مع انتهاء المرحلة الثانية من الحوار الوطني، خرج رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط ليعلن ان "اللغة العربية غنية جداً، وغناها مفيد، وقد انتقلنا من مقولة ترسيم المزارع إلى مقولة تحديدها"، وأضاف "وفّق الله الرئيس فؤاد السنيورة في الشام".
وبالرغم من الأسلوب الذي اعتقد كثيرون انه "أسلوب ساخر" في صياغة جنبلاط لموقفه من القرار الذي اتخذه مؤتمر الحوار بالنسبة إلى مزارع شبعا، إلا ان جنبلاط أسرّ إلى من اتصل به مستفسراً عن حقيقة الموقف وهو الذي دخل إلى المؤتمر بسقف عالٍ حيال هذا الموضوع، انه مرتاح تماماً إلى هذه النتيجة.
مصطلح "التحديد" علمي وسياسي
باقتراح من الحريري و"تخييط" من برّي
وبالفعل، فقد أعرب العديد من المراقبين عن اعتقادهم ان ثمة في الخلاصة التي توصل إليها المتحاورون في هذا المجال ما يبرّر ارتياح جنبلاط ويفسّره، وان ثمة ما يفسّر لماذا يصحّ اعتبار هذه الخلاصة مخرجاً مناسباً.
يقول المراقبون ان استبدال مصطلح "ترسيم" بمصطلح "تحديد" في معرض الحديث عن "دعم الحكومة في جميع اتصالاتها لتثبيت لبنانية مزارع شبعا وتحديدها"، ليس تحايلاً لفظياً كما قال كثيرون اعتبروا إن إسقاط مصطلح "الترسيم" يهدف إلى عدم استفزاز سوريا، بل هو استبدال علمي ـ سياسي ذُكر ان رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري له يدّ فيه وأن الرئيس نبيه بري "خيّطه" في النصّ.
وشُرح الفارق بين "الترسيم" و"التحديد" قانوناً. فـ"الترسيم" يستخدم عادة في مجال الحديث عن ترسيم "خط الفصل" بين نقطة ونقطة، بين منطقة ومنطقة، بين جيش وجيش ويطلق عليه بالفرنسية مصطلح لجٍفْكفُّىَُ. اما "التحديد" فيُقصد به تعيين رقعة جغرافية معينة وحدودها ويطلق عليه بالفرنسية مصطلح لجٌىٍىُّفُّىَُ.
المزارع اللبنانية
ان الانتقال إذاً من الكلام عن "الترسيم" إلى الكلام عن "التحديد"، يعني تعيين رقعة المزارع اللبنانية في منطقة شبعا، والأهم انه يعني تحديد القسم اللبناني من مزارع شبعا، لان ثمة قسماً من هذه المزارع يتبع للجولان السوري. وعليه فإن القول ان مزارع شبعا لبنانية يعني لبنانية القسم اللبناني من هذه المزارع، والذي ينبغي تحديده.
لا شك ان القرار الذي اتخذه مؤتمر الحوار بالإجماع دعماً لجهود "تثبيت" لبنانية مزارع شبعا و"تحديدها"، إذ يشدّد في فقرة ثانية منه على المقاييس "المقبولة والمعتمدة من جانب الأمم المتحدة" لتحقيق هدفَي "التثبيت" و"التحديد"، يقع هو نفسُه ـ أي القرار ـ ضمن قواعد الأمم المتحدة. وفي هذه "القواعد" ان بتّ موضوع الحدود بين دولتين يحتاج إلى وثائق إثبات من الجانبين. وفي هذه الحال يكفي أن توقّع سوريّا رسمياً على الخرائط اللبنانية.
الكرة في الملعب السوري تحت الرقابة العربية والدولية
وعلى هذا الأساس، تكمن أهمية ما توصّل إليه المتحاورون ليس فقط في كونه أخرج المؤتمر من الحلقة المفرغة، بل في كونه وضع نتائج الحوار على هذا الصعيد ضمن "الشرعية الدولية"، والأهم انه وضع الكرة في الملعب السوري مجدّداً، لكن هذه المرة، بدعم من المجتمع الدولي و"قواعده" من ناحية وبدعم عربي من ناحية ثانية.
