في قراءة لنص الحديث الذي أدلى به البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير إلى مجلة "لوبوان" الفرنسية، يظهر واضحاً ان سيّد بكركي يصوغ موقفه من الرئيس إميل لحود من ضمن معادلة "مركّبة".
"المعادلة المركّبة"
من جهة أولى، وقياساً إلى ما كان قاله في مرات سابقة، فإن حديثه الأخير هو "الأعلى" في توصيف حالة لحود، بما هي حالة رئيس ربط نفسه ومصيره بالسوريين من ناحية وفقد هيبته مفقداً موقع الرئاسة قدراته تالياً من ناحية اخرى. ان ذلك يمثل إعلاناً بطريركياً صارخاً عن انتماء لحود إلى حقبة الوصاية السورية وعن ضرورة تغييره، بالحيثية السياسية ـ الوطنية التي تقدّمها قوى 14 آذار الداعية إلى تغيير رئاسي من أجل طي صفحة الماضي.
لكن البطريرك من جهة ثانية، وإذ يصف حالة لحود بدقّة، أي الارتباط بالسوريين، وعدم الاستعداد للاستقالة، إنما يقول بطريقة غير مباشرة إنه غير قادر على إزاحته وأن ليس في وسعه تحمّل مسؤولية هذه الإزاحة.
بكلام آخر، يرفع البطريرك عن لحود أي غطاء لبقائه في الرئاسة، لكنه في الوقت ذاته يرفع عن نفسه مسؤولية إزاحته، طالما ان الرئيس الممدّد له يخضع لقرار سوري ولا يسمع كل الدعوات إلى تنحّيه. ان كلام البطريرك متضمن إذاً أقصى مطالبة للحود بمغادرة بعبدا مقرونة بما يشبه "اليأس" من معالجة الحالة اللحودية التي تربط مستقبل البلد بالوصاية السورية الغابرة.
ان "مصادفة" توقيت الحديث إلى المجلة الفرنسية في اليوم التالي لتعليق جلسات مؤتمر الحوار الوطني حتى الثامن والعشرين من نيسان الجاري بعد فشل الحوار في التوصل إلى معالجة "أزمة الرئاسة"، تجعلُ هذا الحديث ـ ومعادلته المركّبة ـ مفتوحاً على عدة احتمالات لدى الانتقال به إلى الصعيد السياسي المباشر، لدى محاولة الفرقاء المعنيين أكثر من غيرهم بهذا الحديث ترجمته إلى الواقع... أي انّ المعادلة "المركبة" هي "حمالة أوجه" في الوقت نفسه.
تسليم ببقاء لحود؟
لا شكّ أولاً ان كلام البطريرك هو بمثابة "نداء أخير" إلى مؤتمر الحوار في ساحة النجمة، ينادي المتحاورين بأن يحلّوا "أزمة الرئاسة" طالما ان هذه الرئاسة الحالية تمثل عنواناً من ماضي الوصاية، أي أن البطريرك يدخل بكلامه هذا إلى طاولة الحوار رافضاً الفشل في التوصل إلى حل في هذا الموضوع.
لكن قول البطريرك ان لحود مرتبط بالسوريين وبالرغم من كونه تنديداً سياسياً بواقع الرئاسة، قد ينطوي على نتيجة اخرى. فأن يكون لحود مرتبطاً بالسوريين "يمكن" أن يعني من وجهة نظر بكركي أن لحود لا يقيله إلا السوريون.. وفي هذه الحالة، "يمكن" تفسير كلام البطريرك صفير على أنه دعوة إلى التسليم ـ اضطراراً ـ بأن لحود سيبقى في الرئاسة حتى نهاية ولايته الممدّدة بما أن السوريين لا يطلبون منه الرحيل، وعلى انه ـ أي كلام صفير ـ دعوة إلى أخذ هذا الأمر في الاعتبار.
