في غضون أيام قليلة فقط، انتقل النظام السوري ـ وأتباعه في لبنان ـ من محاولة الايحاء بالراحة إلى محاولة الايحاء بأن التطوّرات سائرة نحو تراجع الاهتمام الدولي بلبنان أي باتجاه سقوط فريق 14 آذار الذي استند خلال 14 شهراً منذ شباط 2005، وحتى اليوم إلى دعم دولي.
وواقع الأمر ان الدعم الدولي للبنان ولـ"الأولوية اللبنانية" لم يتراجع وإن كان ثمة من يرى ـ بما في ذلك ضمن فريق 14 آذار ـ ان وتيرة التعبير الدولي عن هذين الدعم والمساندة لم تعد هي نفسها بل غدت ثمة مسافة زمنية بين موقف وموقف. وفي جميع الأحوال، ان الهجوم السوري تحت عنوان تراجع الاهتمام الدولي بلبنان مما يتيح للنظام في دمشق أن يعبئ أتباعه اللبنانيين ويقنعهم بأن ثمة متغيّرات، انما استند ـ أي الهجوم ـ في الآونة الأخيرة إلى ما أعلن في فترة معيّنة عن مشروع تفاوض أميركي ـ إيراني حول العراق من ناحية، وإلى كون المشروع الأميركي لـ"ترتيب" الوضع العراقي يواجه مشكلة كبيرة الآن من ناحية ثانية، وإلى "ملاحظة" ان ثمة "مسافة" معيّنة بين الموقف الدولي في ما بات يسمّى "المسألة اللبنانية ـ السورية" والموقف العربي من هذه "المسألة" من ناحية ثالثة.
العلاقة الأميركية ـ الإيرانية نحو "مواجهة" ما
بيد ان ما تفوت النظام في سوريا ملاحظته، وذلك بحسب أوساط ديبلوماسية متابعة بدقة للوضع الشرق اوسطي، هو ان الحديث عن "تفاوض" أميركي ـ إيراني بشأن العراق، تزامن مع ارتفاع في وتيرة التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران حول الملف النووي الإيراني. ومن أبرز مظاهر التوتر المتصاعد، الكلام المتزايد في واشنطن بما في ذلك في الإعلام عن ضربة أميركية للمواقع النووية الإيرانية، ومن مظاهره أيضاً الموقف الذي أعلنه رئيس الأركان الروسي قبل بضعة أيام وفيه ان روسيا لن تكون في موقع الاعتراض على ضربة تسدّد إلى الإنتاج النووي الإيراني. وبكلام آخر، تدل هذه التطورات على ان "العلاقة" الأميركية ـ الإيرانية ليست متجهة نحو إنتاج صفقة سياسية بين واشنطن وطهران بل ان ثمة "مواجهة" ما بين الجانبين.
المشكلة الأميركية في العراق
ليست مكسباً سورياً
وإذا كان صحيحاً القول ان "المشروع الأميركي" في العراق يواجه في الوقت الحاضر مشكلة كبيرة، فالصحيح أيضاً هو ان هذه المشكلة الكبيرة لم تبلغ حدّ "المأزق" وان ما تواجهه الإدارة الأميركية لا يزال "مقدوراً" عليه وان البدائل الأميركية لا تزال "كثيرة" في ظل العلاقات الأميركية بـ"الأطياف" العراقية كافة. وفي مطلق الأحوال، ليس ثابتاً وليس هناك ما يُثبت ان "الأزمة الأميركية" في العراق تصبّ في صالح النظام في سوريا الذي دلّت التجربة على انه ساعٍ بكل الأثمان إلى الانضمام إلى تسوية ما مع أميركا في الموضوع العراقي وغيره.
"النظام العربي" ومساعيه
لمصالحة سوريا مع المجتمع الدولي
أمّا في ما يتعلّق بملاحظة نظام دمشق لوجود مسافة معينة تفصل بين الموقفين الدولي والعربي حيال "المسألة اللبنانية ـ السورية"، فمن الواضح ان هذه "الملاحظة" ليست حقيقية. فإذا كان "النظام العربي" الرسميّ، تحت عنوان الاستقرار الإقليمي، مهتماً بأن لا تتكرّر "الحالة العراقية" في سوريا أي ألا تحصل محاولة خارجية ـ دولية ـ غربية لتغيير النظام السوري، فإن "النظام العربي" الرسميّ ينهل هنا من الموقف الدولي ـ الغربي الذي يعلن أن ليس ثمة سعي دولي إلى تغيير النظام في دمشق بل إلى تغيير "سلوكه".