وعليه، فإن ما توصل إليه المتحاورون يجب أن "يرفع" إلى الأمم المتحدة سريعاً من ضمن ملف كامل ويجب أن يُحمل إلى القمة العربية طالما ان المجلس الوزاري العربي الممهد للقمة دعا إلى ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا. وذلك قبل أن يتوجه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى دمشق. ولعل ما أعلنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الأيام الماضية بشأن تطبيق القرار 1559 وحلّ مشكلة مزارع شبعا يشكّل أساساً لدعم روسي لمطلب لبنان تحديد المزارع اللبنانية، علماً ان لافروف كان التقى وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مطلع الشهر الجاري.. وعلماً ان الموقف الروسي يؤثر في الموقف السوري.
"التحديد" يعني تحديد مهمة "حزب الله" في المزارع اللبنانية
وفي ضوء ما تقدّم، أي تعيين رقعة المزارع اللبنانية وإعادة الكرة الى الملعب السوري أمام المجتمع الدولي والوضع العربي، يضاف أن ما قرّره المؤتمر، وإذا ما أخذ في الاعتبار أن سلاح المقاومة مرتبط باستكمال استعادة الأرض اللبنانية، يعني ـ أي قرار المؤتمر ـ أن مهمة المقاومة باتت محدّدة باستعادة مزارع شبعا اللبنانية، أي المزارع اللبنانية في "منطقة" شبعا، وأن مهمة المقاومة لا تعود في هذه الحالة مفتوحة على قدر انفتاح رقعة المزارع ككلّ بما ذلك ارتباط أجزاء منها بالجولان السوري. وبكلام آخر، إن انتقال المؤتمر من "الترسيم" الى "التحديد"، وعندَ الانتهاء من التحديد، يؤدّي الى حلّ "ضمني" لمسألة السلاح بربط وجود هذا السلاح بنطاق المزارع اللبنانية أو الجزء اللبناني من المزارع، الأمر الذي يدعو الى الظنّ بأن في ذلك، أي عبر السير بعملية "التحديد"، تحريراً للمقاومة من أبعاد إقليمية، ومساهمة من قبل قوى المجتمع السياسي كما من قبل المجتمع الدولي الداعم لـ"التحديد"، في لبننة "حزب الله"، أي تصعيد التلبنن لديه بربطه بمهام لبنانية.
تعيين الرقعة اللبنانية ضمن المزارع، إعادة الكرة الى الملعب السوري، تحديد مهمة السلاح ونطاقَيه الجغرافي والزمني.. كلها عناوين إيجابية تعكس الدلالات الرئيسية لقرار مؤتمر الحوار الوطني باعتماده مصطلح "التحديد".
فإذا التزم النظام السوري أمام المجتمعَين العربي والدولي أو إذا انصاع لمقتضيات القانون الدولي، وقام بتوقيع الخرائط وتحديد المزارع اللبنانية، يصبح ممكناً والحالة هذه اعتبار أن هذه المسألة ستسلك طريق الحل من ضمن الشرعية الدولية.
الاستراتيجية الدفاعية بين مفهومَين
على أن مؤتمر الحوار لم ينتقل بعد الى بحث ما سمّي "الاستراتيجية الدفاعية". فأحد البندين اللذين قال الرئيس نبيه بري أن النقاش بشأنهما سيستمر الأسبوع المقبل، يتعلق بسلاح "حزب الله". وإذا كان من المنطقي ـ كما جرى التوضيح آنفاً ـ إعتبار أن موضوع السلاح يجب أن يكون منتهياً ضمناً على الأقل، ربطاً بما تقدّم، فإن "حزب الله" يربط السلاح بما يسمّيه "استراتيجية حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية"، أي أن الحزب لا يزال يرى أن لهذا السلاح دوراً ضمن هذه "الاستراتيجية".
للزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط رأيٌ آخر. هو يعتبر أنه في جميع الأحوال، لا مبرّر ولا معنى لاستمرار وجود سلاح "مستقل" عن الدولة. ومع أنه وافق على ما توصّل إليه المؤتمر لا بل كان شريكاً في إنتاجه، فإنه على قناعة بأن مزارع شبعا اللبنانية يمكن أن تعاد الى لبنان بالديبلوماسية في لحظة دعم دولي استثنائي للبنان، وبالتالي فإن وظيفة السلاح من وجهة نظره منتهية منذ الآن.
