8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عاملان لاستكمال التغيير.. توازن القوى اللبناني "الذاتي" والمعطى الخارجي العربي والدولي

الأسبوع الماضي، غداةَ المشهد المليونيّ في ساحة الحرية في يوم الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري والولاء للبنان، وهو المشهد الذي أعاد تظهير توازن القوى السياسي ـ الشعبي لصالح قوى 14 آذار بعدَ أسابيع طويلة من الارتباك، ركّزت هذه القوى على الأولوية المتمثّلة بإسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود. فعلامَ استندت في إعلان هذه الأولوية وفي اعتبارها ممكنة التحقّق بحيث تُطرح هدفاً لـ"شعب 14 آذار"؟
المنطق السياسي: تسلّم السلطة وتفشيل الانقلاب
مِن نافل القول بدايةً أن تحالف 14 آذار استند الى "المنطق" المبنيّ هو نفسه على تجربة السنة الماضية والشهور الأخيرة منها تحديداً، حيثُ من الواضح أن عدم تسلم الأكثرية لـ"السلطة" كاملةً، أدى الى وضع شاذّ يتمثّل في الازدواجية على مستوى هذه "السلطة"، وإلى "تعايش" مستحيل بين "جزء" ينتمي الى المرحلة السابقة أي مرحلة الوصاية السورية، و"جزء" آخر يجسّد المرحلة الجديدة الراهنة ـ المقبلة.
واستمرارُ إميل لحود في بعبدا، لم يكن فقط عنواناً لمرحلة سابقة إذ فرض النظام الأمني السوري ـ اللبناني التمديد له بالإكراه، بل استمر يمثّل الاختراق السوري لـ"الحكم الجديد" من ناحية وعنوان الانقلاب المحتمل دائماً على الحكم الجديد هذا من ناحية ثانية، إذ كان لحود حجر الزاوية لمشاريع الانقلابات المتتالية التي سعى النظام السوري إليها خلال الشهور الماضية، والتي كان أكثرُها "جدية" التحالف المعلن بين "التيّار الوطني الحرّ" و"حزب الله". ويكفي للدلالة على ذلك أن العماد ميشال عون أعلن قبل ثلاثة أيام وتحديداً الإثنين الماضي أن على الحكومة الحالية أن تستقيل و"نحن" نشكّل الحكومة البديلة و"نؤمّن الغالبيّة". والدليل الآخر، هو أن عون ناطقاً باسم التحالف الثنائي قال محقاً أن ما يجري في البلاد هو صراع على السلطة. وفي هذا الصراع على السلطة، كان هناك قبلَ 14 شباط صراعٌ من جانب واحد، مِن جانب النظام السوري وحلفائه، لكن بعد 14 شباط بات الصراع مِن جانبين.
إذاً، ثمة اعتبارٌ "منطقيّ"، هو اعتبارٌ سياسي في العمق، حيث تخوض قوى 14 آذار معركة توحيد السلطة بما يمكّنها من أن تمارس الحكم فعلاً كي تستطيع أن تتحمّل مسؤولياتها في مسار التغيير في البلاد. وفي المنطق وفي السياسة هنا أن قوى 14 آذار لا تخوض انقلاباً، إنما تهدفُ الى بلوغ التتمّة المنطقية، في حين أن بقاء لحود في الرئاسة هو المنافي لكل تطوّرات العام الماضي، وهو الانقلاب، فضلاً عن أن وجود لحود في بعبدا غير شرعي عبر التمديد غير الدستوري الذي فُرض بالقوة.
التفويض الشعبي في 14 آذار: إعادة تظهير توازن القوى
وإلى ذلك، يستند تحالف 14 آذار الى تفويض شعبي عبّر عنه مشهد 14 شباط، أي أنه يستند إلى توازن قوى شعبي ديموقراطي. ومِن الطبيعي أن "تراهن" قوى 14 آذار على تنامي توازن القوى، أي على خلق واقع شعبي يتجاوز حدود "شعب 14 آذار"، يبرهنُ أن بقاء لحود في بعبدا إنما هو ضدّ إرادة أكثرية ساحقة من اللبنانيين، ويجعل المدافعين عن بقاء لحود لهذا السبب أو ذاك "يقتنعون" بأنهم لا يستطيعون حجز موقع الرئاسة الى "ما لا نهاية". وذلك في صميم العمل السياسي ـ الشعبي، السلمي الديموقراطي.
المعطى الخارجي ودوره "الحاسم"
وإذا جرت العودة بالذاكرة الى محطّات العام الماضي، ستتّضح أكثر فأكثر معطياتٌ إضافية تأخذها قوى 14 آذار في الاعتبار.
