لا ينفكّ فرقاء الحوار، لا سيما فريق 14 آذار من بينهم، يكرّرون أن ما أقره المؤتمر من مواقف ومطالب، مهم جداً، ويؤكدون أن ما جرى إقراره مما أُعلن بالفعل لم يكن يسيراً تصوّره قبل انعقاد الحوار. وشاهدُهم على ذلك أن الإجماع على أن تكون العلاقات بين لبنان وسوريا ندّية وعلى مستوى السفارات، لم يكن أمراً محسوماً سلفاً، وكذلك بالنسبة إلى موضوع السلاح الفلسطيني، خارج المخيمات خصوصاً، كما بالنسبة إلى موضوع تثبيت لبنانية مزارع شبعا وتحديدها.. وأيضاً في موضوعي المحكمة الدولية وتوسيع صلاحيات التحقيق الدولي.
بالفعل، إن ما يقوله فريق 14 آذار صحيح، خصوصاً أن هذه العناوين كانت أثارت خلافات حادة بما في ذلك داخل الحكومة، حيث لم يكن أمر المحكمة الدولية وتوسيع التحقيق مرحّباً به سابقاً من قبل "حزب الله" مثلاً، وحيث سجّل الحزب أيضاً اعتراضه على طرح موضوع السلاح الفلسطيني و"طريقة" الطرح وذهب في بعض مواقفه إلى اعتبار هذا السلاح جزءاً من "سلاح المقاومة".
الإقرار بيد اللبنانيين والتطبيق بيد "طرف ثالث"
بيد أن المشكلة التي يواجهها إجماع مؤتمر الحوار الوطني حول العناوين الآنفة، هي أن إقرارها ـ أي العناوين ـ هو في يد اللبنانيين بينما تنفيذها ليس في يدهم.. أي أن إقرارها كان يتعلق بفريقين لبنانيين مختلفَين سياسياً بينما تطبيقها يتعلق بـ"طرف ثالث" هو النظام السوري، باستثناء موضوع المحكمة الدولية والتحقيق بطبيعة الحال الذي يتصل بالعلاقة اللبنانية ـ الدولية.
والحديث هنا عن "طرف ثالث" هو النظام السوري، هدفه القول أن دمشق تتحكم بلبنان ولا يزال في وسعها أن تقلب الطاولة في وجهه. وإن هي فعلت، أدى ذلك إلى تجميد ما اتفق عليه اللبنانيون إن لم يكن إلغاء هذا الاتفاق عملياً، فضلاً عن أن عدم استجابة سوريا للمطالب اللبنانية من شأنه أن ينسف القسم المتبقي من بنود الحوار، لا سيما البند المتعلق بسلاح "حزب الله"، أو على الأقل أن يطيح بالفرص المتكافئة للمتحاورين، طالما أن ثمة فريقاً على طاولة الحوار، هو فريق 14 آذار، يعتبر أن ترسيم الحدود في منطقة مزارع شبعا هو المدخل الموضوعي إلى نقاش مسألة سلاح "حزب الله".
طبعاً، ليس ثمة اكتشاف لـ"البارود" في ما جرى قوله حتى الآن، لكن المقصود هو أن اتفاق اللبنانيين على أمر ما لا يجعله مكتسباً بشكل نهائي، ولا يصحّ بالتالي الاعتداد بما تم التوافق بشأنه إلا من زاوية البرهنة على إمكان اتفاق اللبنانيين لو تركوا لوحدهم فعلاً، فكيف إذا كان النظام السوري، لا يزال في قلب المعادلة السياسية اللبنانية، ليس لأن له حلفاء سياسيين فقط بل لأنه لا يزال مقيماً على رأس النظام السياسي عبر رئيس التمديد إميل لحود؟
التعاطي السوري السلبي مع زيارة السنيورة
وحقيقة الأمر أن إثارة هذا الموضوع اليوم فيما يستريح مؤتمر الحوار حتى 28 نيسان الجاري، تنطلق من أن الزيارة التي فوّض المؤتمر رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة القيام بها إلى دمشق لبحث الملفات التي أقرّت بالإجماع وتتّصل بسوريا "الطرف الثالث"، لم تتم بعد.
