8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

يمكن لفريق 14 آذار أيضاً أن يمارس "سياسة الوقت" وأن يستفيد منها

لم يعد سراً ان فريق حلفاء سوريا على طاولة الحوار يحاول أن يحشر فريق 14 آذار في موضوع الرئاسة بين أحد خيارَين: إما استمرار إميل لحود في بعبدا في ما تبقى من ولايته الممدّدة وإما رفع "سعر" لحود عبرَ التوافق على رئيس "سوريّ الهوى".. أي أن لحود تحوّل الى ورقة ابتزاز في يد حلفاء دمشق.
فريق حلفاء سوريا والتخيير الابتزازي
الخيار الأول أي استمرار لحّود في بعبدا 18 شهراً، لا يخفي رهانَ حلفاء سوريا على الوقت، أي رهانهم على حصول تطورات "تستهلك" قوى 14 آذار وتؤدي الى خلل في موازين القوى. كما لا يخفى ان حلفاء سوريا المراهنين على الوقت، سيسعون خلال هذه الفترة المتبقية من ولاية لحود الى تنفيذ أولويات أخرى لا يتردّدون في الافصاح عنها، ومنها الانتخابات النيابية المبكرة.
أما الخيار الثاني أي رفع "سعر" لحود برئيس "سوريّ الهوى"، فمن الواضح انه يهدف الى قبض الثمن منذ الآن، أي قبض ثمن تطورات قد لا تحصل، مسبقاً، والنتيجة في هذه الحالة هي إدخال البلاد في مرحلة انتقالية مديدة جديدة، مع نفوذ سوري مجدّد له.
بديلان مطروحان أحدهما الشروع في انتخاب رئيس جديد
حيالَ هذا "التخيير" الذي يوضع فريق 14 آذار أمامه، ماذا يستطيع هذا الفريق أن يفعل؟
من الطبيعي أولاً ان يرفض هذا التخيير ـ الابتزاز، على أن تكون لديه بدائل قابلة للتحقيق.
أما في البدائل فثمّة بديلان "مرئيان" حتى الآن. الأول هو السعي الى إنتاج توافق حول رئيس من 14 آذار على أساس برنامج هو ما يتوصل اليه الحوار من نتائج، فإذا أنتج الحوار توافقات بـ"الاجماع" يصبح التفاهم على رئيس من 14 آذار احتمالاً وارداً وإنْ ليس مؤكداً بطبيعة الحال. أما البديل الثاني فهو قيام فريق 14 آذار بانتخاب رئيس جديد للجمهورية بمختلف الوسائل "المتاحة".
ينطلق الذين يطرحون هذا البديل الثاني من مجموعة اعتبارات "وحجج". الاعتبار الأول هوَ ان فريق 14 آذار يمثّل الأكثرية النيابية ومن حق هذه الأكثرية لا بل من واجبها ان تحكم، ولا تستطيع أن تحكم في ظل استمرار لحود ولا مع رئيس يمدّد لخطوط النفوذ السوري في البلد. الاعتبارُ الثاني هوَ ان لدى فريق 14 آذار "ورقة" ثمينة تتمثل بالقرار 1559 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي بمناسبة التمديد للحود، والذي يجعل من لحود رئيسا غير شرعي من وجهة نظر الشرعية والقانون الدوليين. والاعتبار الثالث هو ان هذا القرار الدولي الذي وبحسب العديد من القانونيين يعلو القوانين والقرارات المحلية، والمطلوب تنفيذه، لا بد له ان ينفّذ بما يؤدي الى "تصحيح" الواقعة التي انتجت القرار الدولي نفسه.
حيثيات البديل والمجازفة فيه
ويعتبر طارحو هذا البديل الثاني ان موقع الرئاسة شاغر، من جهة لأن التمديد للحود حصل خلافاً للدستور وبتدخل خارجي ـ سوري وبالقوة وبالإكراه، ومن جهة ثانية لأنه يتناقض مع القرار الدولي. ويرون انه في ظل هذا الشغور، يترتب على رئيس مجلس النواب الدعوة الى جلسة لانتخاب رئيس جديد، او ان يصبح المجلس في حال تمنع رئيسه عن الدعوة، في حال انعقاد حتى انتخاب رئيس جديد، يلزمه ثلثا الأصوات في دورة اقتراع أولى والأكثرية المطلقة في الدورات اللاحقة.