غير أن جنبلاط وفي ما يتجاوز هذه النقطة المحدّدة والتي يرى أن "حسمَها" لن يتأخر، يعتبر أن اتفاق الهدنة للعام 1949 هو أفضل استراتيجية دفاعية للبنان، وهو ضمانة للبنان.
جنبلاط واستراتيجية اتفاق الهدنة
وينطلق في هذا المجال من قناعة بأن الاستراتيجية الدفاعية بما هي سياسة وضع جيش في مقابل جيش، أي الجيش اللبناني في مواجهة الجيش الإسرائيلي، ليست سياسة جدية أو منطقية، ولا تحمي لبنان. وبما أن هكذا استراتيجية، غير ملائمة، وبما أن بديلها أي استمرار مقاومة موازية للجيش ليس طبيعياً، لأن فيه تجزئة لسيادة الدولة ولأن فيه إبقاءً للسلاح في يد مجموعة لبنانية بعد إنجاز التحرير، ولأن اتفاق الطائف ينصّ على سيادة الدولة وكذلك القرارات الدولية، فإن الخيار الدفاعي الوحيد هو إتفاق الهدنة للعام 1949، وذلك بصرف النظر عما يمكن أن ينتجه الحوار من حلول عملية لمسألة السلاح والمقاومين.
يستعيد جنبلاط في هذا المجال ذاكرته التاريخية. فيذكّر بأن رئيس الوزراء اللبناني الراحل رشيد كرامي، بعد أيام قليلة من حرب حزيران عام 1967، أعلن ان لبنان ليس طرفاً في هذه الحرب وانه يتمسك باتفاقية الهدنة، أي ان لبنان غير معني بالقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في تشرين الثاني 1967، وليست له أرض مشمولة بالقرار 242، بما في ذلك مزارع شبعا التي احتلتها إسرائيل من سوريا في ذلك العام في سياق احتلالها للجولان.
لكن، وبما ان مؤتمر الحوار الوطني توصل إلى التفاهم المحدّد حول المزارع اللبنانية، فمعنى ذلك ان نجاح الحكومة في اتصالاتها وجهودها لـ"تثبيت" لبنانية المزارع و"تحديدها" يؤدي إلى استعادة المزارع اللبنانية بموجب قرار دولي غير ملحق بالـ242 ولا بالـ338.
نموذج فصل القوات بين سوريا وإسرائيل
ويشير جنبلاط إلى اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل في العام 1974، ويشبهه بـ"هدنة". ويلاحظ ان هذه الهدنة قائمة وراسخة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما يعني من وجهة نظره وعلى خلفية هذه التجربة السورية ـ الإسرائيلية، ان اتفاق الهدنة للعام 1949 يمكن أن يكون ضمانة فضلاً عن كونه ليس اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، إضافة إلى ان اتفاق الطائف لحظ هذه الهدنة في مندرجاته.
فرصة للديبلوماسية
في ضوء ما تقدم ذكره، يتضح ان القرار الجماعي للمتحاورين بخصوص مزارع شبعا، يحمل آفاق حل لاحدى المسائل الرئيسية الحساسة. فهو قرار جماعي للفرقاء اللبنانيين الذين انتجوه بفهم لمعانيه، وهو قرار يحظى بدعم عربي ودولي. وتبقى العقدة السورية. فإذا التزم النظام السوري عملياً بما يقوله حول لبنانية المزارع وبادر إلى المشاركة في "تحديدها"، يسلك الوضع درباً إيجابية، وإن لم يلتزم تغدو مشكلته بضلوع ثلاثة أي مع لبنان والعرب والعالم. ومن الطبيعي القول ختاماً ان قرار المؤتمر إذا كان يبدو حتى الآن أقرب إلى منطق قوى 14 آذار، فإنه ليس انتصاراً لفريق ضدّ فريق آخر، أي انه ليس انتصاراً "ضدّ" حزب الله. هو انتصار لإرادة التسوية بين المكوّنات اللبنانية في نهاية المطاف. ومن المفترض أن تأخذ الحكومة فرصتها في الاتصالات لتعود بأجوبة.. هذا هو مضمون القرار أصلاً، الذي يعطي فرصة للديبلوماسية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.