..أم دعوة إلى "رئيس تسوية"؟
وقول البطريرك أن لحود صنيعة سورية ولا أمل في استقالته من تلقاء نفسه، "قد" يعني أن رأس الكنيسة المارونية يدعو إلى اتفاق سياسي على إخراج لحود من بعبدا بالتفاهم بين قوى 14 آذار والقوى الاخرى الحليفة لسوريا على رئيس بديل، أي "رئيس تسوية" فلا يكون الرئيس المقبل من 14 آذار ولا من 8 آذار.
وكلام البطريرك "قد" يعني العكس بالنسبة إلى آخرين، أي أن هذا الكلام لا يمكن تفسيره من وجهة نظر آخرين على أنه دعوة إلى "رئيس تسوية" لأن "الرئيس التسوية" ـ مع سوريا مباشرة أو بالواسطة عبر حلفائها ـ يعني التمديد لحال الوصاية، وفي أحسن الأحوال التمديد للمرحلة الانتقالية سنوات ستّ إضافية.
..أم يشرّع كافة الوسائل؟
وكلام البطريرك "قد" يعني بالنسبة إلى البعض أن سيد بكركي حدّد طريقاً واحداً لذهاب لحود، بالاستقالة. لكنه "قد" يعني لكثر غيرهم أنه بإعلان ما يشبه اليأس من إمكان تقديم لحود استقالته، يكون البطريرك "شرّع" كل الوسائل "المتاحة" لتحقيق هدف إخراج لحود من موقع الرئاسة.
إذاً، بقدر ما كان كلام البطريرك واضحاً بل صارخاً في إدانة ارتباط إميل لحود بالسوريين وبقائه لهذا السبب في رئاسة الجمهورية، فقد كان كلامه قابلاً للتفسير في اتجاهات شتّى في المقابل، أي من الناحية "العملية".
صفير وعون والمرشحون
على أن البطريرك صفير وفي الحديث نفسه، تناول عنوانَين آخرين ولو بسرعة. مرّ على العماد ميشال عون بقوله أن الجنرال أبلغه أنه لم يعد عسكرياً منذ نحو عشرين عاماً. وقال ما معناه أن ثمة مارونياً واحداً سيكون سعيداً إن سُمّي لرئاسة الجمهورية.
في ما يتعلق بالعماد عون، لا يخفى أن البطريرك ينسبُ إلى رئيس "التيار الوطني الحر" أنه ليس عسكرياً لكنه ـ أي صفير ـ لا يتبنّى هذا الأمر.. وقد كان له موقف سابق ضدّ وصول عسكري إلى رئاسة الجمهورية.
أما في الشقّ الثاني الآخر، فمن الواضح ان البطريرك يعلن بوضوح رفضه تسمية مرشحين كي لا تجلب التسمية "عدم سعادة" الكثرة من الموارنة.
البطريرك وقناعاته المارونية
وحقيقة الأمر في هذا المجال أن المسألة تتجاوز بالنسبة إلى سيد بكركي "إغضاب" أو "إسعاد" المرشحين، فهي بالنسبة إليه مسألة مبدأ. ففي مرات عدة أعرب البطريرك عن قناعته بمجموعة من الاعتبارات.
فهو ليس على قناعة بأن ما يسمّى "الأكثرية" في كل طائفة تختصر تمثيل هذه الطائفة وتختار من يمثلها إلى الموقع الدستوري الذي يعود إلى هذه الطائفة.
وهو ليس على قناعة بأن عليه أن يرعى اجتماعاً مسيحياً ينتهي إلى تسمية مرشح مسيحي ـ ماروني ـ واحد.
وهو ليس على قناعة بأن يكون ثمّة مرشّح ماروني واحد.
..لكنه على قناعة في المقابل بأن على الموارنة أن يقدموا ديموقراطياً مجموعة من الخيارات. وذلك من منطلق المواصفات العامة التي حدّدها للمرشح إلى رئاسة الجمهورية ومن ضمنها أن يكون معتدلاً وميثاقياً ومقبولاً من الآخرين، على قاعدة أنه إذا كان صحيحاً أن موقع رئاسة الجمهورية يجسّد مشاركة المسيحيين في الصيغة، فالصحيح أيضاً أن الرئيس هو رئيس كل لبنان.. وإذا كان صحيحاً أنه يجب ألا يسمّي الشركاء في الوطن الرئيس، فالصحيح كذلك أن لا يغلق المسيحيون الموارنة أبواب الخيارات المتعدّدة والتعدّدية في وجههم.
