منذ فترة غير قصيرة، أدرك العماد ميشال عون أن حظوظه الرئاسية تساوي صفراً، وخلال مؤتمر الحوار الوطني غدا انعدام أفق وصوله الى رئاسة الجمهورية يقيناً لديه فـ"ولع" الجنرال وراحَ يصبّ غضبه على فريق 14 آذار الذي يحول دون طموحه الرئاسي.
وآخر ابتكارات عون في هذا المجال، أنه بادرَ الى اتهام فريق 14 آذار بـ"نيّة" استبقاء إميل لحود في بعبدا كي يمنع وصوله هو الى الرئاسة "متناسياً" أن هذه التهمة تصحّ عليه إذ لطالما قال: إمّا أن أكون أنا رئيساً وإلاّ فليبقَ لحود في موقعه عاماً ونصف العام حتى نهاية ولايته الممدّدة قسراً.
التمثيل المسيحي والاعتراف الإسلامي
والحال هنا أن الجنرال الذي اعتبر أنه "حسَم" قبل نحو عشرة شهور، في الانتخابات النيابية الأخيرة، التمثيل المسيحي لصالحه، كان ينتظر أن يهرعَ ممثلو المسلمين الى الاعتراف بكونه ممثلاً أوحد للمسيحيين فيأتون به رئيساً للجمهورية. بيدَ أن العماد عون الذي يستطيع أن يقول أن كلاً من رئيس تيّار "المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط لم يسارعا الى تأييده للرئاسة على الرغم من إقرارهما بأن نتائج الانتخابات النيابية جعلته الأكثر تمثيلاً في البيئة المسيحية، لا يستطيع في المقابل أن يخبر اللبنانيين لماذا لا يتبنّى الفريق الشيعي، وتحديداً "حزب الله" ترشيحه رسمياً.
ولا شك أن قول الجنرال لـ"الحقيقة" هنا محرج له تماماً. فبعدَ مرور أسابيع على وثيقة التفاهم بين "التيّار الوطني الحرّ" و"حزب الله"، يرى كثيرون في الإطار المسيحي أن عون "أعطى" الحزب في هذه الوثيقة غطاء مسيحياً في موضوعَي مزارع شبعا والسلاح، فيما لم "يأخذ" من الحزب سوى اعتباره "مرشحاً جدياً" للرئاسة. أما الذين أيّدوه من جماعة النظام السوري، فهم أولئك الذين لا يملكون تمثيلاً نيابياً، وجلّ ما فعلوه أنهم أحرجوه بتأييدهم.
إذاً، "يتناسى" الجنرال حقيقة أنه ومنذ عودته من المنفى الباريسي قبل نحو عام، إنما يتدرّج في العلاقة بالسياسة السورية في لبنان حتى بات بالنسبة الى فريق 14 آذار مرشحاً سورياً "احتياطياً" لرئاسة الجمهورية في لبنان.
بيدَ أن ما يغفل عون عنه هو أن دمشق، وعلى افتراض أنها تثق به، لأن هذه الفرضية بحاجة الى برهنة، هي اليوم من يعترض مسار التغيير الرئاسي في لبنان. حتى الكلام الذي كانت الأبواق السورية تكرّره قبل أسابيع من أن التغيير الرئاسي ممكن في حالة واحدة، هي حالة التوافق على عون، لم يعُد يُسمع في الآونة الأخيرة.
مِن الصعب جداً على الجنرال الإقرار بفشل سياساته ورهاناته، لأنه يفضّل عدم كشف الحساب أمام تيّاره وجمهوره، والمسيحيين عموماً. وها هو، بدلاً من توجيه الغضب في الاتجاه السوري، لأنه إن فعل سيكون مضطراً للاعتراف بأن سوريا لم تصبح بعد خارج لبنان بل لا تزال متدخّلة في شؤونه، يوجّه غضبه و"ثورته" ضد فريق 14 آذار.
