كان مؤتمر الحوار الوطني حتى نهاية جولته الثانية الأسبوع الماضي محاطاً بآمال كبيرة لجهة أن يتمكن المتحاورون من إنتاج حلول للأزمة السياسية بما يؤدي إلى نقل لبنان إلى مرحلة جديدة. وبالفعل، فقد أتت المقررات التي أعلنها الرئيس نبيه بري حول البنود التي تم التوافق عليها لتزيد الآمال بالحوار ونتائجه في جولاته التالية.
أما لماذا كانت الآمال كبيرة، فذلك يعود إلى اعتبارات عديدة.
الاعتبار الأول من دون شك هو ان الدعوة إلى الحوار من قبل الرئيس بري من جهة وتلبية هذه الدعوة من جانب الفرقاء السياسيين لا سيما فريق 14 آذار من جهة اخرى، جاءتا ـ أي الدعوة وتلبيتها ـ نتيجة لوصول الأزمة إلى ذروتها، وعكستا وعياً من الأطراف لضرورة الخروج منها بتسويات مناسبة للمرحلة، أي تسويات تنقل لبنان فعلاً من مرحلة الوصاية السورية وبقاياها إلى مرحلة الاستقلال، من مرحلة القفز من فوق اتفاق الطائف إلى مرحلة تطبيقه، من مرحلة وضع لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي إلى مرحلة التصالح مع الشرعية الدولية الخ..
رئاسة الجمهورية والقرار 1559
ولا شك ان الاعتبار الثاني الذي يكمّل ما سبقه، هو ان الحوار الذي انعقدت طاولته في ساحة النجمة، كان من الطبيعي أن يلتئم حول عنوان رئيسي من جملة العناوين الرئيسية الاخرى لكن في مقدمتها، هو عنوان "معالجة" موضوع رئاسة الجمهورية. وللتذكير هنا فإن الرئيس بري كان قبل 2 آذار يرد على مطالبة قوى 14 آذار بادراج رئاسة الجمهورية بنداً أول على طاولة الحوار، بأن رئاسة الجمهورية متضمنة في القرار 1559 المطروح هو نفسه على الحوار أصلاً. وللتذكير أيضاً فإن القرار 1559 الذي ينصّ على انتخابات رئاسية حرة ووفق الدستور، لا يتكلم عن المؤسسات الدستورية الاخرى، لا بل ان المواقف الدولية الاخرى التي تلت القرار 1559 تشيد بالانتخابات النيابية كما تشيد بالحكومة.
إذاً، ان الاعتبار الثاني، هو ان جدول أعمال مؤتمر الحوار لا يدع مجالاً للشك في ان رئاسة الجمهورية هي الموضوع الذي يجب بحثه و"معالجته" وان الاتفاق على ذلك وقد حصل قبل الدخول إلى قاعة الحوار، قد عزل إميل لحود بجعله "حالة قيد المعالجة"، وهو ـ أي لحود ـ كان حاضراً في المؤتمر بهذه الصفة وليس بوصفه رئيساً ستؤول اليه المعطيات مجدّداً.
"التلبنن" وإشارات "حزب الله"
أما الاعتبار الثالث، من جملة الاعتبارات التي جعلت الآمال كبيرة في نجاح مؤتمر الحوار، فهو ان هذا المؤتمر أتى ليشكّل اختباراً لقدرة الفرقاء اللبنانيين على "التلبنن"، أي انه وبصرف النظر عن الشعارات ومنها شعار انه "مؤتمر صنع في لبنان"، كان هذا المؤتمر ليشكل فرصة "تلبنن"، لا سيما بالنسبة إلى "حزب الله".
وواقع الأمر انه وبغضّ النظر عن الخلافات بين "حزب الله" وعدد من الفرقاء، عشية مؤتمر الحوار، فقد أعطى الحزب على الطاولة إشارات مهمة كانت موضع تقويم إيجابي من قبل العديد من المشاركين داخل المؤتمر ومن المراقبين خارجه.
فقد حضر الحزب بقائده السيد حسن نصرالله. و"ارتضى" السيد حسن الجلوس إلى الطاولة بـ"التساوي" مع فرقاء لبنانيين آخرين، لا امتياز له ولا خصوصية. ودخل في حوار مع الآخرين أظهر من خلاله سعة صدر وقدرة على النقاش وعلى الصبر في النقاش.