في 14 شباط 2005 نفّذ النظام الأمني السوري ـ اللبناني جريمة العصر، جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكان في قناعة هذا النظام في دمشق وعنجر وفي بعبدا أن الغضب على هذه الجريمة سرعان ما سينطفئ، وبعضهم قال آنذاك إن أمدَه لن يطول أكثر من ثلاثة أيام(!).
بين 14 شباط 2005 و14 آذار 2005، جرت محاولات مِن قبل النظام البائد لـ"العودة"، وكان 8 آذار على "رافعة حزب الله". لكن قبلَ 8 آذار 2005، أعلن رئيس النظام السوري بشار الأسد قرار سحب القوات السورية على مرحلتين، مِن غير أن يحدّد الموعد النهائي للانسحاب النهائي، تنفيذاً للقرار 1559 كما قالَ.
قبل 5 آذار 2005 أي في نهاية شباط 2005، كان للمجتمع الدولي موقف "حازم" يدعو سوريا الى الخروج من لبنان تنفيذاً للقرار 1559، وكان تحرك سعودي ـ مصري ضاغط على الأسد من أجل الانسحاب من لبنان، وصولاً في وقت لاحق الى تحديد موعد نهائي لهذا الانسحاب والذي تقرر في 26 نيسان 2005.
بين هذا وذاك من التواريخ، كان 14 آذار 2005 الذي رد على حلفاء سوريا و8 آذار، بأن أكد أن الأكثرية الشعبية ـ السياسية الى جانب انتفاضة الاستقلال ومطالبها في الحقيقة وفي خروج سوريا وفي تحرير النظام السياسي اللبناني. فكان بعد ذلك القرار 1595 بتشكيل لجنة التحقيق الدولية، والمواكبة الدولية لعملية إجراء الانتخابات النيابية بدون وجود وتدخل سوريَيَن، بالرغم من أن تدخلات سورية حصلت في هذه الانتخابات فيما بعد.
ما المقصود قوله من خلال هذه المقدمات؟
المقصود قوله هنا بالتحديد، هو أن الإنجازات الاستقلالية والسيادية والديموقراطية، ما كانت لتتحقق بالعامل اللبناني الذاتي وحده، فهذا العامل ضروري لكنه غير كاف. لم يكن النظام السوري ليذعن لمطالب اللبنانيين لولا الضغط العربي والدولي. وفي الوقت نفسه، ما كان الضغط العربي والدولي ليَحصل لولا وجود أكثرية لبنانية "واضحة".
واليوم أيضاً، يجب أن يقال أن العامل اللبناني الذاتي هو الذي يستدعي موقفاً عربياً ودولياً، وليس العكس.. أي أن المشهد المليوني في 14 شباط ليس استجابة لمعطيات خارجية وإلا ما كان حصل أصلاً. وعلى أي حال، ليس سراً ولا "تآمراً" القول أن المعطيات الخارجية لا تزال تحسم في وجهة الأوضاع في لبنان. هكذا كان الأمر قبل الطائف، وهكذا كان الطائف نفسه وليد معطى عربي ـ دولي بالدرجة الأولى، وهكذا كان حال "الرعاية السورية" التي تقررت بمعطيات خارجية عربية ـ أميركية ـ دولية، وهكذا اضطر النظام السوري الى الانسحاب من لبنان.
التوازي بين العامل الداخلي والعامل الخارجي
تستند قوى 14 آذار في تركيزها على أولوية إسقاط لحود إذاً، الى "المنطق" أي إلى "الحجة"، وإلى توازن القوى السياسي ـ الشعبي الذي أعاد مشهد ساحة الحرية في 14 شباط تظهيره، والى أفق مفتوح لتنامي التوازن السياسي ـ الشعبي، وإلى دعم خارجي عربي ودولي هو نفسه يستند الى إرادة أكثرية لبنانية كبيرة. فمن يتصور أن في وسع اللبنانيين وحدهم سحب المخابرات والشبكات الإرهابية السورية وعمليات تهريب الأفراد والأسلحة عبر الحدود، يخطئ.. تماماً كما يخطئ من يظن أن على اللبنانيين أن يرضخوا لهذا الواقع ويرفضوا المساندة العربية والدولية في هذا المجال. كذلك، فمن يتصور أن في وسع اللبنانيين وحدهم وقف التدخلات السياسية السورية الهادفة الى إسقاط الإنجازات المتحققة يخطئ أيضاً. فهذه مسألة إرادة وطنية صرفة تدعمها إرادة عربية ـ دولية.. وأن يتزامن تظهير العامل اللبناني الذاتي مع تصاعد المواقف الدولية الداعمة للبنان ولمطلب إسقاط لحود، أمرٌ لا يدعو إلى "الخجل" البتة.. وذلك إلى أن يستعيد لبنان داخله بالكامل عبر عملية تاريخية معقدة.
