8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جولة الحوار الرابعة مسبوقةٌ بمواجهة عربية ـ سورية

ثمّة داخل فريق 14 آذار، وجهتا نظر رئيسيّتان حيالَ الحركة العربية المواكبة لمؤتمر الحوار الوطني، إحداهما متفائلة بإمكان أن تُعطي هذه الحركة نتائج في صالح لبنان، والثانية متشائمة بمثل هذا الاحتمال.
تنطلقُ وجهة النظر الأولى، أي المتفائلة، مِن أن نوعاً من أزمة الثقة نشأ في فترة سابقة بين فريق 14 آذار وما سمّي "المبادرات العربية". وسبب أزمة الثقة هذه، هو أن الفريق اللبناني تعامل مع المساعي العربية بوصفها هادفةً الى إعادة تعويم النظام السوري ودوره في لبنان، في الوقت الذي يخضع لتطويق دولي انطلاقاً من المسألة اللبنانية. وسببُها أيضاً في المقابل أن عدداً من العواصم العربية المعنية، اشتبه بنيّة فريق 14 آذار ككل أو بعض أطرافه الانخراط في مشروع لإسقاط النظام السوري، موحياً بذلك من خلال بعض التصريحات تارةً ومن خلال بعض المطالب تارة أخرى ومن خلال رفض الاستجابة لمطالب معيّنة تارة ثالثة.
"أزمة الثقة" السابقة
ويقول أصحاب وجهة النظر الأولى هذه أن ثمّة حساسيّةً مفرطة مِن جانب الدول العربية إزاء قلب أنظمة في المنطقة أو تغييرها، وهاجسُها في ذلك ما حصل مع العراق وفيه، وأن ثمّة لدى هذه الدول قناعةً ببقاء الأنظمة القائمة لمنع حدوث ما يضاعف مشكلة عدم الاستقرار الإقليمي. ويضيفون أن تصويباً حصلَ في الآونة الأخيرة من الجانبين العربي واللبناني أدّى الى زوال أزمة الثقة تلك. فمن الجانب العربي، جرى توضيحٌ أن المساعي العربية لا تهدف الى نقل المطالب السورية الى لبنان، بل تهدف الى سماع المطالب اللبنانية المحدّدة من سوريا، لمطالبة سوريا باحترامها وباستجابتها طالما أن هذه المطالب اللبنانية لا تستهدف النظام في دمشق.
التحقيق الدولي صعيدٌ والعلاقات بدمشق صعيد آخر
ومن الجانب اللبناني، جرى في المقابل تصويبُ المطالب. وهنا يوضح أصحاب وجهة النظر هذه أن الفريق اللبناني كان يرهنُ العلاقة بدمشق بنتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وبما أن هذا الفريق ـ أي فريق 14 آذار نفسه ـ كان ولا يزال على قناعةٍ بأن النظام في سوريا يقف وراء هذه الجريمة قراراً سياسياً وتخطيطاً وتنفيذاً، فقد عنى رهن العلاقة بنتائج التحقيق بالنسبة الى الجانب العربي، أن ثمّة ضلوعاً لبنانياً ما في مسار تغيير النظام السوري.
لذلك، وفي سبيل إقناع الجانب العربي بأن اللبنانيين غير متدخّلين في الوضع السوري، كانت موافقةُ قوى 14 آذار، لا سيما "تيار المستقبل"، على الفصل بينَ التحقيق ومساره من جهة، وبين العلاقات اللبنانية ـ السورية من جهة أخرى. فإذا كان التحقيق الدولي سيكشفُ دوراً معيناً للنظام السوري في الجريمة الإرهابية، فذلك سيجعل من نتائج التحقيق مشكلة سورية ـ دولية. وإلى ذلك تضافُ حقيقة أن المشاكل في العلاقات اللبنانية ـ السورية سابقةٌ على جريمة اغتيال الرئيس الحريري وتاليةٌ عليها، وهي على قدر لا يستهان به من التشعّب. وبهذا المعنى، فإن ترك التحقيق الدولي لمساره المقرّر له وفقاً للقرارات الدولية، لا يعدّ تراجعاً من جانب 14 آذار، في الوقت الذي يسمحُ ذلك بإيجاد مساحة تلاقٍ لبناني ـ عربي، خصوصاً أن الدول العربية المعنيّة بالمساعي تؤكد التزامها بدعم التحقيق ونتائجها.