وقبل حواراً من دون مقدّسات أو محرّمات مدركاً أن لا سبيل غير التسويات. وفي موضوع مزارع شبعا الذي يشكّل بالفعل محكاً لـ"التلبنن" وافق الحزب على مبدأ "تثبيت لبنانية مزارع شبعا وتحديدها"، ووافق على مبدأ ان سوريا مخاطبة بالضرورة في موضوع تثبيت لبنانية المزارع. وغنيّ عن القول ان موضوع مزارع شبعا كان محكاً لـ"التلبنن" على اعتبار ان "لبننة المزارع" تبقي المقاومة في النطاق اللبناني.
إذاً، حتى انتهاء الجولة الثانية من الحوار الوطني، أعطى "حزب الله" وأمينه العام السيّد حسن نصرالله إشارات مهمّة إلى الانخراط في "التلبنن". ولم يعُد سرّاً ان اللقاءين اللذين عقدا بين نصرالله ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ساهما في بلورة التسويات، لا سيما منها التسوية حول المزارع. ولم يعُد سرّاً أيضاً ان الرجلين بحثا مسيرة مؤتمر الحوار من ألفها إلى يائها، أي كيف يجب أن تبدأ وكيف يمكن أن تنتهي، وبحثا في هذا الإطار مسألة رئاسة الجمهورية.. وصولاً إلى إقرار الجميع على الطاولة بأن أزمة الحكم هي أزمة رئاسة الجمهورية، طالما ان هذا الموضوع أخضع للحوار من ضمن بنود القرار 1559.
الحزب دخل الحكومة في آذار وليس في تموز!
في تعليق لأحد السياسيين المخضرمين على موافقة "حزب الله" على البنود الأربعة التي أذاعها رئيس مجلس النواب، أي الحقيقة ومتفرعاتها، السلاح الفلسطيني، العلاقات اللبنانية ـ السورية ومزارع شبعا، قال هذا السياسي المخضرم: يبدو ان "حزب الله" لم يكن في الحكومة منذ تموز الماضي بل دخل الى الحكومة في آذار في اشارة من هذا السياسيّ الى ان ما وافق الحزب عليه لا يعدو كونه قرارات سبق لمجلس الوزراء أن اتخذها. فردّ سياسي آخر بالقول: ومع ذلك، فإن موافقات نصرالله جيّدة وتزخّم مؤتمر الحوار نفسه، لا بل تعزّز "المعنى" اللبناني لهذا المؤتمر.
الأسد بين الجولتين الأولى والثانية
ولحود قبل الثالثة
غير ان الأمور أخذت في الأيام الماضية بعد انتهاء الجولة الثانية وعشيّة الجولة الثالثة، منحى آخر.
في الفترة الفاصلة بين تعليق الجولة الأولى وانعقاد الجولة الثانية، خرج الرئيس السوري بشار الأسد على اللبنانيين، محاولاً من خلال كلمته أمام المسمّى "مؤتمر الأحزاب العربية" التأثير في مجريات الحوار وعناوينه، فتحدث عن حلفاء على الطاولة في مقابل مجموعة تضلّ "الوعي الوطني والقومي"، وأعاد استحضار إميل لحود متحدثاً عمّا سمّاه المؤامرة التي تستهدف سوريا عبر استهداف لحود.
لم يكن "المعطى السوري" غائباً عن أذهان الفرقاء على طاولة الحوار، لا سيما فريق 14 آذار، بما هو معطى "تعطيلي"، فجاء الأسد يذكّر بذلك بـ"فجاجة". ومع هذا، واصل فريق 14 آذار إعطاء الفرصة لمؤتمر الحوار، ولم يطلب إدانة هذا التدخل السوري السافر.
يوم السبت الماضي، وفي الفترة الفاصلة بين الجولتين الثانية والثالثة، خرج إميل لحود على اللبنانيين عبر قناة "الجزيرة" يؤكد لهم انه باقٍ في الرئاسة، مزوّراً الوقائع التاريخية. وليس خافياً هنا، ان اطلالة لحود تشبه إطلالة الأسد تلك، وهدفها التعطيل. وليس خافياً أيضاً، وبالمعلومات، ان ظهور لحود جاء بتنظيم مخابراتي سوري تولاّه الضابط السوري آصف شوكت.
