8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قوى 14 آذار: إسقاط إميل لحود قبل الحوار ومستقلّ عنه

بعدَ الاجتماع الموسّع في البريستول مساء أول من أمس، لم يعُد إسقاطُ رئيس الجمهورية إميل لحود أولوية "نظريّة" بل باتَ عنواناً مطروحاً للتنفيذ "العمليّ"، أي أنه غدا عنواناً داهماً.
ووضعت قوى 14 آذار موضوع الرئاسة في إطار "المعركة الأم"، أي معركة استكمال الاستقلال والسيادة واستعادة القرار الوطني الحرّ، كما وضعته في سياق معركة بناء الدولة، الأمر الذي يستدعي استلام السلطة بالكامل من جانب الأكثرية. وبكلام آخر، إن انتفاضة الاستقلال والحرية التي تمكّنت في العام الماضي من استعادة "السيادة الجغرافية" تخوض اليوم معركة "سيادة المؤسسات" الدستورية.
وفي اجتماع البريستول، كانت مجموعةٌ من الإشارات والمعطيات اللافتة.
فإذا كان صحيحاً جداً أن إسقاط إميل لحود ينطلق من "قاعدة صلبة" تتمثّل في أكثرية نيابية من 71 نائباً ومن ثلاثة تكتّلات رئيسية هي "تيّار المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" و"القوات اللبنانية"، فالصحيح أيضاً أن موافقة أركان "لقاء قرنة شهوان" السابق على هذا العنوان ـ الأولوية تعكسُ موقفاً إيجابياً من البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير حيالَ إنهاء ما تبقى من الولاية الممدّدة للحود. وكانت الإشارة في البيان الى أن معركة استرجاع الاستقلال والسيادة بدأت مع النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة في أيلول من العام 2000، معبّرة جداً في سياقها.
البطريرك: الانتهاء من لحود.. بلا أثمان "عالية"
لقد أعطى البطريرك صفير خلال الشهور الماضية مؤشرات عدة الى موقفه السلبي من بقاء لحود في بعبدا، ونصح لحود في العلن كما في السرّ بالاستقالة، وتناول مرات عديدة واقع مقام الرئاسة، واعتبره معطَّلاً، ومعطِّلاً لدور المسيحيين في الشراكة الوطنية، أي لدورهم في صيغة الطائف. إلاّ أن البطريرك الموافق على مغادرة لحود بعبدا، كان يبلغُ من يعنيهم الأمر حرصه على أن تكون إقالة الرئيس الممدّد له، من ضمن آلية دستورية ـ قانونية لأنه كان ولا يزال يخشى من أي انزلاقات قد تقود إليها عملية التغيير في بعبدا، إن هي توسّلت المواجهة السياسية ـ الشعبية. وبصراحة، فإن البطريرك ما فتئ يكرّر أمام زوّاره سؤالاً مركزياً: ماذا لو أطلقت جهات مسلّحة النار على أي مسيرة الى بعبدا تطالب لحود بالتنحّي؟ أين سيصبح موضوع ذهاب الرئيس في مثل هذه الحال؟
من هنا، فإن موافقة أركان "لقاء القرنة" السابق على إقالة لحود وربطها بالنداء الأول للمطارنة عام 2000، تعكس موافقة بطريركية على التغيير الرئاسي، وإن كانَ البطريرك لا يزال بحاجة الى ما يطمئنه في ما يتعلق بالآلية العملية.. وطمأنتُه ليست مستحيلة.
إذاً، إن اجتماع قوى 14 آذار في البريستول يستطيع القول أن مطالبته برحيل لحود تنطلقُ من "قاعدة صلبة" من ضمنها ما يمكن تسميتُه اصطلاحاً "التيّار البطريركي" الذي يراعي حساسية الأسئلة التي يطرحها البطريرك بشأن الآلية. ولذلك تحدّث البيان عن معركة دستورية ـ قانونية بالدرجة الأولى، على أن تكون الخطوات الشعبية لـ"دعم" المعركة الدستورية.