المطالب لبنانية تساعد الجانب العربي
ويلفتُ أصحاب وجهة النظر الأولى الى أن المقررات التي اتخذها مؤتمر الحوار في نهاية جولته الثانية، وتلك التي يفترض أن يتخذها في جولته أو جولاته اللاحقة، تعكسُ ـ أي المقررات ـ مطالب لبنانية بحتة تضع النظام في دمشق أمام اختبار مدى جديّته في معالجة الأزمة مع لبنان، على قاعدة تنفيذ مطالب لبنانية محقّة، تعبّر عن سيادة لبنان.
فعندما يطالب مؤتمر الحوار بإنهاء مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، فهو بالاستناد الى مرجعية الطائف، يتّخذ موقفاً من "ظاهرة" استمرّت بعد اتفاق الطائف وحتى اليوم، تشكّل خرقاً لسيادة الدولة اللبنانية ولمبدأ وجود الدولة في حدّ ذاته. وإذ يطالب مؤتمر الحوار بذلك، فلا يخفى أن دمشق مخاطبةٌ بهذا المطلب، كونها الجهة الراعية للسلاح خارج المخيّمات. إذاً، في هذا المطلب، من الواضح أن سوريا متدخّلة في لبنان وليس العكس.
كذلك، فعندما يطالب مؤتمر الحوار اللبناني بعلاقات نديّة بين لبنان وسوريا على مستوى السفارات، فإنه يعلن حقاً لبنانياً مؤكداً، في أن يكون ثمة اعتراف سوري نهائي بـ"كيانه" من ناحية وفي أن تقوم العلاقة بين الجانبين من دولة الى دولة من ناحية ثانية. ويسري الحكم نفسه على المطالبة اللبنانية بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا وضبطها، بما في ذلك ترسيم حدود مزارع شبعا بما يمكن لبنان من استعادة هذه المنطقة الى السيادة اللبنانية، وفي أدنى الأحوال وضع المقاومة تحت سقف الدولة اللبنانية والشرعية الدولية.
أما مطلب التغيير الرئاسي، فمما لا شك فيه أنه مطلب سيادي وديموقراطي لبناني بامتياز، وليس لأي دولة من خارج الحدود أن تفرض على لبنان رئيسه أو أن تمنعه من تغيير رئيسه.
باختصار، تعتبر وجهة النظر الأولى أن تطوراً بارزاً طرأ لجهة إعادة تقديم المطالب اللبنانية، وأن تطوراً بارازاً حصل على صعيد النظرة المتبادلة بين فريق 14 آذار والجانب العربي، وأن هذين التطورين يسمحان بالاعتقاد أن للمساعي العربية على أساس ما قرره مؤتمرالحوار اللبناني، فرصة كي تضغط على سوريا بمطالب لبنانية صرفة، لا بل يتوقع أصحاب وجهة النظر هذه أن تزداد وتيرة الضغوط العربية على دمشق، تماماً من زاوية أن ما يطرحه اللبنانيون شأن لبناني ينبغي لسوريا أن تتجاوب معه.
وجهة نظر أخرى: العرب وعلاقة الخوف بينهم وبين وسوريا
بيدَ أن ثمة وجهة نظر ثانية لا تشاطر الأولى تفاؤلها.
ويرى أصحاب وجهة النظر هذه، ومن بينهم رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الى حد كبير، أن في وجهة النظر الأولى المتفائلة، تبسيطاً في جوانب عدة.
يقولون أن وجهة النظر الأولى مبنية على فرضية أن النظام السوري على قدر من الضعف، أو أنه يرى نفسه ضعيفاً. ويعتبرون أن هذه الفرضية في غير محلها، في وقت يستقوي النظام السوري بالنظام الايراني، وبالتطورات على غير صعيد، لا سيما في العراق.
ويقولون أن وجهة النظر الأولى تبني أيضاً على فرضية وجود نوع من "التكافؤ" بين العرب من جهة والنظام في سوريا من جهة أخرى. والحال، في رأي أصحاب وجهة النظر الثانية أن ثمة علاقة خوف تحكم التعاطي العربي مع النظام السوري لأن هذا الأخير كان ولا يزال يملك وسائل تخويف العرب بما في ذلك أدوات الترهيب ووسائله.
