منذ فترة، وتحديداً منذ الإعلان عن افتتاح حوار اقتصادي موازٍ للحوار الوطني (السياسي) يمهّد لمؤتمر بيروت ـ 1، يدور في أوساط مؤيدة لفريق 14 آذار، نقاش حول ما إذا كان ممكناً ضمن الظروف السياسية القائمة، تحقيق إصلاح اقتصادي هو الشرط الواجب لانعقاد المؤتمر الدولي لدعم لبنان.
ينطلق هذا النقاش من العلاقة البديهية بين "الاقتصادي" و"السياسي". بيد انه ينطلق أيضاً ـ وأساساً ـ من مجموعة ملاحظات رئيسية.
"الحوار الاقتصادي" في ظل فشل "الحوار السياسي"
الأولى هي ان البدء بـ"الحوار" حول الإصلاح الاقتصادي إذ يتزامن مع مأزق الحوار السياسي، لا يمكن منطقياً أن ينتج وفاقاً بشأن الأمور الاقتصادية، يشكّل تعويضاً عن "الفشل السياسي"، بالضبط لأن ما يُفشل الحوار السياسي هو نفسه الذي من شأنه أن يفشِل الإصلاح الاقتصادي.
والملاحظة الثانية، هي ان الوضع السياسي المتوتر في البلد لا يشكّل مناخاً لبحث إصلاحي "هادئ"، بل على العكس ثمة من يرى أن المشروع الإصلاحي الاقتصادي سيدخل ـ عاجلاً وليس آجلاً ـ في إطار الصراع السياسي القائم والمستمر في لبنان، وسيؤدي الصراع السياسي هذا إلى إجهاض الورقة الإصلاحية.
تجربة الرئيس الشهيد: لا يحكُم في الاقتصاد
من لا يحكُم في السياسة
والملاحظة الثالثة، ثمينة من وجهة نظر العديد من المناقشين، وهي تستحضر التجربة السابقة بكل مراراتها. وفي هذا المجال، لم يعد مجهولاً ان إنجازَي الرئيس الشهيد رفيق الحريري في باريس ـ 1 وباريس ـ 2 تم إجهاضهما في "السياسة"، بسبب الوصاية السورية التي لم تكن ترى في اقتصاد البلاد الا مجالاً للنهب المافيوي ولم تكن تريد للاقتصاد الوطني أن يحقق أي نهوض. وفي هذا المجال، قيل الكثير سابقاً، أي في المرحلة الماضية عن الاقتصاد كمدخل إلى الاستقلال عن سوريا ونظام وصايتها، وجاءت التجربة لتثبت في ضوء "النوع الخاص" من الوصاية الذي خضع له لبنان، ان هكذا مدخل مسدود فعلاً.
كذلك لم يعد مجهولاً ان "الازدواجية" على مستوى السلطة التي أشرف النظام السوري على إرسائها، شكّلت عاملاً أساساً في إجهاض مشاريع معالجة الدين العام ومشاريع النمو. ففي فترة من الفترات، ومع ان الأمر مخالف ومناقض للدستور، كثر الحديث عن ثنائية سياسية ـ اقتصادية، "يأخذ" النظام الأمني برئاسة إميل لحود بموجبها الشق السياسي والأمني و"يأخذ" الرئيس الشهيد الشق الاقتصادي، ليتبيّن بعد ذلك بالتجربة ان الأمر سراب، لأن من لا يحكم في السياسة ـ والأمن ـ لا يمكنه أن يحكم في الاقتصاد.
أما الملاحظة الرابعة، فإذ تستند إلى كل ما تقدّم ذكره، فتستحضر تجربة الشهور التسعة الماضية من عمل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، لتذكّر بأن الصراع الدائر في البلد اليوم هو حول مَنْ يحكم لبنان، في ظل الإشكالية التي لم تحلّ، أي إشكالية وجود أكثرية لا تستطيع أن تحكم، وفي ظل استمرار التدخل السوري وعنوانه الرئيسي بقاء لحود في بعبدا.