اذاً، بين الخيارين اللذين يطرحهما فريق حلفاء سوريا، ثمة بديل يطرحه بعض الأكثرية النيابية. بيد ان هذا الطرح يحتاج كي يصبح ممكن التنفيذ الى مجموعة من "المقومات".
فمما لا شك فيه ان هذا الطرح يحتاج في طليعة ما يحتاج اليه، الى دراسة معمّقة لنتائجه، سواء مدى تعميقه الانقسام ونقله الى مستوى أعقد أو مدى توفيره للاستقرار.
ويحتاج هذا الطرح ثانياً الى "معرفة" رأي البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير فيه، علماً ان رأيه معروف لجهة وسائل إنتاج التغيير الرئاسي.
ويحتاج ثالثاً الى "التأكد" من الموقفين الدولي والعربي. فبين ان يكون المجتمع الدولي سواء عبر القرار 1559 أو عبر المواقف التي تعلنها الدول الكبرى مؤيداً لحصول تغيير رئاسي وبين ان يكون مؤيداً لطريقة في ذاتها لهذا التغيير، ثمة فارق كبير. وبين ان تكون الدول العربية المعنية داعمة للتغيير وبين ان تكون مع طريقة معينة، ثمة فارق كبير أيضاً.
الرد على كسب الوقت بالوقت.. وجبهات المعركة
اذاً، حيال التخيير ­ الابتزاز الذي يطرحه فريق حلفاء سوريا، وإذا أخذ في الاعتبار ان خيار الشروع في انتخاب رئيس جديد من قبل الأكثرية النيابية ينطوي على مجازفة وعلى مخاطر، يبقى أمام فريق 14 آذار خياران واقعيان: الأول هو محاولة التوصل الى توافق حول رئيس من 14 آذار مدعّم بالتوافقات حول البنود الأخرى من جدول الحوار الوطني، والثاني هو الرد على محاولة فريق حلفاء سوريا كسب الوقت، بسياسة الوقت أيضاً.. لكن.
ان "سياسة الوقت" ليس من وظائفها جعل مسألة رئاسة الجمهورية "ثانوية" في المدى المباشر فقط، لكنها تقتضي ملء الوقت بـ"معركة سياسية" على عدة جبهات. الجبهة الأولى هي جبهة الحكومة بما هي حكومة الأكثرية في نهاية المطاف، اي إعادة الاعتبار لدور الحكومة على صعيد كافة الملفات، وأن تتخذ الحكومة القرارات التي من شأنها أن تمكّنها من ممارسة سلطتها. و"الجبهة" الثانية هي جبهة متابعة القرارات التي اتخذها مؤتمر الحوار الوطني. والجبهة الثالثة هي جبهة إشهار القرار 1559 في وجه بقاء لحود في الرئاسة. والجبهة الرابعة هي جبهة التحرك الخارجي عربياً ودولياً لاكتساب مزيد من الدعم في هذين المجالين. والجبهة الخامسة هي جبهة شعب 14 آذار، أي مخاطبته بما يحصل.
وتزداد أهمية المعركة السياسية على الجبهات الخمس، في ظل الهجوم المعاكس الذي يشنّه النظام السوري وحلفاؤه وأدواته في لبنان، لأن من شأن هذه المعركة السياسية أن توضح حقيقة ان هذا الهجوم المعاكس ليس دليل راحة سورية بل هو عنوان قلق سوري في وقت لم يتغير شيء من المعطيات الضاغطة على النظام في سوريا.