إذاً، وبالعودة إلى مؤتمر الحوار الوطني، يمكن أن "يؤخذ" كلام البطريرك صفير في أكثر من اتجاه، علماً أن ما تضمنه من إدانة سياسية للحود، وما قدّمه من مضبطة اتهامية لرئيس التمديد، ينبغي أن يشكّل حافزاً للجميع نحو معالجة "أزمة الرئاسة".
مؤتمر الحوار أقفل عملياً البند الرئاسي
بيد أن واقع الحال، هو أن مؤتمر الحوار الوطني في جولته الأخيرة الإثنين الماضي، أقفل عملياً هذا البند على جدول الأعمال.
أُقفل هذا البند، بعد التراجع الذي أبداه "حزب الله" خصوصاً عن التحديد الذي كان المؤتمر توصل إليه في جولات سابقة لـ"أزمة الحكم" على أنها "أزمة رئاسة الجمهورية"، وقدّم الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله مطالعة تقول ان الأزمة شاملة، معتبراً ان ما حصل في الخرطوم ثمّ في مجلس الوزراء الأسبوع الماضي دليل على أن الأزمة عامة وليست أزمة رئاسة.. فقط.
وكان للعماد عون موقف مشابه في تعريف "أزمة الحكم".. وإن كان الجنرال انتابه لون من "الإحباط" عندما ردّ فرقاء 14 آذار على مطالعة نصرالله بالدعوة إلى تجاوز الموضوع الرئاسي والذهاب إلى البند الآخر والأخير المتعلق بسلاح "حزب الله"، فطالب بمتابعة البحث في الرئاسة وبأن تقدّم الكتل الرئيسية مرشحيها. وفجأة بعد تعليق الحوار حتى 28 الجاري، أطل العماد عون تلفزيونياً يحمّل فريق 14 آذار خطأ عدم الإصرار على متابعة موضوع الرئاسة بالرغم من بروز انسداد في أفق البحث.. لا بل حاول عون اعتماد خطة هجومية تقوم على تحميل الأكثرية مسؤولية بقاء لحود في بعبدا، فيما بات الكل يعلم ان عون هو الذي يحجز التغيير الرئاسي باشتراطه ـ عملياً ـ أن يكون رئيساً بالإجماع السياسي.
وأُقفل البند الرئاسي عملياً، في وقتٍ يتمسّك النظام السوري بلحود رافضاً إعطاءه أمر عمليات بمغادرة بعبدا، للسبب الذي قاله البطريرك صفير، أي في وقت تعثّرت على ما يبدو المساعي العربية لجعل دمشق تغيّر تعاطيها مع الوضع اللبناني.
.. إلا إذا حصلت متغيرات قبل 28 الجاري
وحقيقة الأمر أن بقاء المواقف على حالها لن يعيد فتح الأفق في هذا البند على طاولة الحوار. وقوى 14 آذار التي وضعت نصب أعينها هدف التغيير الرئاسي لن تجد نفسها محبطة إذا تأخر هذا التغيير أياماً أو أسابيع لكنها بالتأكيد لن تقبل بالتخيير ـ الابتزاز الذي توضع أمامه بين بقاء لحود أو أن يختار النظام السوري الرئيس البديل.. والخيارات الأخرى "المتاحة" ستكون مفتوحة، والمنطلق هو ان المعركة طويلة.. إلا إذا حصلت متغيّرات مؤثرة ايجاباً على الوضع اللبناني، في الدائرة العربية ـ الدولية، وهذا ما يتطلب متابعة في الفترة الفاصلة عن 28 نيسان الجاري.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.