وبصرف النظر عن مدى نجاح معادلة تغيير سلوك النظام السوري وليس تغيير النظام نفسه، فلا يخفى ان "النظام العربي" يسعى إلى "مصالحة" نظام دمشق مع المجتمع والشرعية الدوليين على أساس "دفتر الشروط" الذي وضعه المجتمع الدولي لذلك. كما لا يخفى ان هذا النظام العربي يعتبر أن الاستقرار في لبنان أساس في الاستقرار الإقليمي أيضاً. وأغلب الظنّ هنا ان النظام السوري يقرأ على نحو مغلوط "معنى" الموقف العربي ويقرأ بشكل خاطئ "المسافة" بين الموقفين الدولي والعربي.
"تموضع" جديد للأولويات..
والعمل الدولي عبر الأمم المتحدة
وكي تكون الأمور واضحة من جوانبها كافة، تلفت الأوساط الديبلوماسية المتابعة إلى أن ليس من سبب يبرّر للنظام السوري اعتبار ان التطوّرات الجارية في المنطقة تصبّ في خانته، أي في مصلحة استمراره في اعتماد "السلوك" نفسه أو "السياسة" نفسها، بما في ذلك اعتقاده الخاطئ ان هذه التطوّرات سوف تعيده إلى لبنان. وتقول الأوساط ان "التحوّل" الحاصل على مستوى "الأداء" الأميركي، يتعلّق "الآن" بأمرين: الأول هو نوع من "التموضع" الأميركي الجديد حيال الأولويات المترابطة في المنطقة بما أدى إلى بروز الأولوية الإيرانية على نحو لافت، والثاني هو ان الولايات المتحدة وغيرها من الدول المهتمة بلبنان ـ وفرنسا بالدرجة الأولى ـ تعمل خلف المجتمع الدولي والأمم المتحدة في ما يتعلق بلبنان، أكثر من توجهها إلى عمل "مباشر". وتشير الأوساط الديبلوماسية المتابعة إلى ان "اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة يضغط باتجاه "الأولوية الإيرانية" في الوقت الذي يعتبر ان النظام في سوريا ضروريّ بقاؤه، علماً ان "الأولوية الإيرانية" ليست جديدة عند اللوبي الإسرائيلي فقد أشهرها في وجه "الأولوية العراقية" قبل الحرب على العراق.
إذاً، في التحليل المستند إلى معطيات الأوساط الديبلوماسية المتابعة، ليس ثمّة ما يدعو النظام السوري إلى الايحاء بـ"الراحة"، حتى ولو كان يعتبرُ ان في التطوّرات الحاصلة مجالاً لمحاولة "كسب الوقت".
النظام السوري والتحقيق الدولي
وفي المقابل، ترى الأوساط نفسها ومعها أوساط سياسية لبنانية ان ثمّة ما يدعو إلى الاعتقاد ان الهجوم من قبل النظام السوري في لبنان ناجم عن توتر عالٍ له ما يفسّره.
وتعدّد الأوساط في هذا السياق ثلاثة اعتبارات رئيسية تكمن خلف هذا التوتر.
الأول يتصل باستحقاق "المقابلة" التي تمّت أو يفترض أن تتمّ قريباً بين رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيس السوري بشار الأسد. فقد جرت هذه "المقابلة" أو انها ستجري، وسط إعلان سوري متكرّر بأن الجريمة من فعل أفراد، وكرّرت دمشق القول ان أي مسؤولية تثبت على أفراد سوريين في هذه الجريمة، لا تعني مسؤوليةً لـ"النظام" عنها.
