8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هل يكون مؤتمر الحوار المعبر إلى إخراج عمليّة إسقاط لحود؟

مع اقتراب موعد مؤتمر الحوار الوطنيّ في مجلس النواب غداً، ووسط تأكيد الفرقاء السياسيين كافّة مشاركتهم في هذا المؤتمر، انصب اهتمام الأوساط السياسيّة خلال الساعات الماضية على تقدير احتمالات نجاحه وفشله في ظلّ الظروف والمعطيات القائمة محلياً وعربياً ودولياً.
وفي هذا المجال، ينطلق معظم الوسط السياسيّ من تقدير أنّ رئيس المجلس النيابيّ نبيه بري ما كان ليدعو إلى مؤتمر للحوار اللبناني لو أنّه كان يستند إلى معطيات لبنانيّة صرفة. ذلك أنّ الوقائع اللبنانية تفيد أنّ ثمة افتراقاً كبيراً في المواقف بين فريق 14 آذار من جهة والفريق الآخر المسمى اصطلاحاً فريق 8 آذار والتحالف الجديد بين "التيار الوطني الحرّ" و"حزب الله" من جهة أخرى. والافتراق في المواقف يشمل كل العناوين المطروحة للحوار بما فيها وأهمها موضوع رئاسة الجمهوريّة.
ما الذي دفع بّري إلى الدعوة؟
حتّى هذا الحوار اللبناني ـ اللبنانيّ، ما كانت دعوة بري ممكنة إليه، ما لم يكن رئيس المجلس التقط إشارات استعداد سوريّ لـ"تسوية" ما مع فريق الأكثريّة النيابيّة ـ الوزاريّة. وهذا ما دلت تجربة الشهور الماضية على انّه أمر غير متاح في ظل نظرة النظام السوريّ إلى الوضع اللبناني بعد انسحابه الرسمي من لبنان، ورفضه التعاطي معه. وأكثر من ذلك، فإنّ النظام السوريّ رفض على الدوام عقد "تسويات" مع لبنان حتى عندما كانت الأوراق في يده، تماماً لأنه يفضل، على قاعدة "لبنان الورقة" التفاوض على صفقات حول لبنان مع الخارج الإقليمي ـ الدوليّ.
إذاً، يستحيل من وجهة نظر معظم الوسط السياسيّ أن يجازف الرئيس بري بالدعوة إلى مؤتمر للحوار الوطني متروك لديناميّات الصراع اللبناني الداخلي أو لديناميّات الازمة اللبنانيّة ـ السوريّة، بالضبط لأن بري ذو تجربة وحنكة سياسيتين، ولا يمكنه ان يقدم على دعسات ناقصة في هذا الظرف.
لذلك، من المفترض أن يكون بري أمّن لمؤتمر الحوار الوطني مواكبة خارجية، عربيّة، ودوليّة، أو حاضنةً عربيّة ـ دوليّة، أو أنّه على علم باتصالات عربيّة ـ دوليّة مبشّرة بالخير، وقابلة لأن تُفضي إلى اتفاقات حول لبنان.
بالتأكيد، أن برّي أطلع القيادة السوريّة على المؤتمر وسياقه، وحصل من دمشق على موافقة، لأنّ بري لا يكتفي بـ"عدم اعتراض" سوري. لكن السؤال هو: هل يكفي موقف سوريّ لجعل مؤتمر للحوار اللبناني الداخليّ ينجح؟
طبعاً لا، يجيب الوسط السياسيّ الذي ينظر بارتياب إلى مواقف النظام في دمشق، إذ لطالما كان ثمّة ألغام في المواقف السوريّة.
من هنا، يستنتج الوسط السياسيّ أنّ ثمة حركة عربيّة ـ دوليّة موازية للمؤتمر العتيد تبرر دعوة بري إلى انعقاده من ناحية وتفسر موافقة الفرقاء الأساسيين على المشاركة فيه من ناحية ثانية.
فرصة أميركية لحركة عربيّة لتغيير "سلوك" النظام السوري
وهنا، يتم الدخول في المعلومات المتداولة في هذا الشأن.
