خلال هذا الأسبوع، تلقى رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون مجموعة من الضربات السياسية الموجعة. فقد افتُتح الأسبوع المنصرم بموقف للبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير يعطي عملياً الضوء الأخضر لمسار التغيير الرئاسي من ضمن القانون، معتبراً ان التظاهر وسيلة من ضمن القانون وإن كان شدّد على عدم اللجوء إلى أي نوع من أنواع الاقتحام الشعبي للقصر الجمهوري في بعبدا. وفي هذا الموقف، "استعاد" البطريرك صفته المرجعية عن هذا الملف.
ثم كانت زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى لبنان، والتي استثنت عون من لقاءاتها كما استثنت الرئيس إميل لحود منها، علماً ان رايس في زيارتها السابقة "ميّزته" بلقاء في السفارة الأميركية في عوكر. وهذا في الوقت الذي تعمّدت افتتاح برنامج زيارتها أول من أمس بزيارة بكركي ولقاء البطريرك صفير تكريساً لما يشبه الاعتراف الدولي بمرجعية سيّد الصرح، وعقدت بعد ذلك اجتماعاً مع رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط تأكيداً للعلاقة الدولية مع 14 آذار.
ان عدم لقاء رايس بعون، هو "قرار سياسي"، خاصة ان معلومات أفادت ان عدم حصول اللقاء ترافق مع إبلاغ أميركي لرئيس "تكتل الإصلاح والتغيير" بأن "سياسته" في لبنان غير مرحب بها أميركياً. وتقول المعلومات أيضاً ان مساعد وزيرة الخارجية ديفيد وولش عندما التقى الجنرال خلال زيارته إلى بيروت قبل أسابيع، تحدث معه في الموضوع الرئاسي اللبناني وسأله مَن يرشح لهذا الموقع، الأمر الذي فهم عون منه انه "غير مدعوم" لرئاسة لبنان. وقيل أيضاً ان الجنرال وأثناء زيارته إلى واشنطن "فهم" الأمر نفسه.
نصرالله يحرج الجنرال
أما الضربة الموجعة الأخرى، فتمثلت في الموقف الذي أطلقه في يوم زيارة رايس أول من أمس، الحليف "المستجد" لعون، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حيث ربط نزع سلاح الحزب بـ"منازلة" مباشرة مع الولايات المتحدة التي دعاها إلى إرسال قواتها إلى المتوسط وإنزالها على الشاطئ اللبناني لـ"تحاول" نزع هذا السلاح.
هذا الموقف للسيد نصرالله، ألقى من وجهة نظر عديدين ظلالاً كثيفة حول "وثيقة التفاهم" بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، والتي ربطت السلاح بمزارع شبعا والأسرى في السجون الإسرائيلية ثم بما سمّتها الوثيقة "الاستراتيجية الدفاعية". ذلك ان ربط نزع السلاح بمواجهة مع أميركا، يمثل تصعيداً في تعقيد مصير السلاح.
هكذا إذاً، من المفترض ان الجنرال عون يختتم الأسبوع السياسي محشوراً. فمن جهة، لم ينجح في حجز البحث في مصير رئاسة إميل لحود في الوقت الذي فتح البطريرك هذا الملف مغطّياً قيادات مسيحية دعت إلى إسقاط لحود، ومنها رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع وشخصيات "لقاء قرنة شهوان" السابق. ومن جهة اخرى لم ينجح في تأكيد كونه البديل، الذي يمكن أن يحصل توافق إقليمي ـ دولي حوله.
تراجع "تحت النار"
أكثر من ذلك، اضطر عون نتيجة التطورات، خصوصاً بعد الحشد المليوني في ساحة الحرية في يوم الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري والولاء للبنان في 14 شباط، وتحديداً بعد موقف سيد بكركي، إلى الرضوخ لـ"حقيقة" ان مصير رئاسة لحود مفتوح على مصراعيه وموضوعٌ على نار حامية، وان أحداً لن يستطيع إقفال هذا الأمر قبل بلوغه نهاياته، فلجأ إلى "واسطتين": الأولى، هي انه راح يحارب "طواحين الهواء" فقال انه لا يعترض على تنحية لحود لكن ليس في الشارع وبما سمّاه "احتلال بعبدا"، والثانية هي القول ان تنحية لحود تفترض التوافق على البديل، التوافق "معي" أي أن يكون هو البديل من لحود في قصر بعبدا.