خطأ الالتزام بمواعيد
وبكلام آخر، سيكون من الخطأ، هذه المرة أكثر من أي مرة سابقة ان يحدد فريق 14 آذار مواعيد لحصول استحقاقات معينة، أي أن يلزم نفسه بمواعيد محددة. وبكلام آخر، ان ممارسة سياسة الوقت تقتضي الاقتناع بأن الوقت يمكنه أن يلعب لصالح فريق 14 آذار إذا أحسن ادارة معركته، وأساس الادارة الناجحة هو بلا شكّ وحدة موقف قوى 14 آذار".
وفي اطار الحديث عن "المعركة السياسية" من ناحية وعن سياسة الوقت من ناحية ثانية، تجدر الاشارة الى أمر في غاية الأهمية. فثمة صعيد قائم في ذاته هو الحوار "على الطاولة"، لكن هذا الصعيد لا يختصر ويجب ألا يختصر كل الأصعدة الأخرى، ولا بد لفريق 14 آذار من ديناميات في شتى المجالات السياسية والشعبية التي تقطع الطريق على هدف النظام السوري وفريق حلفائه تحقيق تآكل في صفوف 14 آذار. فالحوار "على الطاولة" صراع تفاوضي في وجه رئيسي منه،والمعركة خارج الطاولة صراعات سياسية ديموقراطية، ولا بدّ لفريق 14 آذار أن يُحسن الجمع بين "التفاوض" و"الصراع". ولعله من المفيد في هذا الظرف بالذات أن ينشأ نوع من "المنبر" الذي يستطيع أن يحلّق جمهور 14 آذار حوله. ذلك ان الجمهور لا يحضر بصفته هذه إلا في مناسبات متباعدة بين 14 شباط و14 شباط مثلاً، فيما "يُسرّح" هذا الجمهور بعد ذلك، وتعود قوى 14 آذار إلى أدوارها كل واحدة من موقعها. ولا يخفى في هذا المجال، ان "قيمة" 14 آذار انه كان "حركة" استقلالية شعبية، ولم يكن "تحركاً" لفدرالية قوى سياسية.
جنبلاط..والمعركة الطويلة
منذ البداية، لم يخطئ رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط في تقدير ان المعركة طويلة.. جداً، وكل يوم يكتشف فريق 14 آذار كم كان وليد جنبلاط على صواب. معركة طي صفحة الوصاية السورية طويلة جداً فكم بالحريّ معركة بناء المستقبل. وفي خضّم هذه المعركة لا تخفى محاولات جرّ الوضع اللبناني إلى تطبيع مع النظام السوري وعلى شروط هذا النظام وأحد المظاهر في هذا المجال هو الابتزاز تحت عنوان إما بقاء لحود وإما رئيس سوري للبنان. كذلك لم تكن خافية محاولات استدراج تسوية مع النظام في دمشق في وقت يتفلت هذا النظام من تسوية مع الدول العربية ينفّذ بموجبها المطالب اللبنانية المحقّة المدعومة عربياً ودولياً.
ولم يخطئ وليد جنبلاط في حديثه عن "خارطة طريق" إلى رئاسة الجمهورية. فهو أعلن مبكّراً ان انتخاب رئيس جديد للجمهورية مع بقاء "مخلفات" الوصاية السورية، يعني عدم تحرير الرئاسة من الوصاية السورية. وقال انه غير مستعد لدفع ثمن لحود رئيساً مقيَّداً، وقال ان ذهاب لحود اليوم أو ذهابه بعد عام ونصف العام يصبحان سيّان.
لذلك، فإن الردّ على لعبة كسب الوقت التي يلعبها فريق حلفاء النظام السوري، بسياسة الوقت "المملوء" بمعركة سياسية يضع فريق 14 آذار نصب عينيه انها طويلة أولاً وانه لا يستطيع أخذ كل شيء دفعة واحدة ثانياً وان الوقت يمكن ان يلعب لصالحه ثالثاً... ان هذا هو الردّ "المنطقي". وأمام هذا الفريق الآن فرصة 25 يوماً بعد تعليق الحوار إلى 28 نيسان الجاري، كي يفتح معركة سياسية منسّقة بين أطرافه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00