8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الهجوم المعاكس في لبنان دليلُ راحة أم عنوانُ قلق؟

في المشهد اللبناني العام الراهن، يبدو من متابعة أحداث الأيام الماضية وكأنّ ثمة استئنافاً سورياً للهجوم السياسي على الوضع اللبناني.
تجلّيات الهجوم المعاكس
مظاهر هذا الهجوم السياسي السوري المتجدد لا تخفى على أحد. المظهر الأول تجلّى بـ"كلمة سر" أعطيت إلى إميل لحود كي يستأنف "حضوره" على المسرح السياسي وهذا ما حصل عبر إطلالة لحود على شاشة "الجزيرة" قبل أسبوعين، وعبر مشاركته في قمة الخرطوم بالصيغة والأداء المعروفَين.
والمظهر الثاني تجلّى بـ"كلمة السر" المعطاة إلى حلفاء سوريا كي يعاودوا التحرك لبنانياً تحت عناوين شتّى بما في ذلك استئناف الحديث عن "جبهة" هنا وعن تحرك هناك. والمظهر الثالث تمثل بـ"كلمة سر" جعلت هؤلاء "الحلفاء" و"الموالين" يطرحون تغيير الأولويات للانتقال من أولوية التغيير الرئاسي إلى أولوية التغيير الحكومي وأولوية إجراء انتخابات نيابية مبكرة. أما المظهر الرابع فقد عبّر عنه وعكسَه النظام السوري نفسه بمواقفه الرافضة لمجموعة من المطالب اللبنانية لا سيما مطلب تثبيت لبنانية مزارع شبعا بالحجج السورية المعروفة.
إذاً لا جدال في أن اللحظة السياسية اللبنانية الراهنة تشهد هجوماً معاكساً من قبل النظام السوري مباشرة أو عبر "الحلفاء". بيد أنه وانطلاقاً من ملاحظة هذه "الواقعة" ـ أي الهجوم السوري المعاكس ـ ثمة قراءتان لهذا الهجوم ودلالاته.
القراءة الأولى: ارتياح سوري
يعتبر أصحاب القراءة الأولى ان النظام السوري في هجومه المعاكس لبنانياً، مرتاح إلى مجموعة من التطورات. التطور الأول هو انفكاك طوق العزلة العربية من حول النظام في سوريا، وذلك ما تجلّى في التحرك العربي باتجاه دمشق وفي التحرك السوري باتجاه عواصم القرار العربي، على نحو لم يكن قائماً قبل بضعة أسابيع. والتطور الثاني بحسب أصحاب هذه القراءة، هو ما يسمّونه تراجع الضغط الدولي على دمشق انطلاقاً من المعادلة الأميركية ـ الغربية التي تعلن هدف تغيير "سلوك" النظام السوري وليس تغيير النظام نفسه، الأمر الذي من شأنه أن يكون مفتوحاً على تسويات دولية ـ سورية في مرحلة ما لاحقة. والتطور الثالث من وجهة النظر هذه، يتمثل في "المأزق الأميركي" في العراق من جهة، وفي "المأزق الأميركي" في فلسطين، ما من شأنه أن يعطي النظام في سوريا "نَفَساً" متجدداً. وإضافة إلى العلاقة بين دمشق وطهران، يشير أصحاب هذه القراءة إلى ضعف في بنية فريق 14 آذار اللبناني تنتهزه دمشق وحلفاؤها في لبنان للضغط انطلاقاً من لبنان.
باختصار، يرى أصحاب القراءة الأولى هذه أن ثمة تطورات تشكل مجتمعة تحولاً أو منعطفاً بالنسبة إلى السياسة السورية، هو الأول من نوعه منذ اضطرار النظام السوري إلى الخروج من لبنان قبل نحو عام. ولذلك، فإنهم يتوقّعون أن يبقى الوضع اللبناني تحت وطأة ذلك الهجوم السوري المضاد إلى أمد غير منظور.
القراءة الثانية: قلق سوري حيال التحقيق الدولي
غير أن ثمة قراءة ثانية مختلفة جذرياً لدلالات الهجوم السوري المعاكس القائم الآن.
