عادَ المتحاورون الى الطاولة أمس وعادت معهم مسألة مزارع شبعا المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعنوان الآخر المتعلق بالمقاومة وسلاحها. ومِن الواضح أن تحقيق تقارب في هذا الموضوع بينَ أطراف الحوار صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً، إذا بقي الفرقاء على مواقفهم المعروفة بينَ قائل أن المزارع لبنانية ولا تحتاج هويّتها الى تثبيت سوريّ حتى ولو كان القانون الدولي لا يعتبرها كذلك في هذه الحال ("حزب الله" و"أمل")، وقائل أن المزارع لبنانية لكن لبنانيتها تحتاجُ الى إجراءات من جانب سوريا كي يعترف المجتمع الدولي بهويّتها اللبنانية (معظم قوى 14 آذار)، وقائل أن المزارع سورية في عرف القانون الدولي ("اللقاء الديموقراطي" ورئيسه وليد جنبلاط).
وإذا كان واضحاً أن المواقف اللبنانية متباعدة حيال موضوع المزارع، فالواضح أيضاً أن العقدة في هذا المجال سورية. ذلك أن النظام السوري يصرّ على عدم إعطاء اللبنانيين ورقة لبنانية المزارع.
ذرائع النظام السوري لعدم إعطاء الترسيم
ففي زمن الوصاية السورية على لبنان، وعندما تمّ تحريك مزارع شبعا باتجاه الخارطة اللبنانية، وفي مواجهة الدعوات اللبنانية الى إثبات انتماء المزارع الى لبنان، قيلَ "همساً" آنذاك أن وراء رفض دمشق هذه الدعوات قطبة مخفيّة هي أن سوريا التي تطالب بترسيم حدودها مع إسرائيل في الجولان على أساس خط 4 حزيران 1967، لا تستطيع في المقابل أن ترسّم حدودها مع لبنان (في منطقة المزارع تحديداً) على أساس خط الحدود للعام 1920، على أساس أن اعتماد خط العام 1920 يؤدي الى خسارة سوريا لبحيرة طبريّا في الجولان. وقيلَ همساً أيضاً أن على اللبنانيين أن يقدّموا لسوريا "تضحية قومية". هذا مع العلم أن تلك الحجّة "القانونية" لم تقنع حينذاك معظم الفرقاء اللبنانيين الذين ظلّوا على اقتناعهم حتى اليوم بأن مسألة المزارع بمثابة "مسمار جحا" هدفه تمديد مفعول سلاح المقاومة مِن ناحية وإحكام ربط المسار اللبناني بالمسار السوري الى "ما لا نهاية" من ناحية أخرى.
إذاً، في غياب الاستعداد السوري لتسهيل استعادة مزارع شبعا الى السيادة اللبنانية، لا بل في ظلّ هذا التعقيد السوري المتعمّد للموضوع، تبدو مسألة مزارع شبعا و"مستتبعاتها" مرشّحة لأن تدور في حلقة مفرغة على طاولة الحوار. وكي لا تبقى هذه المسألة تدور في حلقة مفرغة، يقترح سياسيون استشاروا مراجع قانونية خلال فترة استراحة الحوار الأسبوع الماضي، صيغة معيّنة للخروج من المأزق.
الصيغة ـ المخرج: إحالة الملف على الأمم المتحدة
تقضي الصيغة ـ غير المضمونة ـ بأن يستكمل لبنان "مِن طرف واحد" ملفّه حول لبنانية مزارع شبعا، وبأن يحيلَه الى الأمم المتحدة، فينتظر الجواب الدولي على هذا الملف. وفي هذه الحالة، ثمّة ثلاثة احتمالات للجواب: الاحتمال الأول هو أن يوافق المجتمع الدولي على الملف اللبناني فيعمد الى قبول ضمّ المزارع الى الخارطة اللبنانية، وهذا احتمالٌ مستحيل ضمن المعطيات القانونية والسياسية الدولية، لا سيما أن المجتمع الدولي يعتبر القرار 425 المتعلّق بالأراضي اللبنانية المحتلة، منفّذاً في العام 2000. أما الاحتمال الثاني "الطبيعي" ضمن المعطيات نفسها، فهو أن ترفض الأمم المتحدة من الاساس ملفّ لبنان حول لبنانية مزارع شبعا، لأن أرضاً متنازعاً عليها بعرف القانون الدولي تتطلّب مشاركة الجهات المعنية كلها في تحديد هوية هذه الأرض.