لم تتم هذه الزيارة حتى الآن، لأن سوريا تعرقلها. فالصحافة السورية، أي الصحافة التابعة للنظام، قالت إن السنيورة غير مرحّب به. وعندما التقى الرئيس السنيورة الرئيس بشّار الأسد على هامش قمة الخرطوم، وأعلن أنه تناول معه موضوع الزيارة، سارعت "المصادر السورية" إلى نفي حصول اجتماع. ولم يقف الأمر عند هذا الحد إذ سارع الوزير السوري وليد المعلّم إلى إعلان أنّ مزارع شبعا ليست لبنانية ولا سوريّة بل أرض عربيّة تحتلّها إسرائيل.. وذلك قبل ان ينسف امس مبدأ العلاقات الديبلوماسية مع لبنان. وكان سلفه نائب الرئيس فاروق الشرع سبقه الى القول أنّ تثبيت لبنانيّة المزارع شأن لبناني رافضاً ما تقتضيه المعايير الدوليّة. ومع ذلك، جاء الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني ـ السوريّ نصري خوري إلى بيروت واستمع من الرئيس السنيورة إلى جدول الأعمال المقترح للزيارة فنقله الى دمشق التي لم ترد حتّى الآن... وإن كانت ردّت عبر نصري خوري بأنّ جدول أعمال الزيارة يجب اقراره في مجلس الوزراء اللبناني، قبل أن تعود إلى "تسريب" أنّ المطلوب هو موافقة لحود على الزيارة وجدول اعمالها.
.. يرتدّ على الاجماع
إنّ هذا السلوك السوريّ ليس غير اعتياديّ، لا بل كان متوقعاً من قبل كثيرين. وليس أهم ما فيه أنّه برهان اضافي على استمرار التدخل السوريّ في الشأن اللبنانيّ وعلى استمرار التعويق السوريّ لسيادة لبنان، بل إنّ أخطر ما فيه هو أنه اذ يدير الظهر للاجماع اللبناني، يهدد بحصول انقلاب في المواقف داخل مؤتمر الحوار من جديد، انطلاقاً من التأثير أو الضغط السوريّ.
من وقائع جولة الحوار الأخيرة وكلامٌ لجنبلاط
فعندما عرض الرئيس السنيورة للمتحاورين ما جرى في الخرطوم، ومن ضمنه اللقاء مع الأسد وما تبعه من اتصالات بشأن الزيارة، وإذ اثيرت من جديد مسألة أولوية ترسيم الحدود في مزارع شبعا، وُجد مِن حلفاء سوريا على طاولة الحوار من يقول إن مؤتمر الحوار أقر لبنأنيّة المزارع وأنّ الخطوة المطلوبة في هذا المجال هي الذهاب الى الأمم المتحدة أولاً وليس إلى سوريّا، فإذا اعترضت سوريّا لدى الأمم المتحدة على لبنانيّة مزارع شبعا، تحصل عندئذ زيارة الى دمشق. اقتضى هذا القول من المشاركين في الحوار من جانب 14 آذار اعادة التذكير بأنّ المؤتمر أخضع لبنانيّة المزارع لـ"التثبيت والتحديد" مع سوريّا وفقاً لـ"المعايير المقبولة دولياً"، لأن مشكلة لبنان ـ في موضوع المزارع ـ ليست مع المجتمع الدولي بل هي مسألة نزاع حدودي بين لبنان وسوريا حتّى لو كانت الأرض محتلّة من قبل إسرائيل.
