من نافل القول ان لشريط اميل لحود المتلفز على شاشة قناة "الجزيرة" مساء أول من أمس، دلالات ووظائف سياسية.
فعندما يخرج إميل لحود الى العلن في الفترة الفاصلة بين جولتين للحوار الوطني، إحداهما انتهت الى اعتبار ان رئاسة الجمهورية في وضعها القائم تشكّل المصدر الرئيسي لأزمة الحكم، والثانية يفترض أن تعالج أزمة الحكم هذه من مدخل البتّ بضرورة حصول تغيير رئاسي، فمعنى ذلك أن لحود، الذي يمثل تاريخياً أداة سورية، إنما ينفذ ـ بإطلالته التلفزيونية ـ مهمة أوكلها النظام السوري إليه، مهمة الإعلان عن أن هذا النظام لم يمشِ بعد في عملية استبدال لحود.. أي أن النظام في سوريا يدخل بواسطة إميل لحود على خط الجولة الثالثة من الحوار الوطني بعد غد الأربعاء ليعلن أن موافقته على استبدال لحود غير حاصلة. ذلك أنه من المستحيل تصور إقدام إميل لحود على "التمرّد" ضد صفقة تدخل سوريا فيها لو كانت هذه الصفقة تمت بالفعل.
رسالة سورية: إما تعويق للتغيير الرئاسي وإما رفع لسعر لحود
إذاً، من المنطقي تماماً استنتاج أن الجولة الثالثة من الحوار تنعقد على ايقاع رسالة سورية عبر لحود، تفيد ان التغيير الرئاسي المنشود لا تزال دونه عقبات كثيرة ولا يزال مشواره طويلاً. وهذا الأمر الذي لا بد من أخذه في الاعتبار، يعني أولاً أن ما سمي مساع عربية باتجاه دمشق إما انها لم تحصل حتى الآن وإما أنها لم تعط ثمارها، وذلك على قاعدة أن الجهات العربية المعنية بالمساعي يفترض أن تؤازر المطلب اللبناني بإنهاء ولاية إميل لحود باعتباره المدخل إلى حل الأزمة في لبنان، وأن تطالب النظام السوري تالياً بوقف مساندته لبقاء لحود. غير أن الأمر نفسه يعني ثانياً أن النظام السوري يشترط ـ على ما يبدو ـ لتخليه عن لحود في "الوقت المناسب" أن يكون للبنان رئيس سوري ـ أي موال لسوريا ـ في حال اقتضي الأمر التخلي عن لحود.
وعليه، فإن الشريط المتلفز لإميل لحود يغدو رسالة تعقيد سورية بأحد اتجاهين: فإما محاولة لتعويق عملية التغيير الرئاسي مهما كلف الأمر، وإما محاولة لـ"رفع سعر" لحود.
ليس دقيقاً إذاً التعاطي مع شريط لحود بوصفه "النَزْع الأخير" لرئيس التمديد، وإن كان مصيره قيد التفاوض على غير صعيد محلي وعربي ودولي. ولذلك، من الطبيعي توقُّع أن يكون مؤتمر الحوار الوطني في جولته الثالثة الأربعاء أمام مشكلة حقيقية في هذا المجال.
الجولة الثالثة والمشكلة ومقاربة بري
فالبرغم من الإجماع في الجولتين السابقتين على الاعتراف بالتلازم بين "أزمة الحكم" و"رئاسة الجمهورية"، فقد برزت خلال الأيام الماضية منذ أن تم رفع الجلسات الى الأسبوع المقبل، مواقف تؤشر الى المشكلة التي ستكون موجودة على الطاولة.