إذاً، ان النقاش إذ يعيد الاعتبار للعلاقة البديهية بين "الاقتصادي" و"السياسي"، لا بل لأولوية "السياسي" على "الاقتصادي" بمعنى انحكام الاقتصاد إلى السياسة، في ظروف لا تشبه ظروف أي بلد آخر ولا يمكن معها تحقيق عزل نسبي للاقتصاد عن السياسة، انما يصل إلى استنتاج ان مشروع الإصلاح الاقتصادي الجاري حوار بشأنه، محكوم بظروف ومعطيات سياسية تعاكسه على طول الخط وترشحه للإجهاض مرة اخرى.
هذا في المبدأ، أي على الصعيد "المبدئي" وليس "النظري" لأن ما جرى استعراضه واقعي وعملي وليس نظرياً.
حملة القوى الحليفة لسوريا على البرنامج الإصلاحي
غير أن ثمة جوانب اخرى يجدر أخذها في الاعتبار لدى مقاربة الآفاق المحتملة للمشروع الإصلاحي.
ليس خافياً ان القوى الحليفة للنظام السوري والمستجدة في تحالفها معه، والتركيبات السياسية والنقابية التي فرّختها الوصاية السورية على لبنان، بادرت ومنذ اللحظة الأولى للكشف عن مضمون الورقة الإصلاحية إلى شنّ حملات عليها وعلى الحكومة، لا بل حرّكت اضرابات أولية وهددت بالنزول إلى الشارع، والحجة الجاهزة هي مصلحة الفقراء من اللبنانيين (!).
إذاً، ليس خافياً ان المدخل الذي تعتبره الحكومة ضرورياً لمعالجة الوضع الاقتصادي ولاستجابة مقتضيات الدعم الدولي كي لا يُقال شروط هذا الدعم، هو نفسه المدخل الذي تستخدمه القوى المناهضة للأكثرية لصراعها ضدّ الأكثرية وضدّ الحكومة، لا بل هو مدخل رئيسي بالنسبة اليها لتحقيق انتصار "سياسي"، هو إسقاط الحكومة أو اصابة الأكثرية بـ"وهن" على مستوى العلاقة بالقاعدة الشعبية، أو إيجاد خلاف بين مكونات الأكثرية خاصة ان المقاربات ليست موحدة تماماً ضمن فريق الأكثرية لـ"المسألة الاجتماعية".
من جهة اخرى، من المعروف ان أي إصلاح اقتصادي يتضمن إجراءات "قاسية" أو ما بات يسمّى اصطلاحاً إجراءات "موجعة" و"غير شعبية". وفي ظل الصراع السياسي القائم في البلاد والمحتدم يوماً بعد يوم، من الواضح ان الفريق المناهض للأكثرية يريد تحميلها تبعة الإجراءات غير الشعبية. وبكلام آخر، ان الفريق المناهض للأكثرية سيسعى إما إلى تفريغ الورقة الإصلاحية من مضامينها الرئيسية بما في ذلك عنوان مثل الخصخصة، فيقول عندئذٍ، إذا نجح في ذلك، إنه حقق إنجازاً، وإما إلى تحميل الأكثرية مسؤولية الخطوات غير الشعبية إذا لم ينجح في جرّ الورقة الإصلاحية إلى حيث يريد، لكنه سيسعى دائماً إلى عدم مشاركة الحكومة في المسؤولية.
القوى المناهضة لـ14 آذار:
هدف إسقاط الحكومة واستنزاف الأكثرية
وهنا، يلفت المناقشون إلى أمر في غاية الأهمية ـ والخطورة ـ هو ان العنوان الاقتصادي كان سابقاً وسيكون اليوم وغداً أحد العناوين الرئيسية للمعركة السياسية للفريق المناهض للأكثرية وللحكومة، أي انه سيُدخِل المسألة الاقتصادية في السياسة وفي المعركة السياسية. والهدف واضح وهو استدراج الأكثرية إلى "معارك" تستنزفها وتضعها في مواجهة مع فئات شعبية سيتم إخضاعها لنوع من التضليل، خاصة إذا كان واضحاً منذ الآن ان تحقيق توافق عام حول المسألة الإصلاحية، متعذّر.