وفي هذا الإطار، ليس خافياً على أحد ان النظام السوري متوتر لمجرّد المقابلة مع رئيسه أولاً، ومتوتر لانه لم يحصل على أية ضمانة بعدم وصول التحقيق الدولي إلى مستوى عالٍ على صعيد "الأفراد" ثانياً، وهو متوتر لان المرحلة المقبلة من التحقيق الدولي "قد" تلزمه بتسليم مشتبه بهم من مستويات أدنى ثالثاً. وفي جميع الأحوال ان أحداً لا يستطيع أن يقدّم للنظام في سوريا أيّ ضمانات.
حتى "الفصل" الذي ارتضاه رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري بين التحقيق والعلاقات اللبنانية ـ السورية، وتبنّاه مؤتمر الحوار الوطني لم يُرِح النظام السوري، لانه كما قال أكثر من سياسي لبناني، يريد التحقيق ولا يريد العلاقات.
الإجماع الدولي المرتقب حول تقرير لارسن
الاعتبار الثاني خلف التوتر، يتعلّق باستحقاق التقرير الذي يقدمه المبعوث الدولي لمراقبة تنفيذ القرار 1559 تيري رود ـ لارسن في 19 نيسان الجاري.
وثمة جهد تبذله الدول الكبرى لتحقيق إجماع دوليّ حول تقرير لارسن، تعبيراً عن عدم تراجع الاهتمام بلبنان من جهة وتأميناً لموقف صارم من النظام السوري في صيغة بيان رئاسي جديد أو قرار دولي جديد من جهة أخرى. وترجّح الأوساط الديبلوماسية أن يأتي التقرير حازماً في تسجيل عدم تنفيذ دمشق للمندرجات الأساسية من القرار 1559، سواء ما يتّصل بالانسحاب السوري الشامل أو الحدود اللبنانية ـ السورية أو تدفق الأسلحة أو "سلاح الميليشيات".. أو انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية بدون تدخّل خارجي ووفقاً للدستور.
وواقع الأمر ان ثمّة متابعة حقيقية من الدول الرئيسية كي يقدّم لارسن تقريراً متكاملاً أولاً وكي لا يجري شطب أي أمر من هذا التقرير ثانياً وكي يبقى التقرير بحرفيّته ثالثاً. ذلك ان ثمّة خشيتةً من أن يُقدم الأمين العام للمنظمة الدولية كوفي أنان على محاولة "التخفيف" من التقرير، كما حصل في مرّة سابقة على صعيد أحد تقارير المحقّق الدولي السابق ديتليف ميليس.
والخشيّة هنا هي من أن يخضع أنان لبعض "النظريات" بحجّة عدم التوتير أو أن يتأثّر باللوبي الإسرائيلي الذي لا يرغب في إثارة الموضوع السوري الآن على الأقل.
تحرّك المعارضة السورية
أمّا الاعتبار الثالث فيتعلّق على ما يبدو بتنامي المعارضة السورية الداخلية، بعد تشكيل "الجبهة المعارضة"، واستعداد المعارضة المتنوّعة والمتعدّدة للتحرك في آجال غير بعيدة، وسط معلومات تضخّها المعارضة السورية عن "انشقاقات" ضمن النظام قد تظهر قريباً إلى العلن كما قال نائب زعيم حركة "الاخوان المسلمين" في سوريا قبل بضعة أيام.
لكن المعركة طويلة
إذاً، ان الايحاء بالراحة إزاء تطوّرات لا تفسّرها ولا تبرّرها، هو في واقع الأمر تعبير عن حالة من التوتر العالي حيال استحقاقات "مصيريّة". ومع ذلك، فإن الأوساط السياسية اللبنانية والأوساط الديبلوماسية المتابعة، تعتبر ان القول ان النظام السوري ليس لديه أي منطق لتفسير التطوّرات على أنها لصالحه، لا يعني ـ هذا القول ـ ان المعركة السياسية اللبنانية مع "سياسة" هذا النظام في لبنان ليست طويلة، بل على العكس لا مفرّ من أن تُبنى الحسابات على هذا الأساس، علماً ان ثمّة تطوّراً برز في الأيام القليلة الماضية، يتمثّل في الانزعاج العربي الملحوظ حيال مناورات نظام دمشق ومراوغاته بالنسبة إلى لبنان خصوصاً، والنظام السوري اللاعب على الوقت، ناجح جداً في تبديد الفرص التي تعطى له.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.