فرئيس مجلس النواب نبيه بري، الأوضح من خارج فريق 14 آذار في موافقته على التغيير الرئاسي وفي تفسيره للقرار الذي اتخذه مؤتمر الحوار باعتبار رئاسة الجمهورية ملازمة لأزمة الحكم، يعتبر كما صارح "المستقبل" بذلك أن التغيير الرئاسي لا يزال يحتاج الى إنضاج، ويرى أن الإنضاج لا بد أن يتم عربياً. وأكثر من ذلك، فان الرئيس بري لا يخفي تفضيله ان يكون التغيير الرئاسي بعد استقالة من لحود تطلبها دمشق منه وليس بواسطة تعديل دستوري يقود الى تقصير ولاية الرئيس الممدد له.. إلا إذا كان الإخراج الثاني نتيجة لتفاهمات عربية ـ عربية وعربية ـ سورية. وفي الوقت نفسه، ليس خافياً أن بري المقيم "الآن" على تقاطعات عربية عدة، يعتبر أن "الشغل في السليم" هو الخيار الأفضل والأسهل والأقل كلفة للبنان. و"الشغل في السليم" بالنسبة اليه، لا يعني فقط انتظار توافق عربي ـ سوري بمواكبة دولية، بل يعني أيضاً عدم الممانعة في رئيس جديد تكون لدمشق "حصة" فيه، إذا كان من شأن ذلك توفير السلامة. ومن هنا، يبدو واضحاً أن بري مع اعتماد "النَّفَس الطويل" وتمديد جلسات المؤتمر الوطني حتى نضوج "الطبخة" خارجياً.
"حزب الله" بين لحود وعون
في هذه الأثناء، وبالرغم من مشاركته في القرار الذي أنتجه المؤتمر الوطني حول رئاسة الجمهورية، فإن "حزب الله" لا يفسّر القرار المذكور على انه حسم بضرورة التغيير الرئاسي. وأكثر من ذلك، كان "حزب الله" خلال الأيام الماضية، الطرف الوحيد من بين الأطراف المشاركة في المؤتمر، الذي زار إميل لحود في بعبدا وعرض معه ما تم في الحوار. وتراوح موقفه العلني بين اعتبار أن الرئاسة قائمة ولا مشكلة فيها، وبين دعم ترشيح رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون إلى الرئاسة واعتباره مرشح التوافق.
وإذا كان يبدو ان "حزب الله" يغلق البحث في التغيير الرئاسي، فإنه في المقابل يضع شروطاً ـ ضمنية تارة ومعلنة تارة اخرى ـ على هذا التغيير، منها ما هو على إيقاع إقليمي ـ سوري بالدرجة الأولى ـ ومنها ما هو هادف إلى تحسين شروط مشاركته في اختيار البديل، ومنها ما يقع بشكل أو بآخر في خانة الحؤول دون وصول مرشح من 14 آذار إلى رئاسة الجمهورية.
عون: الحل أنا وأنا الحل
أما العماد عون، فقد بادر خلال الأيام الماضية إلى "ترجمة" القرار الذي اتخذه المؤتمر بشأن أزمة الحكم ورئاسة الجمهورية بالقول أن القرار لا يعني الرئاسة بل يعني "كل" المؤسسات الدستورية. ولا يخفى أن عون الذي وصفه تياره بأنه "الحل" لا يزال على موقفه الذي يحجز التغيير الرئاسي، وهو "يراهن" على أن يشقّ له الموقف السوري الطريق إلى بعبدا، وعلى موقف "حزب الله" الذي يدعمه، وهو يرفض الافراج عن بعبدا ما لم يكن هو البديل.
ثمة ثلاثة أطراف على الطاولة إذاً لا تزال تحجز التغيير الرئاسي، كل منها لحساب ما واعتبار ما: الرئيس بري وحركة "أمل" من منطلق "الرهان" على تسوية عربية ـ سورية ـ دولية لا بد من إعطائها فرصة للتبلور، السيد حسن نصرالله و"حزب الله" من منطلق زيادة الأوراق التفاوضية بين يديه، فها هو لحود بمزايداته في موضوع سلاح المقاومة وبربطه هذا السلاح بانتهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي، "يتلطى" وراء الحزب و"يعطيه" ورقة على الطاولة، وها هو عون أيضاً يمترس وراءه.. اما الطرف الثالث فهو عون نفسه الذي يرهن التغيير الرئاسي بالاتفاق عليه بديلاً.
قوى 14 آذار: التغيير الرئاسي مقياس النجاح
وعلى هذا الأساس، يصح القول أن استمرار المواقف على حالها من جهة وعدم حصول تقدم في المساعي العربية من جهة ثانية، يجعلان الجولة الثالثة الاربعاء المقبل أمام مأزق في المسألة الرئاسية.
فقوى 14 آذار التي شاركت في مؤتمر الحوار الوطني اعتبرت منذ البداية ان محك نجاح هذا المؤتمر هو حسم التغيير الرئاسي، وهي لا تزال تعتبر أن استقالة لحود أو إقالته هما الحل للأزمة القائمة. وكانت قوى 14 آذار ولا تزال تعتبر أن التسليم من قبل المتحاورين بأن رئاسة الجمهورية الحالية مشكلة، يُفترض أن يُترجم شروعاً في عملية التغيير.
