حدثان رئيسيّان منتظران في الأسابيع القليلة المقبلة يتوقع ان يكون تأثيرهما كبيراً على لبنان، يفسران بنسبة كبيرة الأداء الحالي للنظام السوريّ حيال الوضع السياسيّ اللبنانيّ. الأول يتعلّق بالأزمة بين إيران والمجتمع الدوليّ بشأن الملف النوويّ الإيراني، و"آفاق" هذه الأزمة، والثاني يتعلّق بالتقرير "الأخير" لرئيس لجنة التحقيق الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، القاضي البلجيكي سيرج براميرتس.
الأزمة الإيرانيّة بين "المواجهة" و"التسوية"
بالنسبة إلى الأزمة الإيرانيّة ـ الدوليّة، ومع أنّ "الظاهر" من المواقف والتحركات يشير إلى ان الأمور سائرة باتجاه مواجهة ما بين المجتمع الدولي، لا سيّما الولايات المتحدة والغرب وبين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، فإن استبعاد حصول تسوية بالمطلق ما بين الفريقين غير منطقيّ.
ذلك انّ طهران التي أنجزت تخصيب اليورانيوم، وبالرغم من صوتها العالي احتفاءً بالانجاز وبالرغم من تقديمها للإنجاز في صيغة تحدٍّ، بدت متحركة في الأيام الأخيرة باتجاه السعي نحو تسوية معيّنة تحتفظ إيران بموجبها بما حققّته ولا تتنازل عنه من جهة لكنها تتساهل في شروط مراقبته دولياً في المقابل من جهة ثانية.
بطبيعة الحال، تساور الشكوك المجتمع الدوليّ بشأن النوايا الإيرانيّة المستقبليّة، وهو يقدر أنّ إيران عازمة على إنتاج السلاح النوويّ في أمد منظور إن لم تكن قد بدأت هذا الانتاج بشكل من الأشكال أو حصلت على مواد التصنيع العسكري النووي، وهو يعتبر انّ السياسة الإيرانيّة تنطوي على قدر عال من "الخبث" وتتضمن مراوغات شتى. ويرى المجتمع الدوليّ انّ "التساهل" مع إيران الاسلاميّة في الموضوع النووي، وهي دولة "معادية" لـ"النظام العالمي"، يضع ـ أي "التساهل" ـ المجتمع الدوليّ ـ والغرب خصوصاً ـ أمام إحراج تجاه عدد من الدول في المنطقة، ترى نفسها دولاً إقليميّة، الأمر الذي من شأنه اطلاق نوع من سباق التسلّح النووي في الشرق الأوسط.
لذلك، يمكن القول أنّ ثمّة أسباباً كثيرة لـ"المواجهة" من بينها ما جرى ذكره. غير أنّ ثمّة أسباباً لـ"التسويّة" قد تكون موجودة في المقابل، أهمّها عدم جعل المنطقة في دائرة نزاع إقليميّ "مفتوح"، على رقعة إيران والعراق وفلسطين ولبنان، خاصة إذا كانت الولايات المتحدّة سوف "تجني" من الأزمة الإيرانيّة مزيداً من الانتشار في الخليج عبر قواعد عسكريّة "ثابتة".
إذاً، في حدود المعطيات القائمة الآن، لا يمكن الجزم بما إذا كانت "المواجهة" ستحصل حتماً أو ما إذا كانت "التسوية" ستبرز رغماً عن كلّ "المظاهر"، علماً ان ديناميّة المواجهة هي الطاغية حتّى الآن وتبدو فعلاً الأكثر ترجيحاً.
سوريّا و"الحصان الإيراني": تغيّر الأدوار
في هذا الإطار، ليس خافياً على أحد انّ سوريّا وقد أضحت قاعدة إيرانيّة، إنما يلعب نظامها "الحصان الإيراني". وإذ صار معروفاً تماماً انّ سوريّا باتت "ورقة" في يد إيران وليس العكس، وانّ إيران غدت اللاعب الأساسي عراقياً وفلسطينياً ولبنانياً، فإنّ ما يقتضي تسجيله في هذا السياق، هو انّ النظام في سوريّا يحاول الاحتماء باحتمالَي "المواجهة" و"التسوية"، آملاً من ذلك إمّا ضمّ نفسه إلى "المواجهة" وإمّا أن يجري ضمّه إلى "التسويّة" إذا حصلت مع أنها ليست احتمالاً منظوراً حتى الآن. ولذلك، فإنّ أداءه في لبنان واستمراره في "مناطحة" القرارات الدولية، يعكسان رهانه على "الحصان الإيراني"، بما ان المجتمع الدولي لا يفاوضه مباشرة، وهو في المفاوضات غير المباشرة يطالبه بتنفيذ دفتر شروط محدّد ولا يعرض عليه تسويات، بالضبط لأنّ المجتمع الدوليّ يعتبر النظام السوريّ حلقة ضعيفة لا بل الحلقة الضعيفة.
