بالرغم من "حساسية" بعض العناوين وصعوبتها، فليس منطقياً أن ينتهي مؤتمر الحوار الوطني في مجلس النواب إلى فشل. هذا ما يعلنه معظم المشاركين في هذا الحوار.
أما الدلائل على ما تحقق في المؤتمر من إنجازات إيجابية، فهي بحسب معظم المشاركين، عديدة.
في البداية، لا شك أن المشهد في حد ذاته إنجاز، باعتباره المشهد اللبناني الأول من نوعه في مرحلة ما بعد الخروج السوري الرسمي من لبنان، ما يعني أن الفرقاء الحاضرين على الطاولة يعون جميعاً أن متغيراً أساسياً طرأ منذ أكثر من عام، وهو الانتهاء الرسمي للوصاية السورية. وهذا الأمر، على الرغم من بداهته، لم يكن مسلّماً به من الجميع في وقت سابق.
الـ1559: الانتقال الإيجابي إلى بحث كيفية تطبيقه
وفي الدلائل أيضاً، أن الأطراف من خارج 14 آذار، "سلّمت" بالبحث في القرار الدولي 1559 بوصفه قراراً ملزماً للبنان في كل مندرجاته، أي أن لبنان ملزم بتطبيقه وإن كان المجتمع الدولي أعطى للبنانيين مجال التوافق على "كيفية" تطبيقه. وفي هذا المجال ثمة فارق كبير بين تعاطي الفرقاء مع القرار 1559 على الطاولة وبين ما كان بعض الفرقاء ـ من خارج 14 آذار ـ ينادي به من قبل، أي اعتبار الـ1559 منفذاً أو لاغياً.
وفي هذا الإطار، ليس أمراً عادياً أن تناقش مسألة رئاسة الجمهورية من ضمن القرار 1559، أي أن يتم التعامل مع هذه المسألة بصفتها ذات مرجعية في القرار الدولي من جهة، وبتغليب البحث في المسألة الرئاسية على أساس أن الرئيس الحالي الممددة ولايته موجود خارج "الشرعية الدولية" من جهة أخرى. كما أنه ليس أمراً عادياً أن يُجمع فرقاء الحوار على اعتبار إميل لحود والتمديد له الأصل في الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، وأن يجمعوا على التسليم بضرورة تغييره.
بهذا المعنى، حقق مؤتمر الحوار الوطني في أيامه الثلاثة السابقة انتقالاً "قياسياً" من إعلان "احترام" القرارات الدولية كما يقول البيان الوزاري للحكومة ومن اعتبار أن القرارات الدولية "لا تعنينا" من جانب قوى من خارج دائرة 14 آذار، إلى البحث في الخطط التنفيذية لهذه القرارات بما يقود إلى مصالحة لبنان مع "الشرعية الدولية". وهكذا كان البدء بالإجماع حول القرارات الدولية المتعلقة بالحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أي القرارات 1595 و1636 و1644، مؤشراً إلى أن المرحلة المقبلة من التحقيق الدولي وصولاً إلى تشكيل المحكمة الدولية، "يُفترض" ألا تشهد جدالاً داخلياً حول هذا العنوان، أياً تكن نتائج مهمة القاضي سيرج براميرتس في شهورها الثلاثة الأولى، وهو الذي سيقدم تقريراً بهذه المهمة في غضون الأيام القليلة المقبلة.
إذاً، بالإضافة إلى المشهد السياسي الأول من نوعه الذي يقدمه مؤتمر الحوار، وإلى الانتقال الايجابي نحو التعاطي مع القرارات الدولية بوصفها قرارات للتنفيذ، يمكن القول أن وقوع المؤتمر تحت سقف اتفاق الطائف، لا بد أن يقود إلى حلول في العناوين الخلافية، لا سيما ما يتصل منها بالمقاومة وسلاحها.
المقاومة وسلاحها: لا شيك مفتوحاً ولا نزع سلاح؟
فإذا كان صحيحاً الاعتقاد أنه يمكن للمؤتمر أن يتوصل إلى قرار في الموضوع الرئاسي، يطلق عملية استبدال إميل لحود، وأنه أمكن للمؤتمر أصلاً أن يقفل الجدل في قضايا التحقيق الدولي، فليس صحيحاً في المقابل توقع أن ينتهي المؤتمر في موضوع المقاومة وسلاحها إلى إحدى نتيجتين: فلا هو مُتوقع أن يعطي "فرقاء الطاولة" شيكاً مفتوحاً لحزب الله ليواصل المقاومة إلى أجل "غير مسمى"، على اعتبار أن تشكيلة الطاولة وتوازن قواها لا يفضيان إلى هذه النتيجة، ولا هو متوقع في المقابل أن يتخذ المؤتمر قراراً بنزع سلاح المقاومة، على اعتبار أن تشكيلة الطاولة وتوازن قواها لا يسمحان بالوصول إلى نتيجة من هذا النوع أيضاً.