النظام السوري وحلفاؤه.. والمساومة بعون على لحود
والغريب فعلاً أن يُحكى عن انقلاب تُعدّه قوى 14 آذار فيما أوراقها مكشوفة، فهي لا تستر الهدف ولا تستر الحيثيات، ولا "تُعمي" الوقائع والمعطيات التي تستند إليها. ويزداد الأمر غرابة متى كان معلوماً أن الانقلاب سوريُّ المصدر، وجرى إحباطه في 14 شباط، وإعادة الأمور إلى نصابها.
أكثر من ذلك، ليس خافياً أن النظام في دمشق عرض مساومة يبدي من خلالها استعداده لـ"دفع" رأس لحود في مقابل مجيء العماد عون الى الرئاسة بديلاً منه. وأعطى النظام في سوريا كلمة السر الى حلفائه وبقاياه في لبنان لـ "مبايعة" عون، وهل من دليل أكبر من ذلك الاستنفار الموالي لدمشق في "خدمة عون" وإعلان الاستعداد لـ"التضحية" بلحود، فقط إذا كان عون هو البديل؟
حتى لحود نفسه، فقد ذكرت المعلومات أنه عرض الاستقالة من الرئاسة بشرط حصول اتفاق على بديل منه، ولم يخف أن عون هو "الخيار المفضّل"
أمّا عون فكان كلامه العلنيّ الإثنين الفائت واضحاً بالرغم من "الصخب" و"النرفزة" والتهديد: أنا وحدي من يقصّر معاناتكم من لحود فاتفقوا عليّ رئيساً. وما قاله سليمان فرنجيّة وطلال ارسلان ووئام وهاب يكمل ما قاله عون: اتفقوا على الجنرال، ولحود سيستقيل فوراً ونحن نضمن ذلك (!).. أي إنّ مسألة لحود يقررها بشّار الأسد في لحظة.
أمّا تهديد "حزب الله" بالويل والثبور وعظائم الأمور في حال حصل تحرك جماهيري ضدّ لحود أو باتجاه القصر الجمهوري، فهو مثير للقلق فعلاً. هو يتهم معظم قوى 14 آذار باعتماد خطاب حرب أهليّة فيما حليفه ومرشحه الرئاسي عون "يساير" هذا التوصيف بالرغم من اعتباره أنّ الموضوع هو صراع على السلطة، وذلك في وقت يحذر هو من أن النزول إلى الشارع لن يكون مأموناً، يتهم فرقاء 14 آذار بمشروع حرب أهليّة ويصف أحد أبرز قيادييه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط بأنه من حزب "كاديما" الاسرائيلي. يتهم 14 آذار بالعمل وفق أجندة خارجيّة ولا يقول شيئاً عن التدخل الايراني في إعلان دعم لحود في كلام لوزير الخارجيّة الايراني منوشهر متّكي. ويتهم 14 آذار بالاستقواء بالموقف الخارجيّ في وقت يعلن التحالف مع دمشق وطهران.
التفاهم يغدو ممكناً عندما لا يكون "على شروطهم"
إن قوى 14 آذار واجهت انقلاباً عليها قبل 14 شباط. وهي تُهدَّد اليوم بمنعها من استخدام وسائل الصراع السلمي الديموقراطي، فمن يا تُرى هو "الانقلابيّ"؟
وعلى كلّ حال، ستمضي قوى 14 آذار في عمليّة تعزيز توازن القوى القائم. وهي تعلن أنّها مستعدة لـ"التفاهم" مع الآخرين حرصاً على الشراكة الوطنية، لكن ليس على شروطهم. وعندما يقتنع هؤلاء بأن بشار الأسد وُضِع عربياً ودولياً في دائرة "الإفهام" بأنه لن يستطيع مواصلة سياسته في لبنان، وبأن لا تفاهم سورياً ـ دولياً حول الرئيس المقبل، لعلّهم يقتنعون عندئذ بأن المطلوب هو العودة إلى العلاقة الجديّة بقوى 14 آذار. وعندما "يستوعب" الجنرال عون حقيقة أن الموقف الدوليّ سلبي من أن يكون هو رئيساً للجمهوريّة، وأن الرئيس المقبل ليس تقاطعاً سورياً ـ أميركياً، وأن الرئيس المقبل ينتجه توازن قوى لبناني مدعوم دولياً، لعله إذ ذاك يراجع حساباته.
هؤلاء يستطيعون التأخير ربما، لكنّهم لن يستطيعوا منع استكمال مسار التغيير. وأوراق الرهان لدى قوى 14 آذار مكشوفة تماماً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00