8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك والعودة الكبيرة لبكركي إلى موقعها المحوريّ

في المعركة التي تخوضها قوى 14 اذار لاسقاط رئيس الجمهوريّة إميل لحود، ثمة تحوّل كبير لصالحها تحقق في الاسبوع الماضي، يتمثل في الموقف الذي عبر عنه البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير، لا سيما في مقابلته إلى الزميلة "السفير"، حيث أعطى موافقة واضحة على إقالة لحود معززة بالحيثيات التي تدعم هذا التوجه، وأعلن موافقته أيضاً على التحرك السلمي الديموقراطيّ لتحقيق هذه النتيجة مسجلاً بوضوح أيضاً انّ التظاهر حق مشروع ويقع ضمن القانون.
ولم تكن رسالة الصوم الكبير أقلّ أهمية من الكلام السياسيّ الذي أورده في مقابلة "السفير"، بل على العكس، فقد تضمنت الرسالة كلّ الاشارات والمعاني التي "تحاكي" المواصفات المفقودة في الرئاسة الحاليّة والمنشودة للرئاسة المقبلة.
حتّى كانت زيارة وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس إلى لبنان، والتي قُرأت على نطاق لبنانيّ واسع بصفتها نوعاً من التكريس الدوليّ لمرجعيّة البطريرك عن الملفّ اللبنانيّ، لا سيّما المسألة الرئاسيّة ضمن هذا الملف.
"التحوّل الكبير"
إذاً، في أيّام قليلة فقط، تقدّم موقع البطريرك على سائر المواقع الأخرى، المسيحيّة بداية، لكن اللبنانيّة إجمالاً. وهنا بالضبط يقع التحول الكبير في معركة تنحية لحود. وأكثر من ذلك، يمكن القول ان في الامر ما يتجاوز مجرد حصول تحول إيجابي كبير في معركة إقالة لحود، أي انّ هذا التحول يحسم في شطر رئيسيّ من مصير المعركة. ذلك ان تقدم البطريرك لصفوف المطالبين بحصول تغيير رئاسي يندرج في سياق استكمال سيادة مؤسسات الدولة، يحقق مجموعة من الاهداف المباشرة.
الهدف الأول الذي صار متحققاً بالفعل، هو انّ البطريرك باعتباره المرجع "المعنوي" في مسألة رئاسة الجمهورية التي تمثل الموقع المسيحيّ الأول في الشراكة الوطنيّة، استعاد تلك المرجعيّة وبات المحور في هذا الموضوع، عنده تصبّ الاتصالات وعنده تصبّ الأوراق كافة، وعنه تصدر التوجهات.
الاصطفاف تحت سقف بكركي:
الاجتماع المسيحي الموسع
الهدف الثاني الذي صار متحققاً بالفعل أيضاً، هو انّ الساحة السياسيّة المسيحيّة عادت إلى نوع من "الاصطفاف" حول مواقف بكركي ومرجعيتها باستثناء "التيار الوطنيّ الحر" ورئيسه العماد ميشال عون. وهذا ما تجلى في الاجتماع المسيحيّ الموسع الذي عقد في دارة الرئيس أمين الجميل الجمعة الفائت، والذي تكمن أهميّته في تبني موقف مسيحيّ متقدم بشأن إقالة لحود، موقف مستظلّ بعباءة بكركي.
والهدف الثالث المتحقق أيضاً، هو انّ موقف البطريرك إذ يستعيد المرجعيّة في مسألة رئاسة الجمهوريّة، يسقط كلّ الادعاءات المعادية لـ 14 آذار بأنّ ثمة "تسلبطاً" إسلامياً في الموضوع الرئاسي، أي انّه يسقط كلّ تلك الادعاءات التي استمر النظام السوريّ وبقاياه في لبنان، في ضخها طيلة العام الماضي، حول تطلع رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط إلى استتباع المسيحيين، أو استهدافهما فرض "وصاية اسلاميّة" على المسيحيين. حتى وصل الامر بالجنرال عون في عدد من المحطّات، مستقوياً بظروف معينة، الى اتهام سعد الحريري بأنّه "رستم غزالي" آخر، يستبدل الوصاية السوريّة بوصاية مسلمة.