يعتبر أصحاب القراءة الثانية أن ثمة مجموعة من الاستحقاقات حصلت وأخرى ستحصل، تقلق النظام في دمشق، وعليه فإن الهجوم المعاكس في لبنان يعبّر عن هذا القلق ويترجمه.
الاستحقاق الأول كان القرار الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي قبل أيام قليلة بقيام محكمة دولية لمحاكمة ومعاقبة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهذا القرار يعني في جملة ما يعنيه أن المآل الأخير للتحقيق الدولي في هذه الجريمة الإرهابية هو محكمة دولية لا مساومات ولا تسويات فيها.
أما الاستحقاق الثاني فهو التقرير الذي سيقدمه رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي سيرج براميرتس بعد نحو ثلاثة أشهر من الآن متضمناً قراراً اتهامياً ظنياً ضدّ متهمين بالتخطيط والتنفيذ والمشاركة في إطار جريمة اغتيال الرئيس الحريري. وإن لم يكن براميرتس قد استمع إلى الرئيس السوري بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع، فإنه سيستمع إليهما قريباً، علماً أنه في تقريره السابق أعلن انه في خلال شهر من تاريخ التقرير (السابق) سيُقابل المسؤوليْن السوريَين. واللافت في هذا المجال هو أن النظام السوري آخذ في التراجع عن قراءته المتفائلة لـ"معنى" تقرير براميرتس وتصويره انتصاراً سورياً.
هنا، وفي هذا السياق، يلفت أصحاب القراءة الثانية إلى أمر يرونه في غاية الأهمية. فموافقة رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ومعه مؤتمر الحوار الوطني بعد ذلك على فصل التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري عن العلاقات مع سوريا، لم يطمئن النظام في دمشق. والوعد العربي لنظام دمشق بالسعي لدى اللبنانيين لتحقيق هذا الفصل، لم يقدّم ـ وقد تحقّق الفصل ـ ضمانة لدمشق. ذلك ان ما يهم النظام السوري ويعنيه هو التحقيق وليس العلاقات مع لبنان. وبمعنى آخر، فإن ما وعد به العرب سوريا غير قابل لـ"الترجمة" على مستوى المجتمع الدولي، لجهة التحقيق الذي له صعيد مستقل فعلاً.
...وحيال أزمة المشروع في العراق
بين طهران وواشنطن
والاستحقاق الثالث، هو التقرير الذي يقدّمه المبعوث الدولي لتنفيذ القرار 1559 تيري رود ـ لارسن في 19 نيسان الجاري، ويفترض أن يتضمن تحديداً لما لم يتم تنفيذه من القرار الدولي وأسباب ذلك، في وقتٍ تقع نتيجة هذا التقرير بين حدّين، فإما قرار دولي جديد وإما بيان رئاسي يعزّز المطالبة الدولية بتنفيذ ما لم ينفذ من الـ1559.
أما الاستحقاق الرابع، فهو الذي يمكن التعبير عنه بـ"أزمة المشروع السوري" في العراق، حيث "تجهد" الجمهورية الاسلامية في إيران تحت عنوان منع حصول فتنة مذهبية في العراق لاعتبارات شتّى بينها مصالحها بالدرجة الأولى، وحيث تتركّز مساعي الولايات المتحدة على الموضوع نفسه، وحيث يفرض تقاطع المصالح الإيرانية والأميركية التقاء بين طهران وواشنطن.
والاستحقاق الخامس، داخلي سوري، حيث لا يخفى ان التطورات السياسية والتنظيمية على مستوى المعارضة السورية تقلق النظام السوري وتشغله في هذه الأيام.
"الكرباج" الدولي
تحصل هذه الاستحقاقات وتتواصل، في وقت عاد "الكرباج" الدولي إلى إسماع "صوته"، سواء في الخطاب الأخير للرئيس الأميركي جورج بوش أو في اللقاء قبل بضعة أيام بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس. وبإزاء هذه الاستحقاقات جميعاً، تغدو "التطمينات" العربية لدمشق من وجهة نظر العاصمة السورية، شكليّة.