دفاع "حزب الله" عن "حامي المقاومة"
والعونيين عن صراحة لحود
غداة ذلك الشريط التلفزيوني، انبرى "حزب الله" من جهة و"التيار العوني" من جهة ثانية للدفاع عن لحود. لا يمكنُ إقناع أحد بأن أمر عمليات سورياً لم يصدر في هذا الموضوع. استفاض قادة من "حزب الله" في الحديث عن "لحود حامي المقاومة"، وفي إعلان رفض إزاحته "كرمى لعيون" الفريق المطالب بتنحية لحود كما قال أحد مسؤولي الحزب. حتى السيّد نصرالله الذي لم يتحدث مطوّلاً في خطبته أول من أمس عن رئاسة الجمهورية، أشار مع ذلك إلِى ان معيار البحث فيها هو "المصلحة الوطنية".
كان "التيار العوني" أكثر "حميمية" في الدفاع عن لحود وفي شكره على "وضع النقاط على الحروف" (!)، وفي الإشادة بـ"المؤسسة العسكرية التي دافعت عن الديموقراطية". وكما زايد لحود في موضوع سلاح المقاومة وربطه بنهاية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، زايد "التيار" في الموضوع نفسه، متسائلاً عن الضمانات التي يجب أن تعطى لحزب الله بعد ما جرى في أريحا.
اتفق الجانبان ـ "حزب الله" و"التيار العوني" ـ على أن لا مشكلة في رئاسة الجمهورية. واتفقا على ان أزمة الحكم "عمومية" ولا تخصّ رئاسة الجمهورية. واتفقا على التلويح بانتخابات نيابية مبكّرة.
أسئلة إلى نصرالله
ان ما استعرضه الجانبان من مواقف في الأيام الماضية يعني تناغماً ليس فقط مع لحود بل مع "التعطيل السوري" السافر. بيد ان ما لم يشرحه نصرالله هو الآتي: أين "المصلحة الوطنية" في بقاء لحود في الرئاسة في وقت يشكّل بقاؤه أزمة في البلد؟
أين الحد الفاصل بين البقاء في أسر الدفاع عن لحود لحسابات لا علاقة لها بالوضع اللبناني وبين الانفتاح على ما يدعو إليه الآخرون؟
لماذا هذا التراجع في الموضوع الرئاسي بخلاف ما كان يدور في اللقاءات المغلقة وشبه العلنية؟. كيف يلائم بين الحرص على وحدة الموقف الاسلامي وبين الوقوف على ضفة مقابلة تماماً لفريق إسلامي واسع في ما يتعلق برئاسة الجمهورية تحديداً، خصوصاً ان هذا الفريق الاسلامي الواسع ـ أي تيار "المستقبل" ـ التزم بما تم الاتفاق عليه في العناوين الاخرى؟ ألا يعتبر "حزب الله" ان الضمانة هي في ما ينتجه اللبنانيون من توافق وليست في لحود أو عبر الحدود؟
"التيار" و"التكرار"
لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء في تفسير مواقف "التيار العوني". ففي التجربة التاريخية، يقرأ العديد من المتابعين ان موقف العماد ميشال عون من اتفاق الطائف أدى إلى تمديد النفوذ السوري في لبنان نحو خمسة عشر عاماً، لانه بعدم انضمامه إلى الطائف في العام 1989، لم يقرأ المعطيات المحلية والخارجية التي كانت "تشي" باتفاق سوري ـ أميركي آنذاك من مدخل حرب الخليج الثانية. وها هو اليوم بدفاعه عن لحود وتمسّكه به، انما يمدّد للتدخل السوري مرة ثانية.
أما "حزب الله" الذي دافع عن لحود في اليومين الماضيين، فإنه يعلن عملياً انه لا يكمل اختبار "التلبنن".
ومعنى ذلك، ان مؤتمر الحوار الوطني الذي بدأ بلا لحود، لا بل بدأ على أساس أن لحود مشكلة يجب حلها، انما يستأنف جولته الثالثة اليوم بحضور لحود، أي بحضور المدافعين عنه، وذلك يعني ان المؤتمر سيأخذ مساراً مختلفاً ليس هو المسار المتفق عليه. ومن يتحمّل المسؤولية في ذلك هم الذين يعيدون لحود إلى الطاولة ويمدّدون للوصاية السورية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.