بعد الإعلان عن تأجيل جلسات مؤتمر الحوار الوطني إلى الاثنين ا لمقبل، خرج رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ليس فقط ليطمئن اللبنانيين إلى ان الحوار سينجح، بل ليؤكد ان همّه على الطاولة هو "توحيد" ساحتي 14 و8 آذار "لنعود كما كنّا، شعباً واحداً بقرار واحد"، كما قال.
مقولة "الشعب الواحد والقرار الواحد"
وفي هذه الجملة التي نطق بها الحريري ـ للمرة الأولى بالمناسبة ـ تكمن "فلسفة" أدائه في المؤتمر. وقد فُسّرت من قبل البعض في اتجاهات مغايرة لما تعنيه بالفعل.
قال البعض ان هذه الجملة تعني إعلاناً من قبل سعد الحريري عن التمايز والخلاف بينه وبين حلفاء 14 آذار، لا سيما رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط. وقال البعض الآخر انها تعني التمهيد للافتراق عن 14 آذار. وقال البعض الثالث انها تعني تهديداً للحلفاء، ولجنبلاط تحديداً، بالفكّ عنهم. وقال البعض أخيراً ان الحريري رفع في وجه جنبلاط "نقطة نظام" مفادها انه هو زعيم الغالبية وليس غيره.
هذه التفسيرات جميعاً ليست في محلها إذا كان مطلقها ذا نيّة حسنة، وهي ذات غرضية تفكيكية للصف الواحد عندما يكون مطلقها ـ أو مطلقوها ـ في خط النظام السوري وأتباعه.
فكرة التسوية
إن ما أعلنه سعد الحريري يقصد شيئاً واحداً هو انه ساعٍ من خلال مؤتمر الحوار إلى تسوية، وهو عندما يقول ان المؤتمر سينجح، فهو يعني انه سينجح في اشتقاق تسوية. ولذلك فإن فكرة التسوية هي التي تقود أداء الحريري في المؤتمر.. مع التذكير هنا بأن التسوية ليست مع النظام السوري، بل هي مع فرقاء لبنانيين حتى لو كان بعضهم يُشهر التحالف مع دمشق. وبهذا المعنى، فإن الحريري المنتمي الى 14 آذار والباقي فيه، يتصرف على الطاولة بوصفه عاملاً على انضاج تسوية حول العناوين المطروحة، وعلى انه المؤهل لمثل هذه المهمّة.
وعندما يقول البعض ان قطبَي المؤتمر هما سعد الحريري من جهة والامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله من جهة ثانية، فهو محقّ اذا كان يعني ان الحريري هو الذي يجسد فكرة التسوية وان نصرالله هو الذي يجب ان تتم التسوية معه. لكن هذا البعض يكون مخطئاً ان هو أعطى الامر معنى التحالف السني ـ الشيعي بالرغم من اهمية العلاقات السنية ـ الشيعية. وعلى اية حال، فان الاجتماعين بين الرجلين قبل انطلاق الجولة الاولى من الحوار ثم قبل استئناف الجولة الثانية، يعكسان تماماً المعنى الاول.
ضوابط التسوية بين الطائف والقرار الدولي
ما هي التسوية التي يسعى اليها الحريري ولماذا؟.
من البديهي القول بداية ان أحداً لم يتمكن من دفع الزعيم الشاب لتيار المستقبل الى البوح بأي سرّ. بيد انه من البديهي الى حد كبير "تقدير" ما هو ساع اليه انطلاقاً مما هو معروف من مواقفه، ومما هو معروف من إرث والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
فمعروف ان مؤتمر الحوار ينعقد تحت سقف اتفاق الطائف. ومعروف ان القرار 1559 يضعه "صانعوه" ومؤيدوه في خانة اتفاق الطائف. ومعروف ايضاً مدى تمسّك الحريري بالطائف وبتطبيقه باعتباره المرجعية الميثاقية للحياة الوطنية في لبنان. ولذلك، من المنطقي ان يعتبر سعد رفيق الحريري ان الطائف يوفّر الحلول لكل القضايا المطروحة على طاولة الحوار.