تهديد عون بإسقاط الحكومة في الشارع بعد 28 نيسان
ويمعن الجنرال في الخط نفسه، أي الخط السوري. والدليل على ذلك هو أنه انتقل في الأيام الأخيرة، خصوصاً بعد آخر جولة من جولات الحوار الوطني الى اعتبار 28 نيسان الجاري موعد استئناف مؤتمر الحوار، حداً فاصلاً. فما هو هذا الحد الفاصل؟
لا يخفي عون أنه سينتقل بعد 28 نيسان الى ما يسمّيه المعارضة "الكاملة". لكنه يشهر منذ الآن عنوان إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. ويقول في أحد تصريحاته أن لديه ما يربو على خمسين خطوة في هذا المجال، من دون أن يخفي أولوية الشارع. وهكذا، فإن الجنرال الذي أعلن مراراً أن إسقاط رئيس الجمهورية في الشارع ممنوع، ينتقل من "تغيير" رئيس الجمهورية الى إسقاط الحكومة في الشارع من بوابة المسألة الاجتماعية وغيرها.
المشروع السياسي.. سوريّ
أما المشروع السياسي، فهو ليس خافياً: حكومة جديدة تذهب باتجاه انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانون انتخاب جديد، ويقوم المجلس النيابي الجديد بانتخاب رئيس للجمهورية.
لا يحتاج الأمر الى عناء كبير لـ"اكتشاف" الصلة المباشرة بين ما يطرحه عون وما يطرحه حلفاء سوريا.. وأتباعها، فيما يعدّون لإطلاق جبهتهم السياسية. "حزب الله" كحليف لدمشق أطلق "الأفكار" نفسها منذ مدة طويلة قبل أن يحاول أمينه العام السيد حسن نصرالله الإيحاء في خطابه الأخير في ذكرى مولد نبيّ المسلمين بمقايضة بين بقاء لحود في رئاسة الجمهورية وبين بقاء الحكومة، علماً أن الحزب باشر في اليومين الماضيين حملة على الرئيس السنيورة بمناسبة زيارته الى الولايات المتحدة. أما الأتباع الموالون لدمشق، فقد وعدوا ـ على رافعة الهجوم السوري المعاكس ـ بتغيير آت، وقال سليمان فرنجية أن "الدنيا ستتغيّر"، ومثله قال عمر كرامي وعبدالرحيم مراد وقائد "غزوة" حاصبيّا.
هكذا إذاً، يغطّي الجنرال عون حملته على 14 آذار، بالانتقال مع الخطة السورية الى محطّتها الجديدة، أي إسقاط الحكومة ومحاولة فرض إجراء انتخابات مبكرة. وقد لا يكون مستبعداً أن تستأنف الخطة السورية "الضربات الأمنية"، والهدف زعزعة الاستقرار، والعنوان هو نفسه: سوريا أو الفوضى.
اعتراض النواة الصلبة
على أن معارك الجنرال داخل الطائفة المسيحية لتكريس الموقع التمثيلي من جهة ومع الطوائف الأخرى لانتزاع اعتراف ممثّليها بهذا الموقع التمثيلي وترجمته في رئاسة الجمهورية من جهة ثانية ومواصلة الانضمام الى السياسة والخطة السوريّتين من جهة ثالثة، ان كل ذلك لم يكن بلا تداعيات على صعيد "التيّار الوطني الحرّ" كما على صعيد الجمهور المسيحي.
فوفقاً لما يقوله متابعون، فإن "النواة" الصلبة في "التيّار" التي تضمّ مناضلي مرحلة "الشِدّة"، تعترضُ بصيغة معيّنة على التحوّلات التي طرأت على الخطاب السياسي "العونيّ" وعلى الأداء السياسي، أي على ما أدى الى إخراج "التيّار" من موقعه الطبيعي وإلى جعله محسوباً بشكل أو بآخر على الخطة السورية. ويرتبط اعتراض هذه النواة من الكوادر على السياسة المعتمدة باعتراضها على الصعود اللامتناهي "المبارك" من عون لأحد الكوادر من عائلته، تولّى تنسيق التحوّل وترتيبه مع "مستلزماته".