عريضة من نواب في مجلس الـ2000 تطعن بالتمديد
وفي مجال هذه المعركة، طُرحت في اجتماع 14 آذار مجموعةٌ من الاقتراحات. فهناك العريضة النيابية التي يوقعها نواب كتل الأكثرية وتقدّم الى رئيس المجلس النيابي. وهناك الآلية القانونية التي سيبتّها سريعاً النواب الحقوقيون. لكن ثمة خطوةً تدعم هذا التحرك الدستوري، سيتمّ إطلاقها قريباً. وتقضي هذه الخطوة بأن يوقّع عددٌ كافٍ من النواب أعضاء المجلس النيابي السابق عريضةً تشرح الضغوط التي تعرّضوا لها من قبل النظام الأمني السوري ـ اللبناني في صيف العام 2004 لإجبارهم على التمديد لإميل لحود، بما يؤكد أن التمديد تمّ بالقوة والإكراه. وتكون هذه العريضة بمثابة طعن بالتمديد ليس فقط لأنه فُرض فرضاً بل لأنّ أكثرية الثلثين اللازمة لإقرار قانون التمديد، لم تكن موجودة فعلياً آنذاك، وبالتالي فإن التمديد باطل شرعياً ودستورياً.
بصيغة أخرى، إن أولوية إسقاط لحود سوف تُعطي أهمية للجانب الدستوري ـ القانوني في الفترة المباشرة، لكن لا يخفى أن التركيز لا يمكن أن يكون إلا على وسائل الضغط الشعبي، في فترة الاقتراب من الذكرى السنوية الأولى لانتفاضة 14 آذار.
الحوار: إسقاط لحود شرطٌ لازم
وتوقف المجتمعون في البريستول أول من أمس عند النقطة المتعلقة بالحوار مع الآخرين. وقد عبّر كثيرون في الاجتماع عن مخاوف من حوار ذات طابع "استيعابي"، أي حوار بهدف الالتفاف على استعادة قوى 14 آذار للمبادرة السياسية. فمن وجهة نظر الكثيرين في الاجتماع وفي مقدّمهم رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط، أن التأخير في الدعوة الى الحوار منذ أن أطلق الرئيس نبيه بري مبادرته في هذا المجال وحتى الآن، لم يكن "بريئاً"، بمعنى أنه كان ثمة انتظارٌ ما في مكان ما لتبدّل الظروف والموازين، بحيث يحصل الحوار في مناخ توازن مختلف، وعليه، فإن وجهة النظر هذه تقول بـ"فصل" عنوان إسقاط رئيس الجمهورية عن الحوار، أي فصل عملية استكمال استعادة السلطة عن الحوار واعتبارها عملية مستقلّة أو مساراً مستقلاً. وبكلام آخر، أقرّ المجتمعون بصوابية وجهة النظر هذه التي تقول عملياً أن رحيل إميل لحود من بعبدا غير قابل للمساومة، لا بل أن الاتفاق على إنهاء ولاية لحود هو المقدّمة للحوار في عناوين أخرى، لا بل أنه نوع من الشرط اللازم لاستقامة الحوار.
هل هذا يعني أن أكثرية 14 آثار تعتبر أنها ليست بحاجة الى تأييد الآخرين لإسقاط لحود، خصوصاً أن النصاب القانوني لقانون دستوري يقصّر ولاية لحود يحتاج الى انضمام إحدى كتل "التنمية والتحرير" أو "الوفاء للمقاومة" أو "التغيير والإصلاح" إليه؟
طبعاً لا، تجيب مصادر في 14 آذار. لكن المطلوب من وجهة نظرها أن تفتحَ هذه الكتل سبيل الحوار بـ"شلح" موضوع لحود، وأن تبدي استعدادها لتسويات جدية من خلال الحوار عبرَ السير بإجراءات إنهاء ولاية لحود، ولا داعي لأن يكون إنهاء الولاية الممدّدة بنداً على طاولة الحوار علماً أن بري لم يدرجه أصلاً في الحوار العتيد.
دور سعد الحريري
ولأن لا نيّة لدى قوى 14 آذار لـ"قطيعة" مطلقة، فقد أعطي زعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري تفويضاً بالقيام باتصالات مع كلٍّ من الرئيس بري والسيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون بهدف استكشاف آفاق المرحلة المقبلة وإمكان الاتفاق الجماعي على ترحيل لحود، أي حوار حول كيفية رحيل لحود وليس على المبدأ.
هكذا إذاً، تفرضُ أولوية إسقاط رئيس التمديد مجموعةً من الخطوات: البدء بالجانب الدستوري ـ القانوني على النحو المشار إليه آنفاً، اعتبار هذه الأولوية غير قابلة للمساومة واعتبارها إشارة حسن نيّة من الآخرين وإشارة استعداد لـ"تسوية" جدية وحقيقية، ربطُ انطلاق الحوار العام بهذه المسألة، وتفويض سعد الحريري بمهمة الاتصالات.