النظام السوري يتمسك بأسلحته في لبنان
ويقولون أن ثمة تبسيطاً في الاعتقاد أن المطالب وقد باتت "لبنانية" صرفة أصبحت سهلة أو أن قبول النظام السوري بها بات ممكناً. ويعتبرون أنه بقدر ما تبدو هذه المطالب اللبنانية "محقة" أو "طبيعية"، فإنها تعاكس على طول الخط نظرة النظام في دمشق الى لبنان وتعاطيه معه، وهي إن تحققت تعني "فصل" التأثير السوري عن لبنان، ولذلك، فإن التوقع يجب أن يكون مختلفاً أي أن يواجه النظام السوري هذه المطالب.
ويقولون أخيراً أن ثمة تبسيطاً في الاعتقاد أن النظام السوري سيبدي حيال المطلب اللبناني بإجراء تغيير رئاسي، استعداداً للتخلي عن إميل لحود. ويوضحون أنهم ـ أي أصحاب وجهة النظر الثانية ـ ما زالوا يستبعدون تخلي نظام بشار الأسد عن إميل لحود، لكن على افتراض أن هكذا استعداد بدر بالفعل، فإن التنازل السوري عن لحود لن يكون بلا ثمن.. والثمن هو الاحتفاظ بسلاح "حزب الله" والسلاح الفلسطيني.. وبـ"سلاح" عدم تحديد لبنانية مزارع شبعا.
ومن نافل القول أن أصحاب وجهة النظر الثانية هذه يميلون الى الاعتقاد أن مؤتمر الحوار الوطني إذا كان يبني على فرضيات من النوع الذي سبق ذكره، فإنه سوف يفشل، كما يميلون الى الاعتقاد أن بقاء النظام السوري من ناحية وشعوره بـ"قوة" ما من ناحية ثانية، يجعلان معركة إنجاز المسار الاستقلالي الديموقراطي اللبناني، معركة صعبة وطويلة، وأن لا بديل من مزيد من الضغوط العربية والدولية على دمشق.
ويؤكد أصحاب وجهة النظر الثانية تمسكهم بقناعاتهم على الرغم من "المواجهة" العربيّة ـ السوريّة خلال الأيام الماضية، والتي حصلت على خلفيّة المواقف السورية "الاستفزازية" سواء الإعلان عن أن دمشق نفّذت ما يتعلّق بها من القرار 1559 أو إعلان أن على لبنان تثبيت لبنانية مزارع شبعا، وليس لسوريا أي مسؤولية في هذا المجال.
المسافة طويلة
هكذا إذاً يستأنف مؤتمر الحوار جولته الرابعة اليوم، عشية قمة عربية من الواضح أنها لن تكون مساحة لبحث الوضع اللبناني، في غياب أركان المعادلة العربية، لا سيما المملكة العربية السعودية ومصر، وفي وقتٍ لا يبدو أن المساعي العربية مع سوريا نجحت، بل انتقلت الى نوع من "المواجهة".
بيدَ أن المؤتمر يستأنف جولاته اليوم، في وقتٍ لا قراءة موحّدة لدى جميع الأطراف لآفاق المساعي العربية. فإذا كان صحيحاً ـ وهو صحيح ـ أن صياغة المطالب اللبنانية تُسلّح الموقف العربي، وإذا كان صحيحاً ـ وهو صحيح أيضاً ـ أن طريقة تقديم اللبنانيين لمطالبهم تجعل العرب أكثر استعداداً لمناصرتها، فلا شك أن الأوضاع لا تزال تنبئ بأن المسافة الى الإنجاز لا تزال طويلة. وأكثر من ذلك، يبدو ملحاً جداً القول أن السعي العربي كي يُثمر، يحتاج الى سقف دولي أكثر ارتفاعاً مما هو عليه الآن. فغنيّ عن القول في هذا المجال أن الموقف العربي انتقل من حالة تخلّف إزاء الموقف الدولي، الى حالة مواكبة للموقف الدولي، والموقفان بحاجة الى الارتفاع مجدداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00