في هذه المعلومات، أنّ الإدارة الأميركية المستمرة على سياستها من النظام السوري، والتي تطالبه بتغيير "سلوكه"، وافقت على إعطاء الدول العربيّة، لا سيما المملكة العربيّة السعودية ومصر، فرصة لـ"محاولة" إقناع النظام في سوريا بتغيير سلوكه عبر الاستجابة للمطالب الأميركيّة الدوليّة منه، ومن هذه المطالب ما يتعلق بالأداء السوري المطلوب حيال التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما يتعلق بتنفيذ القرار 1559 لا سيما لجهة الانسحاب الكامل من لبنان ووقف التدخل في شؤونه والتخلي عن دعم إميل لحود الذي يقيم في بعبدا خلافاً لإرادة المجتمع الدولي المعبَّر عنها في القرار 1559، إضافة إلى مطالب أخرى في العراق. وتقول المعلومات إن الإدارة الأميركية أعطت موافقتها على تحرك عربي باتجاه دمشق على هذا الأساس، وعلى أن "الثمن" المقابل الوحيد الذي يمكن اعطاؤه لدمشق في حال الاستجابة لـ"قواعد تغيير السلوك" هو بقاء النظام.
وتضيف المعلومات أنّ تحركاً حصل بالفعل بين واشنطن ودمشق لاستكشاف مدى التجاوب السوريّ، وفي ضوئه إقرار مبادرة عربيّة بخصوص لبنان.
هنا، يعرب الوسط السياسيّ اللبناني عن اعتقاده أنّ دعوة برّي إلى مؤتمر الحوار الوطني تتزامن مع هذه الحركة عربياً ودولياً، أي أنّ هذه الدعوة إما أنها استبقت بداية الحركة أو تلتها، وأنّها غير بعيدة تالياً عنها، الأمر الذي يضع مؤتمر الخميس في إطار عربي ودوليّ أيضاً.
ينعقد المؤتمر إذاً في ظلّ ثلاثة احتمالات بالنسبة إلى الحركة الخارجيّة عربياً ودولياً، فإما أنّ هذه الحركة توصلت إلى نتائج إيجابيّة، أو أنها لا تزال مستمرة، أو أنها فشلت (أو في طريقها إلى الفشل).
الاحتمال الأوّل، أي أن تكون الحركة العربيّة ـ الدوليّة توصلت إلى نتائج إيجابية على صعيد دفع النظام السوريّ إلى تغيير سلوكه، يعني حصول اتفاق سوريّ ـ عربيّ ـ دوليّ (أميركي أساساً) على إطاحة اميل لحود. والاحتمال الثاني أي استمرار الحركة يعني أنّ الاتفاق ضد لحود مفتوح، فيما الاحتمال الثالث يعني "منطقياً" بقاء لحود، إلا إذا كانت مقتضيات السياسة السوريّة تقضي بتغييره، وهذا أمر مستبعد لأن سوريّا لا تملك الآن فرض رئيس آخر.
إطاحة لحود في اطار تسوية
سوريّة ـ عربية ـ أميركية؟
ويسارع الوسط السياسي الى القول أنّ نجاح التحرك العربيّ بين واشنطن ودمشق لا يعني التوصل إلى تسوية أميركيّة ـ سوريّة بالمعنى "التقليدي". ذلك أنّ "التسوية" المحتملة في هذه الحال، تعني استجابة النظام السوريّ للمطالب الأميركيّة في مقابل "واحد" هو "بقاء النظام"، أي أنه ليس وارداً في حال تسوية من هذا القبيل أن تكون للنظام السوريّ كلمته في الرئيس اللبناني المقبل. ويشرح الوسط السياسيّ ترجيحه هذا بالعلاقة مع السياسة الأميركيّة التي لم تتغير حيال النظام السوريّ منذ نحو عامين، والتي لم تتغيّر حيال لبنان ومساره الجديد، وآخر تعبيراتها المواقف التي أدلت بها وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس أثناء زيارتها الخاطفة إلى بيروت الأسبوع الماضي.
غير أنّ بعضاً من الوسط السياسيّ الذي يوافق على هذا التحليل المشدِّد على أنّه "يحق" لسوريا في حال التسوية "جائزة" واحدة هي بقاء النظام لا جائزتين: بقاء النظام والشراكة في اختيار الرئيس اللبناني المقبل، يعتبر (بعض الوسط السياسي) أنّ الأطراف العربيّة الساعية على خطّ الفرصة الممنوحة أميركياً قد تطالب بأن يكون الرئيس اللبناني المقبل "غير استفزازي" لدمشق أو لا ينفّر العاصمة السوريّة.