براميرتس: تقريره يذهب إلى المدعي العام الدولي
أمّا بالنسبة إلى التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فكما هو معلوم، فإن القاضي براميرتس سيقدم تقريره في نهاية مهمته المحدّدة بستة اشهر، والتي تنتهي في منتصف تموز المقبل إذا أخذ في الاعتبار انّ تعيين براميرتس على رأس فريق التحقيق الدوليّ تمّ في النصف الأول من كانون الثاني الماضي.. وقد يكون التقرير قبل منتصف تموز إذا أنهى القاضي البلجيكي تحقيقاته.
غير أنّ ما تلفت اليه أوساط مطلعة ومتابعة هو أنّ التقرير النهائيّ لبراميرتس سيتضمن ادعاءً قانونياً على مشتبهين ومتهمين لبنانيين وسوريين، وأنّ هذا الادعاء ـ أو التقرير الاتهامي ـ سيحال على المدعي العام للمحكمة الدوليّة، الذي يفترض أن يكون تم تعيينه قبل انتهاء مهمة براميرتس. وهذا يعني ان لا فترة انتقاليّة بين التقرير النهائي وبينَ مباشرة المدعي العام الدولي درس الملف، ويعني انتقال الملفّ إلى المدعي العام الدوليّ مباشرة ان هذا الملف صار في يد القانون الدوليّ نهائياً.
النظام السوريّ والمفاوضة "على" التحقيق
وفي هذا المجال، لم يكن خافياً خلال الفترة الماضية انّ النظام السوريّ كان يفاوض "على" التحقيق الدوليّ، وأنّ هدفه كان ـ ولا يزال ـ التوصّل إلى ضمانات بألاّ تتجاوز الاتهامات مستوى معيناً ضمن النظام. وراح في فترة معيّنة يوزع مقولة أنّ المسؤوليّة في الجريمة إن هي ثبتت على أفراد فإنّها لا تقع على كاهل النظام نفسه. بيد أن النظام في دمشق لم يحصل على ضمانات من هذا القبيل، والوقت يضيق قبل صدور التقرير ـ القرار الاتهامي، ولذلك، فإن أداءه في لبنان فضلاً عن كونه يراهن على مواجهة إيرانيّة ـ أميركيّة تقلب المعطيات من وجهة نظره، يبدو ـ الأداء ـ مستنداً إلى محاولة الاحتفاظ بـ"أوراقه" في لبنان، على "أمل" حصول مفاوضات ما في لحظة معينة، إمّا بأن تضمه إيران في صيغة من الصيغ إلى مفاوضاتها "الممكنة" مع الولايات المتحدة أو أن يندرج موضوع التحقيق ككلّ في سياق "المواجهة" الاقليمية الممكنة أيضاً.
إذاً، بينَ مسار الأزمة الإيرانيّة مع المجتمع الدوليّ واحتمالاتها مواجهةً او تسويةً من ناحية، وبين تقرير براميرتس الذاهب مباشرة إلى الادعاء العام في المحكمة الدوليّة من ناحية ثانية، وبينَ الأمرين تقرير المبعوث الدوليّ لمراقبة تنفيذ القرار 1559 تيري رود ـ لارسن غداً من ناحية ثالثة، من الواضح ان النظام السوريّ يمارس سياسته المفضّلة ـ أو هوايته ـ في كسب الوقت لبضعة أسابيع وربما لبضعة شهور.
28 نيسان: استحالة التوافق ضمن الظروف القائمة
في مثل هذه الظروف الإقليميّة لا سيّما ما يتعلق منها بأزمة العلاقة بينَ الجمهوريّة الإسلاميّة والمجتمع الدولي، وحيث يلعب النظام السوريّ "على" الحصان الإيراني من جهة وعلى الوقت من جهة أخرى، من الطبيعيّ ـ والمنطقيّ ـ أن يأخذ الفريق الاستقلاليّ والتغييري هذه المعطيات جميعاً في الاعتبار ليستنتج أنّ ثمّة وقتاً مهدوراً سيكون أمامه.