حتى الآن، كان الجنرال يقول لمن يتصلون به، بمن فيهم فرقاء مِن 14 آذار، ان لديه نقاط قوة عدة في ترشحه إلى رئاسة الجمهورية. ومن نقاط القوة هذه "انني" الوحيد القادر على "معالجة" مسألة سلاح "حزب الله" وتنفيذ القرار 1559 تالياً، بطريقة "ترضي" الجميع، و"انني" الوحيد القادر على معالجة ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية لأن أحداً لن يستطيع تسلّم الرئاسة في لبنان في مناخ "عداء" مع دمشق، و"أنا" من يتوافر فيه هذا "الشرط" "لأنني" أعلنت انتهاء خصومتي مع سوريا منذ عودتي إلى لبنان في أيار 2005.
دمشق تحرق ورقة عون: هو بديل لحود أو لا أحد
بيد ان عون الذي من الواضح أن لا إمكانية لاتفاق لبناني حوله، قد "حُرق" سورياً أيضاً. فعلى الصعيد اللبناني، ليس خافياً ان علاقاته بالبيئة المسيحية متوترة، سواء مع بكركي حيث يريد أن يتطابق البطريرك معه أو أن يكون مستتبعاً له، أو مع "القوات" وسائر التيارات والشخصيات المسيحية الاخرى بسبب اعتباره انه الزعيم الأوحد للمسيحيين وانه هو ولا أحد. أما بالنسبة إلى علاقاته اللبنانية الاخرى، فليس خافياً أيضاً انها غير مستقرة، وهو لم يخف في مناسبات عدة، انه على استعداد للصراع ضدّها في كل الميادين والعناوين. والأصل في ذلك ان الجنرال "رتّب" أموره على أساس أن يكون رئيساً للجمهورية وانشقّ عن 14 آذار، وجعل من نفسه "حمّالة" لكافة رموز الحقبة السورية من مسيحيين وغيرهم.
أما كيف "حُرق" سورياً، أي كيف "حرقته" سوريا، فعبر عرض دمشق في أكثر من اتجاه، استعدادها للتخلي عن لحود إذا كان الجنرال هو البديل. لا بل أكثر من ذلك، أوصلت دمشق "رسالة" تهديدية إلى قوى 14 آذار مفادها ان هذه القوى لن تستطيع المجيء برئيس للجمهورية منها، وإن نجحت في ظرف ما ولسبب ما فإن هذا الرئيس لن يتسلم مهماته وإن تسلّم فلن يُكمل. وثمة من استذكر في هذه المناسبة التهديد السوري عام 1982 بأن الرئيس الراحل بشير الجميل لن يتسلّم مهماته.. وكان ما كان حينذاك.
وإذا كان الثابت الواضح هو ان لحود بات مطروحاً في "المناقصة" من خارج 14 آذار وتحت ضغط قوى 14آذار والموقف الدولي، فإن الأكيد هو ان النظام السوري يحاول في الدائرة العربية أن يحصّل مقابل خلع لحود على أثمان تحت عنوان ان دمشق لا توافق على رئيس في لبنان لا "يراعيها"، في وقتٍ يتركز الموقف العربي على موقع مسألة مغادرة لحود في خطة استقرار لبنان.
وفي ضوء هذه الخلفية، يتضح ان الجنرال عون لا يقيم "في الوسط" من الخارطة اللبنانية، بل هو يقيم في الضفة المقابلة تماماً لـ14 آذار، يستند إلى "حزب الله" محلياً وإلى سوريا خارجياً، أي انه ليس "الرئيس التسوية" الذي يمكن أن يكون مقبولاً لبنانياً ودولياً، وحتى عربياً في وقت من المنطقي أن يسعى العرب إلى "تسوية".
النظام السوري..ومبادرة بري
إذاً، وتأسيساً على جميع المقدمات الآنفة، وبالاستناد إلى التفويض الشعبي المليوني من ناحية وإلى المعطى الخارجي الدولي بالدرجة الأولى من ناحية ثانية، ستتابع قوى 14 آذار معركة إسقاط إميل لحود، بالرغم من انتقال عون و"حزب الله" ومعهما حلفاء النظام السوري من سياسة حجز البحث في رئاسة الجمهورية إلى سياسة اشتراط الاتفاق على البديل.
لا تستهين قوى 14 آذار بالواقع. فإذا كان النظام السوري قد "سلّم" بطرح لحود في "المناقصة"، فإنه لا يزال، ومن مدخل محاولة أن تكون له كلمته في البديل، يفرض على الواقع اللبناني شروطاً وتعقيدات. وفي هذا السياق، يأتي مؤتمر الحوار الوطني الذي حدّد الرئيس نبيه بري موعده الخميس في2 آذار المقبل.
