هجمات كثيرة من جانب فرقاء يحجزون عملية انتقال لبنان الى مرحلة جديدة.
وفي ضوء حقيقة ان المعركة الاستقلالية اللبنانية محكومة بأن تكون طويلة، وفيما تستدعي هذه "الحقيقة" تحولاً في استراتيجية فريق 14 آذار، اتخذ سعد الحريري قراره بإجراء تحوّل موازٍ في استراتيجية تيار "المستقبل". لن "يأخذ" في صدره أي شيء بعد اليوم. لن يكون متسامحاً مع أي تجن. سيحمّل المسؤولية الى من يتحملها وسيقول لـ"الأعور" انه "أعور" مباشرة. ولن يقبل أي ابتزاز في وطنيته، وهو ابن رفيق الحريري "مفجّر" الوطنية اللبنانية بامتياز. وسيكون حريصاً بالقدر نفسه على الوحدة الوطنية.
قرار سعد الحريري: لن نسكت.. على عون "المتَسورِن"
إذاً، اتخذ سعد الحريري قراره بانهاء "فترة السماح" التي أعطاها لجميع الفرقاء خارج 14 آذار. وبداية الغيث، كانت البيان الردّ على رئيس "التيّار الوطني الحرّ" العماد ميشال عون أول من أمس.
فقد أبدى زعيم "المستقبل" نفساً طويلاً وصبراً وتسامحاً حيالَ عون ومواقفه، منطلقاً من احترام كبير لنضال التيّار العوني في السنوات الماضية تحت عناوين الاستقلال والسيادة والحرية، ومن حرص على إعطاء فرصة لمناضلي التيّار كي يذكّروا قائدهم بأنهم لا يمكن أن ينفكّوا عن جمهور 14 آذار من ناحية ويذكّروه بأن تيّار "المستقبل" خسر في معركة استرجاع الاستقلال أغلى من يملك وهو الرئيس الحريري من ناحية أخرى. بيدَ أن الجنرال تمادى وتطاول في محاولة يائسة للتستير على "تسوْرنه" وراح يستخدم لغة المخابرات ويستعير مفرداتها. وإلى أن يستدرك الجنرال خطابه، في اللفظيّات الأوّلية على أقل تقدير، وإلى أن يدرك أنه عادَ الى لبنان على رافعة دماء الرئيس الشهيد، وإلى أن يعيَ أن هذه الدماء هي التي صنعت الاستقلال، فلن يكون تساهل مع الجنرال بعدَ اليوم. وسيكون عليه أن يفهم أن هناك في السياسة من يتحمّل مسؤولية مواقفه، فمن يشكّل متراساً للسياسة السورية عليه أن يقبل انتقاده وعليه أن يتحمّل مسؤولية مواقفه، ومن يحمي بقاء إميل لحود في رئاسة الجمهورية لا يستطيع أن يرمي المسؤولية على غيره.
ما ينطبق على الجنرال.. ينطبق على آخرين أيضاً
وما انطبق على عون في بيان أول من أمس، انطبق قبله على الأمين العام لـ"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" أحمد جبريل، وذلك لأن لا سكوت على أضاليل وعلى تشويه للوقائع والمعلومات. وسينطبق ضدّ أي مواقف تخوينية لتيّار "المستقبل" في وطنيّته وعروبته. لن يكون مقبولاً أي كلام عن رهانات خارجية لدى "التيّار". ولن يكون مقبولاً تحريف الشعار الذي أطلقه سعد الحريري في 14 شباط الماضي حين أعلن أن "لبنان أولاً"، من شعار يعبّر عن ذروة الوطنية اللبنانية والإيمان بالوطن والدولة الى تصويره على أنه شعار ضد العروبة.
ولن يكون مقبولاً التشكيك بالتحرّك الهادف الى تثبيت لبنانية مزارع شبعا. فقد أظهرت الاتصالات العربية والدولية أن المقاومة وبعكس ما كان عليه الوضع قبل العام 2000 حيث كانت المقاومة ـ موضوعياً ـ تحت غطاء القرار الدولي الرقم 425، هي اليوم مفتقدة الشرعية الدولية ومعرّضة للاتهام بـ"الإرهاب" لأنها تقوم بعمليات على أرض يعتبرها المجتمع الدولي غير لبنانية. وها هو تقرير المبعوث الدولي تيري رود ـ لارسن أول من أمس يقول إن مزارع شبعا أرض سورية تحتّلها إسرائيل. ويجب أن يكون واضحاً أن المجتمع الدولي يشمل المجتمع العربي، وهو ـ أي المجتمع الدولي ـ صوّت بالإجماع على القرارات المتعلقة بلبنان منذ أكثر من عام، وفي كلّ مرة كانت الدولة الممثّلة للمجموعة العربية في مجلس الأمن ضمن هذا الإجماع. لذلك ليس مقبولاً ولن يكون مقبولاً التشكيك بالمساعي الهادفة الى الحصول على اعتراف سوري رسمي بلبنانية المزارع يسجّل في الأمم المتحدة، وذلك للحؤول دون إسقاط شرعية المقاومة ودون الإمعان في اتهامها بـ"الإرهاب".
"أم الصبيّ".. و"لسانك حصانك"
لقد ضربَ سعد الحريري يده على الطاولة. هو ـ كما والده الرئيس الشهيد ـ يعتبر أنه "أم الصبي" وهذه المسؤولية تقتضي قدراً من الصبر. بيدَ أن حكمة "أم الصبيّ" وصبرها لا يعنيان السماح بهدر دماء الشهداء. ولذلك سيرى سياسيّو "الضفّة الأخرى" وجهاً آخر لسعد الحريري، فلن تكون "بشاشة" أو "وداعة" فيما لا يتوانى البعض عن "نهش" المقامات.
وعندما سيعود زعيم تيّار "المستقبل" الى طاولة الحوار في 28 الجاري، سيقول إن لسان تيّاره ليس قصيراً، وأنه لن يقبل بأخذ توجّهاته الوطنية الى حيث يريد العاصون على التغيير، وسيكرّر ما قاله في حديثه الى "الشرق الأوسط" قبل بضعة أيام: من يحمي بقاء لحود ليتحمّل مسؤوليته أمام لبنان واللبنانيين.
بين سعد الحريري ووليد جنبلاط قناعة متجدّدة بأن المعركة طويلة. وإذا كان الأول يستمدّ فلسفة أدائه على خطى والده الشهيد من مقولة "لسانك حصانك إن صنته صانك"، وهي مقولة عربية أصلية، فإن ذلك لن يعنيَ بعد الآن مهادنة مع الافتراءات وترفّعاً عن خوض الصراع السياسي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.