أما الاحتمال الثالث، الذي يراهن عليه بعض السياسيين، فهو أن يأخذ المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة علماً بالملف اللبناني أولاً، وأن يأخذ على عاتقه ثانياً مطالبة دمشق بالخضوع لموجبات الترسيم.. أي بدلاً من أن تكون المسألة بين لبنان وسوريا، تصبح بين سوريا والمجتمع الدولي. طبعاً ليس معروفاً ما إذا كان سبق للمجتمع الدولي أن أخذ على عاتقه معالجة نزاعات حدودية بين الدول على هذا النحو، لأن المعروف أن هكذا نزاعات تنظُر فيها محكمة العدل الدولية، في إطار ما يسمّى التحكيم الذي يستغرق عادةً وقتاً طويلاً. بيدَ أن الرهان هنا، هو على أن يغلّب المجتمع الدولي الاعتبارات "السياسية" على الاعتبارات "القانونية" الصرفة، طالما أن دمشق تعلن أن المزارع لبنانية من دون أن تبادر الى خطوات إجرائية في هذا المجال.
في جميع الأحوال، ينطلق السياسيون هؤلاء مِن "هاجس" خروج حوار الطاولة المستديرة من الحلقة المفرغة، ليقترحوا إحالة المسألة الى نوع من "التدويل" الذي يُعطي نتائج أسرع وانتظار ما سيسفر عنه من أجوبة.
وزراء الخارجية العرب تمهيداً لقمّة الخرطوم:
ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا
وفي الإطار نفسه، يلفتُ السياسيون هؤلاء غير المتوهّمين أصلاً بأن يوافق المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة على أن يأخذ على عاتقه مهمة جلب تثبيت لبنانية المزارع من سوريا، إلى أن ثمّة عاملاً مساعداً في هذا الاتجاه برز خلال الأيام الماضية.
ففي البيان الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب، الذي مهّد للقمة العربية العادية في الخرطوم التي تنعقد نهاية آذار الجاري، وردت وتحت بند العلاقات اللبنانية ـ السورية، إشارة الى ضرورة إزالة التوتّر في هذه العلاقات، وذُكر "ترسيم الحدود بين البلدين" بوصفه واحداً من إجراءات إزالة التوتّر.
وبما أن ما يقرّره وزراء الخارجية يبحث في القمة، وبما أن موقفاً يؤيّد ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية "يمكن" أن يصدر عن قمّة الخرطوم، وبما أن "التعريب" و"التدويل" في مسألة مزارع شبعا "يمكن" أن يقدّما مخرجاً من الحلقة المفرغة داخل مؤتمر الحوار الوطني اللبناني، يرى هؤلاء السياسيون أنه يمكن للمؤتمر أن ينتهي الى قرار باستكمال ملف لبنان بخصوص مزارع شبعا وأن يرفعه الى الأمم المتحدة وإلى القمة العربية في آن. ويدعم هؤلاء وجهة نظرهم بالقول أن الدول العربية التي تعلن أنها وبناءً على ما ينتجه مؤتمر الحوار اللبناني ستحرّك مبادرة عربية، لا بد أنها (أي الدول العربية المعنيّة) ستساعد لبنان في هذا الموضوع.
انتظار الأجوبة.. وتحديد نطاق المقاومة
إن الفكرة وراء هذا الاقتراح، هي إخراج مسألة مزارع شبعا مِن المأزق داخل مؤتمر الحوار بإخراجها الى الرحاب العربية والدولية.
غير أن الأمر لا ينتهي هنا. فإذا تمّ الاتفاق على هكذا مخرج، سيكون على أطراف الحوار اللبناني انتظار الأجوبة العربية والدولية ليبنوا على الشيء مقتضاه. لكن الاتفاق بين المتحاورين، لا بد أن يشتمل على تحديد للنطاق الجغرافي لسلاح المقاومة بما هو نطاق مزارع شبعا، كي يبقى لبنان في قراراته، ضمن اتفاق الطائف من جهة وضمن الشرعية الدولية من جهة ثانية.
وإذ يصرّ السياسيون أصحاب هذا "الاجتهاد" على أن ليس ثمّة مأزق مطلق، وأن "الاحتيال" على المأزق قد يشكّل حلاً في ظرف من الظروف (إذا ارتضى المجتمع الدولي حمل هذا الملف)، فإنّهم يعتبرون أن هكذا نهاية لبند المزارع، يُفترض أن ترضي الفرقاء كافة، بمن فيهم "حزب الله".