وبصرف النظر عن الخلفية الوطنية المؤكدة للرئيس بري في مبادرته الحوارية، كما بصرف النظر عمّا يمكن أن يؤول إليه هذا المؤتمر الذي لا تزال معطيات مهمة فيه قيد التفاوض، فإن قوى 14 آذار تسجل حيال سياقه عدداً من الملاحظات.
لقد تعرّض رئيس المجلس ومبادرته إلى إطلاق نار سوري قبل بضعة أيام عبر نفرٍ من سياسيي النظام السوري في لبنان، واتُهم بري بأنه ينظم مؤتمراً لـ"استفراد" حزب الله. وقُرأ إطلاق النار هذا على انه موقف سلبي من النظام السوري حيال مؤتمر الحوار.
بعد ذلك، عاد من أطلقوا النار على بري ومبادرته إلى "تأييد" انعقاد المؤتمر، معزَّزين هذه المرة بإعلان السيد نصرالله انه ذاهب شخصياً إلى الحوار. قُرأ ذلك على انه موقف سوري متبدّل.. أو أن ثمة ايحاء سورياً في الحالتين.
وفي جميع الأحوال، وضعت قوى 14 آذار الأمر بين حدّين: الأول أن ثمة ضغطاً سورياً علي بري لـ"تحسين شروط" المؤتمر، وتذكير لرئيس "حركة أمل" بالسقف السوري، والثاني أن بري ما كان ليدعو إلى مؤتمر الحوار الوطني من دون تأمين "مستلزماته" ومن ضمنها الموافقة السورية، خاصة انه تلقى تشجيعاً عربياً ودولياً على السير في مبادرة الحوار.
والسؤال الذي تطرحه قوى 14 آذار تبعاً للملاحظات الآنفة هو الآتي: هل يريد النظام السوري انعقاد المؤتمر مشروطاً بالسقف السوري، وفي هذه الحالة فشل المؤتمر إما بعدم انعقاده أصلاً وإما بتفجر الخلافات فيه، فيحقق النظام السوري أحد هدفين: القول ان اللبنانيين لا يمكنهم أن يتفقوا، أو تشليح قوى 14 آذار المبادرة مجدّداً؟
هذا السؤال الذي تطرحه قوى 14 آذار، يستمد بعضاً من حيثياته من تهديد الرئيس السوري بالفوضى، ومن تجارب حوار لبناني سابقة "فرطت"، كما يستمد بعض الحيثيات الاخرى من الخطبة الأخيرة للسيد نصرالله حول سلاح المقاومة. أما التجربة الوحيدة الناجحة للحوار اللبناني فكانت في الطائف إذ توفر لها غطاء عربي ـ دولي، تماماً لأن الطائف كان مبادرة عربية، سعودية بالدرجة الأولى، منسقة مع المجتمع الدولي. فهل "ينام" بري على "طبّة" ما، على مشروع عربي ما منسق دولياً؟
الأسئلة الآنفة، طبيعية كلها. ذلك انه على معرفة الأجوبة عنها يتوقف تقدير ما إذا كان المؤتمر مشروع حل أو محطة في الأزمة، ما إذا كان قابلاً لـ"الصرف" أو فخاً لقوى 14 آذار لـ"تشليحها" المبادرة.
14 آذار.. والتحسّب من الفخ
لذلك، وبقدر ما تبدو قوى 14 آذار مستعدة للتعاطي الايجابي مع بري وهي أصلاً تميّزه عن الآخرين، وبقدر ما تعتبر ان الحوار في المبدأ هو المآل الأخير للخلافات السياسية، فإنها تتعاطى بقدرٍ من الاحتساب. ومن هنا وإذ تعتبر كما قال جميع أركانها ان إسقاط لحود هو الأولوية، وان الاتفاق المسبق على مبدأ إسقاطه شرط ضروري ولازم للحوار حول آلية الإسقاط، ترى أن المطلوب هو الحوار حول كيفية تطبيق البنود المتضمنة في القرار 1559، والمطلوب هو ما يضمن العلاقات اللبنانية ـ السورية مستقبلاً.. أي ليس مطلوباً أن ترتاح دمشق إلى رئيس للجمهورية بذاته، بل أن تقوم في لبنان سلطة حرة قادرة على معالجة كل الملفات. وفي ذلك، يجب القول أن ثمة مقاربتين لمسألة الحوار، كما يجب القول أن ليس على المتحاورين أن يلحقوا بما يريده النظام السوري، بل عليهم صنع مستقبل لبنان المستقل والحرّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.