كذلك من المنطقي ان يتأكد كل متتبعي اداء الحريري من ان التسوية التي يسعى اليها من خلال مؤتمر الحوار، لن تكون الا من ضمن اتفاق الطائف، ولانها كذلك، فلن تكون في مواجهة الشرعية الدولية ايضاً. وعلى خلفية هذه "المبادئ العامة" التي تظلل اداءه، يمكن "الظن" بأن الخطوط العريضة للتسوية التي يريدها الحريري تتضمن الآتي: الاتفاق حول رئاسة الجمهورية أي على إنهاء ولاية اميل لحود، الاتفاق حول موضوع السلاح الفلسطيني لانهاء وجوده خارج المخيمات بداية ولحوار حول وجوده داخل المخيمات تحت سقف سيادة الدولة في مرحلة محدّدة لاحقة، والاتفاق على صيغة "تخدم" لمرحلة إنتقالية بالنسبة الى سلاح المقاومة المربوط بمزارع شبعا.
رئاسة الجمهورية والسلاح الفلسطيني
رئاسة الجمهورية تخضع لاتفاق الطائف كما للقرار 1559، اي بما ان التمديد غير شرعي وغير دستوري فيجب انهاؤه. واذا كان المفاوض الآخر هو "حزب الله" فيُفترض من حيث المبدأ الا يواصل تعويق التغيير في هذا الموقع. ذلك ان الرئيس الحالي الممدد له فاقدٌ لأية مصداقية في موقعه، ولا يمكن والحالة هذه ان يشكل ضمانة او ان يعطي ضمانة. والى ذلك يضاف انه يُفترض ان "حزب الله" دخل الى مؤتمر الحوار للتوصل الى اتفاق مع الآخرين، فاذا تم الاتفاق فان هذا الاتفاق هو الضمانة وان لم يتم الاتفاق فلن يكون رئيس مثل لحود ضامناً لشيء اصلاً. كذلك، ثمة اعتبار ميثاقي ـ دستوري يقتضي أخذه في الاعتبار، وهو ان مجلس الوزراء يمثل تبعاً لاتفاق الطائف سلطة المشاركة، اي ان الضمانة للجميع هي المشاركة في السلطة التنفيذية التي تنحكم سياستُها العامة الى ما يتفق عليه اطراف الشراكة.. عندما يتفقون.
والسلاح الفلسطيني يخضع لاتفاق الطائف كما للقرار 1559 ايضاً. وبما ان النصّين واضحان في هذا المجال، يفترض الا تكون ثمة مشكلة. واذا كانت الضرورات الوطنية تفرض تطبيقاً مرحلياً للنصيّن، فليس ما يمنع ذلك، خاصة اذا كان المجتمع الدولي يعطي اللبنانيين تقدير كيفية تطبيق القار 1559.
سلاح المقاومة والمرحلية الممكنة
وسلاح المقاومة، او المقاومة وسلاحها يخضعان للطائف وللقرار الدولي، ويُعطف عليهما "التسامح" الدولي مع لبنان او بالاحرى الاقرار بأن للبنان خصائص تفرض نفسها على التطبيق. اتفاق الطائف يقول بسيادة الدولة على كامل أراضيها، ويقول بسلطة واحدة، ويقول بالتحرير. يمكنُ التوصل الى تسوية مرحلية: سلاح المقاومة مرتبط باستكمال تحرير الارض، وتحرير الارض مرتبطٌ بتحديد هويتها، وتحديدُ هويتها مرتبطٌ باجراءات، والاجراءات مرهونة بالمعايير القانونية الدولية. ولذلك فان النقاش الدائر حول لبنانية مزارع شبعا أو عدم لبنانيتها، حول هويتها باختصار محكومٌ بأن يكون تحت القانون الدولي الذي يجب مراجعته.
وعلى خلفية ما تقدّم، يتبين ان التوصل الى تسوية، ممكن. فما يمكن تطبيقه كاملاً على الفور يطبق، وما لا يمكن تطبيقه الا على نحو مرحلي يطبق على مراحل.