الحريري وجنبلاط
خلف البطريرك
والحال انّ مواقف البطريرك الأخيرة تريح الحريري وجنبلاط، وتجعلهما خلف سيد بكركي، لا سيما في هذا الموضوع بالتحديد.
أما الهدف الرابع المتحقق، فهو ان مواقف البطريرك من شأنها ان تفرض نفسها على من سبق لهم ان قالوا انهم يسيرون في المسألة الرئاسيّة وراء البطريرك. والحديث هنا هو عن الرئيس نبيه بري ليس فقط بوصفه رئيساً لمجلس النواب، بل اساساً بوصفه فريقاً سياسياً جدياً.
مواقف صفير الأخيرة "قد" تحرج برّي لكنها "قد" تدفعه إلى التسليم بالأولويّة التي يطرحها رأس الكنيسة انطلاقاً من اعتباره انّ موقع الرئاسة غدا خالياً.. وهذا ما سيتضح في غضون ساعات.
والهدف الخامس والأخير، هو انّ مواقف البطريرك إذ تستكمل مشهد 14 شباط في ساحة الحريّة وتبني عليه، إنّما تظهّر توازن قوى جديداً، ذلك انه يجب عدم اغفال حقيقة انّ توازن القوى في العام 2005 كانت تنقصه موافقة البطريرك على الانضمام إليه، سواء عبر موافقته على إطاحة لحود العام الماضي أو تغطيته لفريق 14 اذار في الانتخابات النيابيّة أيضاً، وهما الموافقتان اللتان لم تحصلا حينذاك.
إذاً، من الواضح انّ موقع البطريرك في مقدّم صفوف الداعين الى استكمال السيادة بتغيير اميل لحود، هو الجديد المضاف إلى المشهد المليونيّ في يوم الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري والولاء للبنان، أي أنّ الجديد "الأساسيّ" هو تصدر المسيحيين عبر مرجعيتهم "الأكبر" للمعركة السياسيّة ـ الوطنيّة الراهنة.
"الحوار من أجل الحلّ"
بيدَ انّ هذا الجديد على صعيد "المشهد" من جهة وعلى صعيد التوازن العام من جهة أخرى، يفرض جديداً آخر على صعيد الحوار الوطنيّ المقرر الخميس المقبل.
لقد أبلغ البطريرك زواره خلال الأيام الماضية انه مع الحوار في جميع الأحوال لأن الحوار "مبدأ" في حدّ ذاته. لكنه سارع إلى القول انّ مهمة الحوار المطروح الان ان يكون منطَلقَاً نحو الحل وليس حواراً من أجل الحوار، أي أن يتمكن الحوار من وضع الأزمة على سكة المعالجة من مدخل الاتفاق على استكمال السلطة باقالة اميل لحود، لا أن يكون الحوار محطة في الأزمة او فَخاً منصوباً بهدف "فرملة" اندفاعة المطالبة برحيل لحود، و"تشليح" قوى 14 اذار المبادرة السياسيّة.