وعندما جرى التطرق الى الزيارة في حد ذاتها، وُجد من حلفاء سوريا من يقول إن الزيارة كي تكون ناجحة لا يمكن ـ وليس ضرورياً ـ أن تبدأ ببحث المزارع، بل أن يتم بحث العلاقات اللبنانية ـ السوريّة في جوانبها السياسية والديبلوماسيّة والاقتصاديّة بداية وبالتدريج، كأن من يطرح ذلك يقول بنوع من "التمهيد" و "التطبيع" المديدَين. ولم يتأخر مَن مِن حلفاء سوريّا تقدم بهذا الطرح في الدعوة إلى تهيئة الظروف عبر ما سماه "وقف الحملات الإعلامية" كي يتم الحوار اللبنانيّ ـ السوريّ عندما يتم بهدوء. ولما قيل له أنّ أحداً لا يستطيع ولا يحقّ له أن يسكت الاعلام، سارع الى القول أنّ المطلوب "وقف الحملات السياسيّة".
كعادته، "اكتشف" وليد جنبلاط بسرعة أنّ "وراء الأكمة ما وراءها" وأن ثمة "قطبة مخفيّة"، فخاطب المتحاورين ـ من حلفاء سوريّا خصوصاً ـ بالقول "تورّطون الرئيس السنيورة وتتخلون عنه في وقت مطلوب منكم أن تذهبوا قبله ومعه وبعده الى الشام لتسهّلوا مهمته".
الإجماع لا يزال غير محصّن
هذه الوقائع "التقريبيّة" اي غير الحرفية في نصّها، تشير بالضبط إلى المشكلة: عندما يكون ما اقره اللبنانيون بالإجماع يتعلق بـ"طرف ثالث"، يمكن لمواقف "الطرف الثالث" هذا أن ترتدّ على الإجماع، وأن يتخذ هذا الارتداد صيغاً شتى من مثل الدعوة الى "التعقّل" و"الحكمة"، او الدعوة الى مقاربة الأمور بـ "واقعية" تراعي الظروف.. وإذ ذاك يغدو الإجماع في مهب التطورات والاحتمالات، فكيف و"الطرف الثالث" هو النظام السوري وحساباته اللبنانية؟ وكيف اذا لم يُستكمل الحوار بـ"السياسة" عبر خطوات تؤدي الى طي صفحة الوصاية السوريّة بما يحصّن ما يتم الاتفاق عليه، والعنوان الرئيسي في هذا المجال هو تحرير السلطة السياسيّة من الواقع الراهن لرئاسة الجمهورية؟
حتى الآن، كان الارتداد موقتاً داخل قاعة الحوار، لكن الانتباه "مفيد" جداً. وأغلب الظن أن فريق 14 آذار إذ يدافع عمّا تم إنجازه، لا يفعل ذلك من أجل "التعويض" عمّا لم يتم إنجازه، بيْدَ أن ما تم استعراضه هو للإشارة إلى "اليقظة" المطلوبة في جميع الظروف، خاصة إذا كان مؤكداً أن مؤتمر الحوار حتى لو تم تعليقه بعد 28 نيسان، يبقى الإطار الذي يمكن العودة إليه في أي وقت.
النظام السوري يواجه المجتمع العربي ـ الدولي
على أي حال، وفي ما يتجاوز الهدف المباشر من إثارة هذا الموضوع كونه يؤشر إلى "أزمة" زيارة السنيورة إلى دمشق من ناحية، وإلى ما يطرحه ذلك من إشكال حول مقررات الحوار من ناحية ثانية، من الواضح تماماً أن النظام السوري يواصل "سياسة" التعطيل وقد أقنع نفسه بأن الظروف المحيطة به تريحه. غير أن الأكيد هو أن مضيّه في نهج التعطيل تجاه لبنان يكشفه عربياً ودولياً أكثر وأكثر، لا بل يضعه في مواجهة المجتمع العربي ـ الدولي، وعلى الأرجح أنه يجازف مرة اخرى، ربما للمرة الألف، بقراءة خاطئة للتطورات.
ويبقى القول أنه إذا كان صحيحاً أن ما أقرّه مؤتمر الحوار الوطني بالإجماع، ليس ـ في ما عدا المحكمة الدولية وتوسيع التحقيق ـ مكتسباً بشكل نهائي، فالصحيح ايضاً أن ما تم إقراره يشكّل "مرجعية" سيكون من يحاول العودة عنها أو إعطاءها تفسيرات مختلفة، "محشوراً" جداً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.