ويرى المناقشون ان التتمة المنطقية والطبيعية لما آل إليه الحوار الوطني ـ السياسي ـ هي إرباك الأكثرية بالمسألة الاقتصادية. فعندما لا ينتهي الحوار السياسي إلى ما ينقل البلاد إلى مرحلة جديدة، فلن ينتهي الحوار الاقتصادي إلى العكس. وأكثر من ذلك، يعتبر المناقشون ان ثمة نقطة جديرة بالاهتمام، وهي ان الفرقاء الذين يحجزون عملية التغيير الرئاسي انما يفعلون ذلك لجملة اعتبارات من بينها محاولة كسب الوقت من ناحية والرهان على أن يؤدي الوقت إلى تآكل في الأكثرية من ناحية اخرى.. أي ان هؤلاء الفرقاء يضعون نصب أعينهم أن تكون الشهور الـ18 المقبلة، أي ما يتبقى من ولاية لحود الممددة قسراً، شهوراً لـ"إتعاب" الأكثرية وتحقيق نزيف في طاقاتها السياسية والشعبية.
الملاءمة المطلوبة مع المعركة السياسية
طويلة المدى
لذلك، يصل المناقشون إلى نتيجة أولى، هي ان السير في الورقة الإصلاحية الاقتصادية غير متاح ضمن الظروف السياسية الراهنة، وهي أن لا مجال لإصلاح حقيقي و"جذري" أحد أهدافه نقل الاقتصاد إلى حيث يدعّم الاستقلال اللبناني.
أما النتيجة الثانية التي يتوصل اليها المناقشون فهي انه لا يحقّ للأكثرية أن تستنزف في الاقتصاد ما هي بحاجة إليه في السياسة، أي ان عليها أن تعي باستمرار ان الأولوية لـ"السياسة".
والنتيجة الثالثة، بما ان المعركة السياسية طويلة المدى، هي ضرورة الملاءمة بين طبيعة العمل في المجال الاقتصادي وبين متطلبات المعركة السياسية الطويلة المدى، أي أن تكون "السياسة الاقتصادية" متلائمة مع برنامج الصمود الوطني ـ السياسي، لا أن تؤثر عليه سلباً.
تأجيل البنود "الجذرية" والمعالجة بـ"المفرّق"
سيكون صعباً بالنسبة إلى الذين ـ في الفريق الوزاري للرئيس السنيورة ـ عملوا بجهد استثنائي على الورقة الإصلاحية، أن يوافقوا على ما توصل إليه المناقشون من نتائج واستنتاجات، خاصة إذا كانت الاستنتاجات تتضمن اقتراح سحب تلك الورقة في بنودها الإصلاحية الجذرية.
وستكون لهذا الفريق المجتهد الذي لا مصلحة خاصة له بل يضع مصلحة الاقتصاد اللبناني فوق كل اعتبار، حججه الكثيرة كي "يجادل" ضد هكذا اقتراح. سيقول محقاً ان ثمة فرصة دعم دولي استثنائي للبنان يجب عدم تفويتها، وسيقول محقاً ان الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل تأجيلاً في إثر تأجيل، وسيقول محقاً حتماً ان التأجيل سيضاعف كلفة المعالجة وان الكلفة اليوم أقل من الغد. بيد ان ما ينبغي لهذا الفريق قوله هو ان ليس ثمة توافق على تحييد الشأن الاقتصادي ـ الاجتماعي عن المسألة السياسية، وسيكون عليه الاعتراف بأن ما يُخسَر في معركة الإصلاح الاقتصادي يُخسَر في السياسة والعكس بالعكس. وهذا كله هو في الواقع "ضريبة" معركة سياسية طويلة يشهد عليها المجتمع الدولي الداعم للبنان أيضاً.
لذلك، ثمة اختبارات جرت وستجري في مجلس الوزراء، وبين الحكومة والقطاعات، وستُعطي هذه الاختبارات نتائج يمكن تقويمها. بيد ان "الاحتياطي" هو احتمال تأجيل البنود "الجذرية". أما البديل فيبدو في هذه الحالة، أي في حالة التثبّت من تعذّر تحقيق توافق جدي حول البنود الرئيسية للمشروع الإصلاحي، فهو المعالجة بـ"المفرّق"، أي معالجة ملفات "ممكنة" وتحقيق تراكم "طبيعي".
طبعاً ان ما ذُكر "مؤلم" فعلاً، لكن الخط الأحمر هو عدم خسارة المعركة السياسية من أي مدخل من المداخل. وعلى أي حال، هذا النقاش مطروح للنقاش أيضاً، وهو برسم كل المعنيين بالمعركة التي يقيم اللبنانيون في "قلبها".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.