لكن، بين "الشيك المفتوح" وبين "نزع السلاح"، أي بين الحدين "الجذريين"، ثمة تسوية مرحلية ممكنة. و"التسوية المرحلية" الممكنة هي بالضبط "خارطة طريق" يتفق عليها المتحارون، تحدد "النطاق الجغرافي" لعمل المقاومة و"شروطه"، وتعيّن تقريباً الفترة الزمنية للسلاح، وتُطعّم بإجراءات تستجيب لمندرجات اتفاق الطائف من ناحية ولمندرجات القرار 1559 من ناحية ثانية.
أساس التسوية المرحلية:
سيادة الدولة
والحديث هنا عن تسوية مرحلية ممكنة يستند إلى الاعتبارات الآتية: فمن زاوية نظر المجتمع الدولي، المعبّر عنها في القرارات الدولية بما فيها الـ1559 وفي المواقف المعلنة، أن المسألة الرئيسية هي أولوية سيادة الدولة من قبيل نشر القوات المسلحة اللبنانية في الجنوب وغيرها من الاجراءات السيادية. كذلك، وإذا أُخذت في الاعتبار "زبدة" خطاب "حزب الله"، فإنه يبدو واضحاً أن الموضوع الجوهري هو ما بات يسمى "الاستراتيجية الدفاعية"، وهي استراتيجية لا يمكن أن تقوم أصلاً إلا من ضمن الدولة وسيادة الدولة. وإلى كل ذلك يضاف أن المتحاورين فريقان، الأول يمثله فريق 14 آذار الذي يعلن أن لا مقايضة بين "رأس" إميل لحود والقرار 1559 أي أنه يرفض "رأس" رئيس الجمهورية في مقابل عدم تطبيق الـ1559، والثاني يمثله "حزب الله" أساساً الذي يبدي استعداداً لـ"إعطاء" رئاسة الجمهورية (أي التنازل عن لحود) على أساس التوافق ويقترح في الوقت نفسه ترجمة معينة للقرار 1559، بما يُفضي الى حصيلة متكاملة.
سعد الحريري وفكرة التسوية
لهذه الاعتبارات الرئيسية جميعاً، من المنطقي جداً افتراض تسوية مرحلية ممكنة لـ"البند الأعقد" في القرار 1559، تجري متابعتها بعد المؤتمر. وما يزيد من احتمالات هذا التوقع هو لقاء الساعات السبع بين رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والأجواء الايجابية في العلاقة بينهما. فبَين "صاحب" الموضوع المطروح على البحث أي نصر الله والمفترض أنه يعبر عن "الحد الأقصى"، وبَين فرقاء 14 آذار المفترض انهم يعبرون عن "حد أقصى" مقابل، لا شك أن سعد الحريري يستطيع أن يجسد فكرة التسوية تلك. وغني عن القول في هذا المجال أن الحريري ومن منطلق عدم السماح بأن يكون هذا الموضوع متفجراً، ومن منطلق رؤيته للعلاقة الإسلامية ـ الإسلامية، السنية ـ الشيعية، ومن منطلق علاقاته العربية والدولية، هو الأقدر من بين الجالسين إلى طاولة الحوار، على بلورة اتجاه التسوية
عناوين الاتفاق الممكن
باختصار إذاً، يمكن القول "منطقياً" أن مؤتمر الحوار الوطني عندما يستأنف جلساته اليوم، هو أمام فرصة نجاح، خاصة بعد إعلان الرئيس نبيه بري انه سيتم الانتقال اعتباراً من اليوم (الجلسة السابعة) إلى استعادة البنود بنداً بنداً. وبكلام آخر، من المنطقي أن يُعلن اتفاق بين المتحاورين على القرارات المتعلقة بـ"الحقيقة"، وعلى رئاسة الجمهورية، وعلى موضوع السلاح الفلسطيني الذي لم يثر أي خلاف.. إضافة إلى تسوية مرحلية مركّبة بشأن المقاومة وسلاحها، أو إعلان عن متابعة هذا العنوان بأفق تسوية أو إعلان "مرن" ما، لا يفسره "حزب الله" على أنه نوع من التفويض غير المحدود، ولا تشتمّ منه قوى 14 آذار تعارضاً مع مقتضيات القرار 1559.