أما على صعيد الجمهور المسيحي "العريض"، فهو بعدَ النسبة العالية من التصويت لعون في الانتخابات النيابية بفعل عوامل عديدة منها "الخوف المسيحي" الذي تجلّى على أكثر من صعيد بعدَ الانسحاب السوري بسبب الوضع الذي كانت آفاقه مجهولة، مصابٌ بإحباط كبير نتيجة للتحوّل العونيّ وانتقال الجنرال الى موقع آخر وعدم اقتناعه بالخيارات التي يقدّمها للجمهور. ويلاحظ في هذا الإطار أن شعبية عون تتراجع، وإن كان المحبطون منه أو الذين يغادرونه لا يذهبون حتى الآن الى "أمكنة" مسيحية أخرى، ومعظمهم يفضّلون "الاستنكاف" وقسم آخر يسعى الى التعرّف على المعطيات من أوساط وجهات أخرى.
الاستعانة بجمهور الموالين لسوريا
ويشير المتابعون الى أن "التعويض" الذي يتلقّاه الجنرال فيغطّي بواسطته الأزمة في صفوف الكوادر والأزمة ضمن الجمهور المسيحي الخائب والمحبط، هو الذي يأتيه من "بقايا" جمهور موالٍ لشخصيات وأحزاب تابعة لسوريا.. أي أن عون "يتناقص" بنسبة معيّنة في "مكانه" الأصلي فينجده من بقيَ من زمن الوصاية السورية على لبنان.
وما يقوله المتابعون عن واقع حال "التيّار" و"الأزمتين"، ليس مفاجئاً. ذلك أنه من البديهي أن تقود سياسة معينة في ظروف معيّنة الى استنهاض، وأن تقود سياسة أخرى في ظروف مختلفة الى تراجع. وبطبيعة الحال، ليس منتظراً من العماد عون إلاّ المكابرة في قراءة الوقائع، وإحدى مقابلاته الأخيرة، لا سيما الى الزميلة "السفير" تظهر هذه المكابرة، وفيها مثلاً أن الجمهور المسيحي محضه التأييد في الخيارات التي اعتمدها بما في ذلك وثيقة التفاهم مع "حزب الله". غير انّ ما لا شكّ فيه، هو أن على عون ألاّ يتأخر في الاعتراف بأن ليس ثمة "تقليدٌ" عند المسيحيين اللبنانيين خصوصاً بالسير وراء "الزعيم" كيفما كان ومن دون نقاش.
14 آذار.. وضرورة كشف الجنرال
على أي حال، لقد كشفَ الجنرال "نواياه" لما بعد 28 نيسان، وأعلن خطّته السياسية المندرجة تماماً في الخانة السورية. وأخذ فريق 14 آذار علماً بهذه النوايا وبتلك الخطة.. وأخذ العلم بأن عون سيكون أكثر "صخباً" وغضباً، وأنه سيؤازر الجبهة السورية قيد التأسيس ولو لم ينضمّ إليها "تنظيمياً" وسيدفع بأنصاره الى الشارع بعدَ أن حمى لحود منه.
لقد "ملّ" فريق 14 آذار من دعوة الجنرال الى "الفكّ" عن الخطة السورية وقواها، كي يكون مكانٌ للتفاهم معه بما في ذلك حول رئاسة الجمهورية. بيدَ أن ما يعِد به يقتضي اليوم "مساجلة" طروحاته ومفاتحة الجمهور اللبناني عموماً والمسيحي خصوصاً بخطورتها، كونها تتناغم مع السياسة السورية حيال لبنان، وهي اليوم أكثر خطورة لأنها تواكب التطوّرات الإقليمية لا سيما على الصعيد الإيراني ـ السوري. وينبغي أن يُقال للجمهور أن اعتقاد عون بقدرته على قيادة الجمهور الى حيثما ذهب، هو اعتقادٌ خاطئ.. وذو كلفة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.