نعيم قاسم: المقاومة ليست سلاحاً
أول من أمس، وفي معرض حملته على رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط وآخرين من فريق 14 آذار، قال نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن "المقاومة خيار وليست سلاحاً". وبصرف النظر عن كون قاسم أرفق هذه "المعادلة" باتهام جنبلاط بـ"تبديل الخيارات" باتجاه الولايات المتحدة والغرب، فإن هذه "المعادلة" يصحّ اعتبارها حلاً لموضوع السلاح، إذا شاء "حزب الله" ذلك.
فالقول إن المقاومة خيار وليست سلاحاً، يمكن "ترجمته" سياسياً، على قاعدة أن يعتمد لبنان، أي الدولة اللبنانية، خيار الاستراتيجية الدفاعية في وجه اعتداءات إسرائيل وأطماعها، فلا يعود سلاح المقاومة ـ أي سلاح "حزب الله" ـ مستقلاً عن سلاح الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية الشرعية، أي أنه يمكن لهذه "الجُملة" التي أطلقها الشيخ نعيم قاسم في سياق مهاجمة جنبلاط أن تكون "جملة مفيدة" في سياق إيجابي، سياق إنتاج حلّ لمسألة السلاح بما يحترم اتفاق الطائف والشرعية الدولية على حدّ سواء.
المزارع: محكّ "اللبنانية"
على أي حال، ومِن هذا المدخل، يطلّ عددٌ من المراقبين على موضوع أشمل يتّصل بمجمل أداء "حزب الله".
يرى عددٌ من المراقبين أن مشاركة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في جلسات مؤتمر الحوار، و"طريقة" هذه المشاركة بما تتضّمنه من أسلوب في الحوار ومِن قبول بفتح كل المواضيع، تعبّران ـ أي المشاركة و"الطريقة" ـ عن محطّة في اندراج الحزب في "الإطار اللبناني".
بيدَ أن المراقبين هؤلاء يعتبرون في الوقت نفسه أن الموقف مِن مزارع شبعا هو "محكّ رئيسي" لمدى توجّه "حزب الله" الى "اللبننة" على نحو حاسم.
فالموافقة من جانب الحزب ـ إذا حصلت وتأكدت ـ على النطاق الجغرافي المرحليّ للسلاح في مزارع شبعا، وعلى أن السلاح ليس هدفاً بذاتِه عندما يتمّ الإقرار جماعياً باعتماد استراتيجية لبنانية دفاعية في إطار الدولة، وعلى أن ما يحكُم المزارع هو ما تسفر عنه الاتصالات عربياً ودولياً طالما أن العقدة السورية غير قابلة للحلّ مع اللبنانيين.. إن هذه الموافقة من شأنها أن تسقط الاتهامات الموجهة الى "حزب الله" بأن لمقاومته وظائف إقليمية عدة سورياً وإيرانياً وفلسطينياً، وبأن لسلاحه بعداً "فوق لبناني"، وبأن هذا السلاح مبعثُ استقواء على الداخل. وفي هذه الحال، أي حال الموافقة من جانب الحزب على وضع مزارع شبعا في حدودها ضمن الشرعية الدولية، سيصحّ القول عندئذٍ أن شطراً رئيسياً من "لبنانية" الحزب قد حُسم، مع التذكير هنا بأن النقاش في "اللبنانية" ليس نقاشاً في "الجنسية" أو في "الأوراق الثبوتية"، إنما هو نقاشٌ في "هوية المشروع السياسي".
احتمال المخرج
إذاً، وفيما يستأنف مؤتمر الحوار الوطني جولاته، يمكنُ القول أن مسألة مزارع شبعا، هي أمام احتمال مخرج، كأن يوضع الملفّ في يد العرب والمجتمع الدولي، طالما أن سوريا لن تعطي اللبنانيين هذه الورقة.
والمهمّ هو أن يتوصّل المؤتمر الى اتفاقات في العناوين الرئيسية الأخرى أيضاً، على أساس أن لا يتجاوز المؤتمر حدود إمكاناته في موضوع المزارع. فالمؤكد أنه لا يستطيع أن يبتّ لبنانيّتها أو عدمها بمعزل عن رأي المجتمع الدولي، والمؤكد أنه لا يستطيع أن يبقى أسير ما يطرحه النظام السوري من إشكالات وتعقيدات.. والمؤكد أن المتحاورين لن يعدموا صيغاً لتجاوز المأزق عند هذه النقطة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.