وفي هذا المضمار اقترحت قوى 14 آذار كما صار معروفاً صيغتين: إما الاتفاق على تنحية لحود وإعلان هذا الاتفاق، بحيث تليه مفاوضات حول البديل، وقد رُفضت هذه الصيغة من قبل الأطراف الثلاثة بري ونصرالله وعون، وإما الاتفاق على تنحية لحود مقترناً بلائحة أسماء يتم الاتفاق على اختيار الرئيس الجديد من بينها، ومن الطبيعي أن يرفض عون ذلك لانه يريد اسمه وحيداً، فيما تعتبر قوى 14 آذار أن عون هو أحد الأسماء وليس الاسم الوحيد. ويميل بري إلى الرفض للاعتبارات المشار اليها في حيثيات موقفه، كما يميل "حزب الله" إلى الرفض أيضاً لمزيد من "التحكم" بمجريات التغيير الرئاسي.
مسؤولية "حزب الله"
تريد قوى 14 آذار بوضوح أن يحسم موتمر الحوار الوطني الاربعاء المسألة الرئاسية. وإذا كانت ترى ان النظام السوري يمثل العقبة الرئيسية في هذا المجال، وإذا كانت تعتبر ان موقف العماد عون صار "مفهوماً" لكثرة ما باتت أسبابه معروفة ومكشوفة، فإنها وهي ذاهبة إلى الجولة الثالثة من الحوار، تحمّل طرفي الثنائية السياسية الشيعية، لا سيما "حزب الله" المسؤولية الأكبر عن أي انتكاسة لمؤتمر الحوار عند المحطة الرئاسية منه.
خطورة استخدام "الفيتو"
ذلك ان قوى 14 آذار التي وافقت من خلال مجريات الحوار على أن تكون رئاسة الجمهورية تتويجاً لتفاهم عام حول البنود المطروحة على طاولة الحوار، ووافقت على تسوية عامة في البنود المذكورة، تعتبر ان لجوء فرقاء معينين إلى استخدام "الفيتو" عند وصول البحث إلى بند رئاسة الجمهورية، خطير. هو خطير لانه يوقف مسيرة الوفاق عبر الموتمر. وهو خطير لانه يمنع بحجزه التغيير الرئاسي احتمال التوافق على الرئيس الجديد من بين عدة أسماء. وهو خطير لانه يعطّل "اللعبة الديموقراطية" في مؤسسة المجلس النيابي الذي لا يشكل مؤتمر الحوار بديلاً منه. وهو خطير، لانه قابل للتوظيف في إطار مشروع سياسي هدفه ضرب الأكثرية، وقد تكررت على ألسنة مسؤولين في تحالف "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" خلال الأيام الماضية معزوفة الذهاب إلى انتخابات مبكّرة.. حتى إن لحود احتمى بهذه المعزوفة ليعلن البقاء في بعبدا. وهو خطير لأن السير فيه يعني تكريس "حق الفيتو" في كل الأمور السياسية، وإذا حصل يمكن لأي فريق داخل 14 آذار أن يستخدم "الفيتو" في أمور اخرى، الأمر الذي من شأنه أن يؤزم العلاقات اللبنانية.
من هنا، تعتبر قوى 14 آذار ان "حزب الله" مطالب أكثر من سواه بـ"الإفراج" عن الموضوع الرئاسي. وهي بالفعل تأمل ذلك، كي يستطيع مؤتمر الحوار إنتاج موقف سياسي وعملي يُقترح على المساعي العربية، لا أن يتم انتظار المساعي العربية التي قال أصحابها انهم سيبنون على ما يتفق اللبنانيون عليه.
وهي إذ تتمسك باعتبار حسم المسألة الرئاسية محكاً لنجاح المؤتمر، تؤكد انها بإصرارها على ذلك لا تتحمّل مسؤولية إفشال الحوار بل تحمّله سلفاً الى من يعيق هذا الحسم. وفي جميع الأحوال، تعلنُ انها لا تزال تأملُ أن تكون المساعي العربية جارية على قدم وساق قبل الاربعاء لمساعدة لبنان على الخروج من الأزمة التي تشكّل رئاسة لحود وجهها الأبرز.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.