هكذا إذاً، وانطلاقاً من ملاحظة ان ثمة هجوماً سياسياً سورياً معاكساً، تبرز قراءتان لهذا "الهجوم". الأولى تُعطيه أبعاداً تشير إلى ان النظام في سوريا مرتاح حيال عدد من التطورات، فيما الثانية تضعه ـ أي تضع "الهجوم" ـ في سياق قلق النظام حيال مجموعة من نقاط الضعف "الاستراتيجية"، الأمر الذي يفسّر من وجهة نظر أصحاب القراءة الثانية عودة دمشق إلى "فكرة" التهديد بلبنان.
بيد ان القراءتين اللتين تنطلقان من نقطة واحدة هي ملاحظة وجود هجوم سياسي سوري معاكس، واللتين تختلفإن في تحليل هذا الهجوم أسباباً وسياقاً وأبعاداً، تعودان إلى الالتقاء عند النتيجة. والنتيجة هي ان "المعركة" مع التدخل السوري في لبنان ومع الضغوط السورية على لبنان، لا تزال طويلة.
تحرك أحمد جبريل
ويفتح أصحاب القراءة الثانية القوسين قليلاً لتناول التحرك الذي قام به في اليومين الماضيين الأمين العام لـ"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" أحمد جبريل باتجاه القيادات اللبنانية. وإذ يُبدون تريثاً في "الحكم" على هذا التحرك وفي تحليل كامل أبعاده وفي استخلاص النتائج، بالرغم من الايجابية الدولية المتمثلة في البحث بحدّ ذاته، فإنهم في المقابل، وانطلاقاً من العلاقة المعروفة بين جبريل والنظام في سوريا، يعتبرون أن تحركه في لبنان معلوم مسبقاً من قبل دمشق. ويسألون: هل ذلك مؤشر إلى انفتاح سوري ما إذاً؟ أم أن ثمة شيئاً ما وراء الأكمة؟. وفي "محاولة" الجواب، يميلون إلى القول أن الأمور مرهونة بنتائجها، لكن في "الظاهر" إن تحرك جبريل المعلوم من سوريا، يتناقض ومنطق الهجوم السوري المضاد القائم حالياً. وإذ يسألون: لماذا تعطي سوريا "ورقة" السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الآن؟ يميلون في جوابهم إلى القول إن الأمر ـ أي حركة جبريل ـ "قد" لا تعدو كونها في السياق الحالي للأحداث مجرّد "إشارة تنفيسية"، تحاول دمشق من خلالها مخاطبة العرب بالقول أنها تعطي العرب شيئاً ما ولا تكتفي فقط بـ"التسكير" عليهم في العناوين الأخرى.. إلا إذا كانت هذه الإشارة تعني أن للهجوم المعاكس حدوداً معينة. ويؤكدون أن الإجابة المحدّدة والأكثر وضوحاً لن تتبلور قبل أيام. وفي جميع الأحوال فإن مستقبل العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية أكثر تعقيداً، مما يقتضي تناوله في إطار محدّد قائم في ذاته.
مؤتمر الحوار
على أي حال، من الواضح ان الحوار الوطني الذي يستأنف جولته الخامسة اليوم، ينعقد في ظل هجوم سياسي سوري مضاد، الأمر الذي يجعل التفاؤل بتوصله إلى نتائج ملموسة في البندين المتبقيَين على جدول أعماله، غير ممكن، ولا سيما أن ما سبق للمؤتمر أن أقرّه لا يزال في "المهبّ السوري". غير ان ما ينبغي لقوى 14 آذار أن تحسبه جيداً هو هذا "المعطى السوري" بالتحديد، وهي ليست مطالبة بأن ترتّب على هذا "الحساب" موقفاً من المشاركة في الحوار، لكنها معنيّة بأن تقيس الفرص المتاحة أمام تقدّم الحوار في مثل الظروف القائمة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00