رحيل لحود قضية مسيحية.. ثم لبنانية
لقد طُرحت في اجتماع البريستول أول من أمس مجموعة من الاقتراحات في مجال التحرك الشعبي ـ السياسي الداعم للمطالبة برحيل لحود، وذلك من منطلق "إدخال" اللبنانيين شعبياً في هذه المعركة، وأخذاً في الاعتبار تجارب "تاريخية" في هذا المجال. ويعتبر المجتمعون أنه إذا كانت هواجس البطريرك صفير في محلّها، فإن البديل ليس الاستغناء عن التحرّك الشعبي إنما دراسة خطواته بدقّة. وأكثر من ذلك، فقد أثبتت تطوّرات الأيام الأخيرة، لا سيما في 14 شباط يوم الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري والولاء للبنان، أن إنهاء الولاية الممدّدة للحود بقدر ما هي قضية "لبنانية" عامة متّصلة باستكمال تحرير المؤسسات الدستورية من نظام الوصاية السورية، إنما هي أيضاً وقبلَ أي شيء آخر قضية المسيحيين في لبنان. وعندما قال سمير جعجع في خطابه في ساحة الحرية أن "الرئاسة لنا وسنستعيدها" فإنه قصدَ أن الرئاسة من حق قوى 14 آذار عموماً ومسيحيي 14 آذار خصوصاً، فكان تأييد مسيحي شعبي وسياسي لهذا الكلام. وعندما قال للصحافيين لدى مغادرته اجتماع البريستول أن لا خوفَ من فراغ دستوري في موقع الرئاسة لأن الفراغ في هذا الموقع حاصلٌ الآن ولا بد من ملئه بحيث تستوي توازنات الصيغة، فإنه عبّر عن حساسية مسيحية.
التحرّك الشعبي "المتدرّج".. حتى 14 آذار
إذاً، ولأن قوى 14 آذار متسلّحة بالزخم الشعبي الذي لولاه لما كانت تستطيع الإقدام في هذا المضمار، ولأن قوى 14 آذار تعي اليوم أنها أخطأت في 14 آذار 2005 بعدم ترحيل لحود ما أدى الى تمديد المعاناة اللبنانية سنةً إضافية، وأنها لا تستطيع تكرار الخطأ لأن شعب 14 آذار لن يمنحها فرصة ثالثة (كانت الثانية في 14 شباط 2006)، ولأن قوى 14 آذار المسيحية تستطيع أن تقول أمام الملأ أن مسلمي 14 آذار ليسوا في وارد مصادرة الموقع الذي يعود للمسيحيين في نظام الشراكة الوطنية بل أن ما يسيء المسلمين هو هامشية موقع الرئاسة في ظل استمرار لحود في بعبدا، ولأن 14 آذار 2006 على الأبواب ويجب أن تُعطي قوى الانتفاضة أفقاً مفتوحاً في وقت لا يزال الطامحون الى الانقلاب على 14 آذار مستمرّين في محاولاتهم الانقلابية.. فلا مفرّ من تحرّك شعبي متدرّج بحيث يكون 14 آذار 2006، أي الشهر المقبل، محطّة كبيرة على طريق إسقاط لحود، مع التذكير بأن بيان البريستول جعلَ من 14 آذار 2006 موعداً مفصلياً له ما بعدَه.
المسارات المتكاملة
وفي مثل "الثورات" التي تشبهها "ثورة الأرز"، لا يمكنُ الفصلُ بين المسارات السياسية والشعبية والقانونية، وإلاّ تسقطُ "الثورة" في فخّ خوفها من الإقدام، فتخدم "الثورة المضادّة". وتجربة العام الماضي خير شاهد على ذلك على كل حال. وفي وضع كالوضع اللبناني، من البديهي أن يكون المسيحيون في مقدّم "الثورة على القصر" وهم كذلك فعلاً. وليتذكّر الجميع، أن مشهد 14 شباط 2006 أعاد المبادرة الى قوى الانتفاضة باعتراف "الخصوم" قبلَ غيرهم.. ولم يعُد شعب 14 آذار يرضى من قيادته غير الاستمرار في المبادرة والإقدام، ولا بد من برنامج خطوات عملية على المستوى الشعبي تتوّج في 14 آذار المقبل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00