وإذا كانت الظروف الإقليميّة المشار اليها ومن ضمنها رهان النظام في دمشق على إيران وعلى عامل الوقت، تفسر إلى حدّ كبير هجمة فريق الموالين لسوريّا وأدواتها، فإنّ الفريق الاستقلاليّ والتغييري، أي فريق 14 آذار، معنيّ بأن يأخذ في الاعتبار المعطيات الرئيسيّة الآتية:
لا شكّ أنّ المعطى الأول، هو أن التوصّل إلى توافق عام من خلال مؤتمر الحوار الوطنيّ الذي يستأنف جولاته في الثامن والعشرين من نيسان الجاري، لا سيّما حول بندَي رئاسة الجمهوريّة وسلاح "حزب الله"، بمثابة استحالة ضمن الظروف القائمة، وفي وقت تستنفر دمشق حلفاءها اللبنانيين، وفيما يصنف بعض الفرقاء على طاولة الحوار أنفسهم على انّهم جزء من مشروع المواجهة. وإلى ذلك، تضاف حقيقة أنّ ما تم التوصل اليه من تفاهمات في الجولات الأولى للحوار، لن تتيح دمشق له مجال التنفيذ كونها تتحكم بهذا التنفيذ.
أمّا المعطى الثاني، فهو انّ التغيير في مثل هذه الظروف، غير قابل للتحقق، وعلى لبنان ان يدفع مرة أخرى ضريبة المعطيات الخارجية لفترة من الزمن.
فريق 14 آذار: لعبة الوقت أيضاً.. ومن دون مواعيد
والمعطى الثالث، هو أنّه إذا كان صحيحاً تماماً أنّ النظام السوريّ يراهن على الوقت، وإذا كان صحيحاً انّ الوقت الذي يراهن عليه محدود ببضعة أسابيع أو ببضعة شهور فالصحيح أيضاً انّ الفريق الاستقلاليّ والتغييريّ مدعوّ إلى تجيير الوقت لصالحه، أي إلى "ملئه" بديناميّة سياسيّة، لكن من دون "اقتراف" خطأ تحديد مواقيت ومواعيد، وهي ديناميّة لا يمكن ان تبدأ إلاّ بمخاطبة الناس، بدءاً من شعب 14 آذار حول التطورات كافة.
والمعطى الرابع هو ضرورة توقّع هجمة مواليّة لسوريّا من ناحية ومحاولات استهداف سوريّة لفريق 14 آذار، ممّا يستدعي أن يوحّد هذا الفريق صفوفه ومقاربته لمختلف الأمور والمواضيع.
المجتمع الدولي "يلقط" دمشق في "عقب أخيل"
والمعطى الخامس، يتعلق بضرورة وعي الفريق الاستقلاليّ والتغييريّ للتطورات الجارية حول لبنان. فمن الخطأ القول أنّ ثمّة تراجعاً دولياً عن الاهتمام بلبنان أو أنّ ثمّة إعادة نظر دوليّة بدعم لبنان، وإن كان ثمّة تعاط دوليّ مع أولويّة ناشئة هي الأولويّة الإيرانيّة. فمن الواضح أنّ الموضوع الإيرانيّ مؤثّر على لبنان لكن من الواضح أيضاً أنّ المجتمع الدوليّ يعتبر انّ النظام السوريّ "واقع" في نقطة "قاتلة" هي التحقيق الدوليّ، وأغلب الظن انّ المجتمع الدوليّ "يلعب" ورقة نتائج التحقيق الدوليّ.. على المدى "المتوسط" أي في خلال بضعة أشهر.
من هنا، فإنّ تسلّح فريق 14 آذار بالتوحّد، وبالوقت أيضاً وبعدم التعاطي مع الهجمة السوريّة والموالية لسوريا بوصفها عنوان قوة.. إنّ كلّ ذلك سيكون كفيلاً بإكساب هذا الفريق مناعة ضرورية لمواجهة متطلبات معركة سياسيّة طويلة النفس.. والمدى، ومن بين هذه المتطلبات المخاطبة السياسية الصريحة للجمهور بكل شيء بما في ذلك إخباره عن حال بعض القوى السياسيّة التي تتاجر بشعار "التغيير" فيما تشكّل متراساً للتدخل السوريّ بكلّ أشكاله.
النفس الطويل إذاً مقترن ببرنامج صمود وطنيّ، سيكونان لفريق 14 آذار "ذخيرة" الأيّام المقبلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.