الحركة الدولية ـ العربية
وما تقدم، لم يشمل حتى الآن سوى العامل الداخلي اللبناني. فماذا عن المعطى الخارجي، العربي ـ الدولي؟.
ثمة اعتقاد صحيح راسخ لدى معظم المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني كما لدى متابعي أعمال هذا المؤتمر، أنه لا ينعقد بلا مظلة عربية ـ دولية فوقه. ومن زاوية النظر هذه، فإنه إما ان يكون حاضنة ولادة اتفاق لبناني على ايقاع اتفاق عربي ـ دولي منجز أو أن يكون حاضنة لبنانية لاتفاق عربي ـ دولي "قيد" التكوّن وفي طريقه إلى التبلور. ومساء أول من أمس، ولدى إعلان الرئيس بري عن عطلة يوم واحد، مال معظم المشاركين والمتابعين إلى الظن أن هذه العطلة هي لمتابعة الحركة الخارجية خاصة زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى المملكة العربية السعودية ولقاءاته مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، والاتصالات العربية ـ الدولية والدولية ـ الدولية الجارية على غير صعيد.
هذا "الظن" في محله، أي أن استراحة اليوم الواحد، هي لمواكبة الحركة الخارجية بالضبط. لكن، ما هي حظوظ الحركة الخارجية بالتوصل إلى اتفاق ما يرعى الوضع اللبناني "الجديد"؟
"النوايا السورية" وكلام الأسد
إن أي اتفاق عربي ـ دولي كي يحصل، حسب المعطيات والموازين الراهنة، "يجب" أن يتضمن استعداداً سورياً لتنفيذ "دفتر الشروط" الدولية: الانسحاب المخابراتي والسياسي من لبنان، التعاون مع التحقيق الدولي في ما يتعلق بلبنان، أي أن على النظام السوري بمقتضى "دفتر الشروط" هذا أن يتوقف عن التدخل في لبنان، في "مقابل ما" يُحكى أنه عدم التعرض لهذا النظام.. أي أن المطلوب دولياً ـ وعربياً ـ من نظام دمشق هو عدم تعويق استقرار الوضع اللبناني، في مقابل استعداد اللبنانيين في مرحلة لاحقة لإقامة علاقات طبيعية مع دمشق. فهل توصل التحرك الدولي ـ العربي إلى هذه النتيجة أو هو في طريقه للتوصل اليها؟
السؤال لا يزال مطروحاً حتى الساعة. فالكلام الذي أدلى به الرئيس السوري بشار الأسد أول من أمس لا يزال حاقداً. ذلك أنه بالرغم من ترحيبه بالحوار اللبناني، كرر القراءة السورية القديمة المعروفة لتطورات الأحداث في لبنان والمنطقة.
من هنا، وإذا أُخذت المعطيات الخارجية في الاعتبار، يغدو مؤتمر الحوار الوطني اللبناني أمام عدة احتمالات. فإما تسوية سورية ـ عربية ـ دولية على النحو المشار اليه آنفاً فنجاح للمؤتمر تالياً، وإما لا تسوية خارجية فـ"إفشال" سوري للمؤتمر، وإما قرار عربي ـ دولي بمعالجة "مديدة" للموقف السوري، فيُعلق المؤتمر مرحلياً (أي فشل "ما" أيضاً)... إلا إذا كان المحاورون من حلفاء سوريا على الطاولة، أخذوا بخيار "عدم التعلّق" بسوريا.
في ما قيل على طاولة الحوار خلال أيام ثلاثة، من المنطقي اعتباره ممهداً لنجاح "ما" إن لم يكن في البنود كافة ففي قسم رئيسي منها، علماً أن بعض فرقاء 14 آذار يعتبر ان عدم الوصول إلى نتائج "حاسمة" في كل البنود، أمر سلبي. لذلك، تبقى معرفة ما هو جار خارج الطاولة.. خارج لبنان. وليس سراً القول أن الساعات المقبلة تشكل اختباراً لـ"النوايا السورية" بالدرجة الأولى. ولن يطول الوقت كثيراً، لأن للمؤتمر وقتاً منطقياً لا يستطيع أن يتجاوزه. وفي انتظار ذلك، ثمة أجواء تفاؤل لم تبددها صعوبة المناقشات في الجلستين الخامسة والسادسة أول من أمس، وهي في العمق أجواء تفاؤل بأن جميع الأطراف ستسلك درباً لبنانية في نهاية المطاف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.