المؤتمر الوطني في السياق الخارجي
هكذا إذاً، وفي إحدى حالتين، التوصّل إلى تسوية سوريّة ـ عربيّة ـ دوليّة بالمعنى المشروح آنفاً أو انفتاح التحرك العربيّ على احتمال التسوية، يكون ممكناً اعتبار المؤتمر الوطنيّ للحوار غداً الخميس مؤتمراً للحل، بمعنى أن يكون الإطار اللبناني لـ"إخراج" الحل حول رئاسة الجمهوريّة إعلاناً لاتفاق على إنهاء ولاية لحود. وعندئذ يكون بري قد "وقّت" المؤتمر على التقاطعات الخارجيّة.. أما في الحال الأخرى سواء أكانت انسداد أفق التسوية على النحو المطروح سابقاً، أو حاجة هكذا تسوية إلى وقت أطول، سيتحول المؤتمر إلى محطة من ضمن الأزمة، لا بل سيكون تصعيداً لها و"تفجيراً"، أو أنّه سيتحول (في حال طال الوقت) إلى مؤتمر سابق لأوانه أو لا مبرر له.
على أنّ الوسط السياسي يتساءل بالرغم من كل المقدمات الآنفة عن "لغز" دعوة الرئيس بري في هذا التوقيت. ففي تقديره أنه حتى لو كانت الأمور سائرة نحو تسوية سوريّة ـ عربيّة ـ أميركيّة (ودوليّة) تؤدي إلى إطاحة لحود، فليس ثمّة حاجة إلى مؤتمر لأن المؤتمر في أحسن الأحوال سيعلن ما يكون التحرك العربي والدولي قد توصل إليه. أمّا في حال كانت الأمور سائرة إلى تأكيد ما هو قائم، فليس ثمة ضرورة لمؤتمر يضع الفرقاء اللبنانيين وجهاً لوجه على طاولة مستديرة لأن الخوف هو على ما بعد انفضاض المؤتمر متفجّراً.
دور بكركي
وفي جميع الأحوال، خاصة إذا كانت الأمور سالكة باتجاه حسم مسألة رئاسة الجمهوريّة، يعرب الوسط السياسيّ عن اعتقاده أنّ إنتاج الرئيس المقبل، مواصفاتٍ وإسماً، يجب أن يتمّ في بكركي مع البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير ورعايته وبركته. ويحذّر من تغييب دور الصرح البطريركي في هذا المجال، لأن أي رئيس جديد لا "يخرج" من بكركي لن يكون عنواناً لمرحلة جديدة متغيرة بالفعل. وعلى كل حال، هذا هو تعهد قوى 14 آذار والأطراف جميعاً عربياً ودولياً للبطريرك، وهذا هو تعهد الداعي إلى مؤتمر الحوار، أي الرئيس بري الذي قال مراراً إنّه يسير خلف سيد بكركي في موضوع رئاسة الجمهوريّة.
"المعبر"
ثمّة أمل في أن يكون المؤتمر المعبر اللبناني إلى إنهاء رئاسة لحود. وهذه النقطة بالذات هي المحكّ الفعليّ للنجاح، على اعتبار أنّ حسم هذه المسألة هو المدخل إلى الحوار في النقاط الأخرى المطروحة، لأن النقاط الأخرى ملحوظة في القرارات الدوليّة وفي اتفاق الطائف، وحتّى القرار 1559 مرجعيّته في اتفاق الطائف، والمسألة تتعلق بخطط تطبيقيّة أو بتوجّهات تنفيذية يُتفق عليها. أما الانفراج فمدخله رئاسة الجمهوريّة، وإذ ذاك يغدو الحوار أكثر إنتاجيّة.
... تبقى نقطة أخيرة يسجلها بعض الوسط السياسيّ، إذ يحذر من أن يكون المؤتمر منفصلاً عن المقدمات التي تسمح بإنتاج الحلّ، أي من أن يكون "طبخة" محليّة أو محليّة ـ سوريّة لـ"استيعاب" اندفاعة قوى 14 آذار وفرملتها، لأنّ قوى 14 آذار لن تتردد في حال كان الأمر كذلك في مواجهته.. و14 آذار على الأبواب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00