شرط حسم إقالة لحود قبل الحوار
وعلى هذا الأساس، أي أن يكون الحوار بهدف الحلّ، اتخذ الاجتماع المسيحيّ الموسع في دارة الرئيس الجميل موقفاً يعتبر انّ التقدم في الموضوع الرئاسيّ شرط للحوار ونجاحه. صحيح انّ مجمل التيارات والقوى والشخصيات المشاركة في هذا الاجتماع، كانت تعتبر انّ اقالة اميل لحود ليست بنداً للتفاوض أو الحوار، لكنّها لم توافق على أن يتمّ التحرك من أجل اسقاط لحود بالتوازي مع مؤتمر الحوار، أي لم توافق على متابعة معركة اسقاط لحود بالتزامن مع حضور جلسات مؤتمر الحوار. وبكلام آخر فان قوى 14 آذار المسيحيّة رأت انّ عدم اعتبارها اسقاط لحود بنداً للتفاوض يعني أن يُحسم الملفّ الرئاسيّ قبل الحوار، أي أن يحصل اتفاق مسبق بشأن الانتهاء مما تبقى من ولاية لحود، ليكون حوارٌ بعد ذلك حول كيفيّة التنفيذ، ومن دون شروط مسبقة. ورأت قوى 14 آذار المسيحيّة أيضاً انّ البنود الثلاثة المطروحة من قبل بري للحوار، تكفيها العودة إلى اتفاق الطائف الذي ينظم العلاقات اللبنانيّة ـ اللبنانيّة والعلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة، وانّ المطلوب طالما انّ اتفاق الطائف هو المستند وضع خطّة تنفيذيّة.
...كي لا يكون ثمّة فخ: رفض منطق "التوازي"
باختصار، اعتبرت قوى 14 آذار المسيحيّة ان دعوة الرئيس برّي مشوبة بـ"عيب" سياسيّ هو انّ رئيس المجلس لم يقدّم لمؤتمر الحوار تصوراً للحلّ يصار إلى الحوار بشأنه، بل قدم عناوين يخشى معها من جانب هذه القوى ان تتفجر الخلافات فيؤدّي الحوار إلى عكسه. ولذلك، قررت في اجتماعها الموسّع الأخير تقديم أولويّة حسم الموقف من رئاسة لحود على الحوار.
لم تقل قوى 14 آذار المسيحيّة صراحة انها لن تلبي دعوة بري، لكنّها رفضت اعتبار اسقاط لحود شأناً بذاته والحوار شأناً آخر، أي رفضت "منطق" التوازي لتصرّ على منطق "الأولويّة"، "مترجمة" بذلك التحول الكبير الذي مثلته مواقف البطريرك في الأيّام الأخيرة، و"ضرَبت الحديد وهو حامٍ" متجنبةً الوقوع في ما تعتبر انّه قد يكون فخاً للحركة الاستقلاليّة ككلّ.
كيف سيتعاطى برّي؟
في ضوء هذه المعطيات كافة، يطلّ الاسبوع السياسيّ الجديد وقد عادت بكركي إلى موقع الصدارة، إلى دورها المحوريّ. لكنه يطلّ أيضاً وقد بات على مؤتمر الحوار ان يأخذ في الاعتبار مسبقاً انّ النصاب السياسيّ ـ الوطنيّ للحوار لن يكون متوافراً ما لم تبارك بكركي هذا الحوار، أي ما لم تؤخذ أولوية إقالة لحود في الحسبان.
لكلٍ من سعد الحريري ووليد جنبلاط ملاحظات سياسيّة ولوجستيّة وتقنيّة على مؤتمر الحوار. والآن، وفي ضوء مواقف البطريرك و"كتلته السياسيّة" المسيحيّة، سيكون الوضع أكثر حاجة إلى "التفكّر". فالحركة الاستقلاليّة برؤوسها الثلاثة ـ البطريرك والحريري وجنبلاط ـ أكثر توحداً من ذي قبل. وهي إذ تؤكدّ على أولويّة البتّ باقالة لحود، تعرض على الفرقاء الآخرين "تسوية" تقضي بالانتهاء مّما تبقى من الولاية المحدّدة للحود مسبقاً في مقابل الاستعداد لمناقشة أمر الرئيس المقبل على قاعدة انّ انتاج اسم الرئيس المقبل غدا عملياً وسياسياً ووطنياً في يد البطريرك. وهذا المعطى، لم يعد ممكناً تجاهلُه.. قبل 2 آذار.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00