ان تكون التسوية خطوة متقدمة
لكن المهم هو ان تراعي "التسوية الممكنة" أمرين متلازمين. الاول ان تقع بنود التسوية تحت أحكام اتفاق الطائف ـ والدستور ـ وتحت أحكام القرارات الدولية والا تتعارض معها. والثاني هو ان تكون هذه التسوية خطوة حقيقية وكبرى الى الأمام، اي ان تكون محكومةً بأفق استكمال تطبيق الطائف والقرارات الدولية ضمن مدى زمني "منظور"، وأن تشكل هذه التسوية فرصة للانتقال الى مرحلة جديدة، فلا تكون تقطيعاً للوقت.
14 آذار وهاجس تحديد المرحلة الانتقالية
من الطبيعي ان تكون لدى فريق 14 آذار رغبة في الانتهاء بسرعة من العقد، اي انه من المفهوم تماماً ان تكون لدى هذا الفريق ارادة عدم تمديد المرحلة الانتقالية التي فرضت نفسها ـ أو فُرضت ـ على لبنان منذ نحو عام. بيد انه، اذا اخذت في الاعتبار حقيقة ان صفة "الانتقالية" هذه لا تعني تمديد الازمة بل التدرج في حلها، يغدو من المنطقي الاعتقاد ان ثمة ما يستحق أن يجري السعي اليه، خاصة اذا كان البديل من ذلك غير متوافر او ما اذا كان البديلُ خطيراً.
اذاً، من الواضح حتى من دون ان يبوح الزعيم الشاب بأيّ سرّ، انه يسعى وراء تسوية ممكنة من جهة لكنها "متقدمة" بمعنى تحقق نقلة نوعية من جهة ثانية. وعندما تكون التسوية المنشودة هادفة الى استكمال تحرير لبنان من الوصاية السورية، والى تحرير بعبدا من رمز هذه الوصاية، وعندما تكون هادفة الى استعادة سيادة الدولة ومؤسساتها تحت سقف الميثاق، تكون التسوية جيدة ومقبولة. وهل يُسأل سعد رفيق الحريري ما اذا كان مع التحرر من الوصاية السورية او ما اذا كان مع سيادة الدولة بين حدَّي الطائف والشرعية الدولية؟.
جنبلاط يعلن انه ليس عقبة امام التسوية
.. ويبقى استدراكان. الاول هو ان تصرّف سعد الحريري بنوع من "الأبوة" حيال مؤتمر الحوار الوطني، والتسوية التي تظهر ملامحها من خلال "الكلمات المتقاطعة" لا يعنيان "حتمية" النجاح بالرغم من إرادة النجاح عند الحريري.. لان النجاح لا يتوقف عليه وحده. والثاني هو ان ما يقدم الحريري عليه ليس مفروضاً من قبله على الحلفاء فرضاً، فالحلفاء مطّلعون على ما يجري ويدعمونه. حتى الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، فانه يعلن مواقفه ويتشدد فيها عن قناعة بما يقول، لكنه يُعلن سلفاً انه اذ يتمسك بمواقفه لن يكون عائقاً امام اي تسوية متقدمة بالمعنى المشار اليه آنفاً حتى لو تحفظ. واكثر من ذلك ما كان جنبلاط لـ"يطمئن" انه يستطيع ان يقول ما يقوله لو لم يكن سعد الحريري يلعب الدور الذي يلعبه.
بكلام آخر، لا يتصرف الحريري سنياً او اسلامياً ولا هو مقتنع أصلاً بمنطق "الثنائيات الطائفية"، ولا يتجاهل حلفاء الشراكة الوطنية. وليس سّراً على سبيل المثال انه ابلغ من يعنيهم الامر ان الاتفاق على رحيل لحود "شيء" فيما الاتفاق على البديل ليس صفقة ثنائية او ثلاثية،بل يخضع الاتفاق على البديل لـ"كلمة" البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.