خلال الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الى الرياض قبل أيام قليلة، لم يأت قادة المملكة العربية السعودية لا سيما خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ووزير الخارجية الأمير سعود الفيصل على ذكر أي مبادرة، لا في معرض الحديث عن المرحلة السابقة ولا في الإشارة الى المرحلة المقبلة. وهذا ما حدا بالرئيس السنيورة في ختام محادثاته الى إعلان أن ليس ثمة مبادرة "الآن".
وأكثر من ذلك، وإذ فهم رئيس الحكومة والوفد الذي رافقه أن لا مبادرة سعودية في الوقت الحاضر، فهم أيضاً من بعض الإشارات السعودية أن لا مبادرة مصرية كذلك، خاصة عندما قيل له أن ثمة تنسيقاً سعودياً ـ مصرياً، ولو كان لدى مصر "شيء" محدد الآن لكان تم التنسيق بشأنه.
دعم سعودي لاستقرار التغيير اللبناني
هذا ما تقوله مصادر حكومية متابعة للحركة العربية، تلفت في المقابل الى أن السنيورة تبلغ من قيادة المملكة موقفاً واضحاً في اتجاهات عدة. تبلغ رئيس مجلس الوزراء من الملك عبد الله والأمير سعود أن المملكة ستلبي طلبات لبنان عاجلاً. والطلبات تحدّدت بدعم المناطق المحرومة في لبنان، وبتعزيز القوى الأمنية اللبنانية تجهيزاً وتدريباً، وبرعاية ملف ترسيم الحدود، والضغط دولياً من أجل وقف الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وانسحاب إسرائيل من الأرض اللبنانية التي لا تزال تحتلها.
وتبلغ السنيورة أن المملكة مهتمة ومعنية باستقرار التغيير الذي جرى في لبنان خلال العام المنصرم، وبأن تتمكن الحكومة من رعاية السلم الأهلي ومن متابعة العملية الإصلاحية. وتبلغ ايضاً أن المملكة تدعم السير في تنفيذ اتفاق الطائف الذي لا تزال تعتبر أنه الضمانة للاستقرار اللبناني الداخلي من ناحية، والناظم لعلاقات لبنان عربياً ودولياً من ناحية ثانية. وذكرت المصادر الحكومية، أن الجانب السعودي أبلغ الجانب اللبناني ان ما أُنجز في لبنان حتى الآن ليس كافياً، وأنه حثَّ الحكومة على العمل لترتيب الوضع اللبناني وتحصينه، مع التشديد من جانب المملكة على الاستقرار اللبناني وعلى العلاقات الطبيعية بينه وبين جواره العربي.
وتلخص المصادر نفسها الحصيلة بالقول أن لا مبادرة سعودية حالياً في مقابل كل الدعم السعودي للحكومة اللبنانية. وتضيف أن "المملكة كانت دائماً داعمة للبنان وراعية له، وهي بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري قدمت دعماً كبيراً للوصول الى التحقيق الدولي، ولتحقيق توافق كبير بين اللبنانيين". وتلفت إلى أن "المملكة، والملك ووزير خارجيته خاصة، تدخلت عند محطات كثيرة في العام 2005 لصالح لبنان".
إصرار دولي على الـ 1559 بمفهوم "سيادة الدولة"
لا مبادرة سعودية أو سعودية ـ مصرية إذاً.. وذلك "معطى" يجب أخذه في الاعتبار.
في هذه الأثناء، ومن جهة أخرى، تؤكد مصادر ديبلوماسية غربية أن ثمة إرادة دولية بإبقاء لبنان في الأولوية ودعمه. وتشير إلى أن ثمة تفهماً دولياً، أميركياً وفرنسياً بشكل خاص للحوار اللبناني، واستعداداً لإعطائه فرصة "كافية"، لكن مع الإصرار على أن يتم تنفيذ القرار 1559، والحرص على ألا "تضرب" الأكثرية هذا القرار.
وفي تدقيق في "المنطق" الغربي خلف الإلحاح على تنفيذ القرار 1559، يتبين أن المسألة الجوهرية من وجهة نظر "المجتمع الدولي" تتعلق بـ"سيادة الدولة واستقلالها"، أما موضوع السلاح فهو تفصيل متفرع من عنوان عام هو "سيادة الدولة". وفي هذا الإطار، فان الدعم الدولي للبنان هو في العمق دعم لـ"الدولة" في لبنان و"سيادتها"، وهذا ما ينطبق على كافة بنود القرار بدءاً من البند المتعلق بالانسحاب السوري "الكامل" من لبنان وصولاً الى بند "سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية" مروراً بالبند المتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية وفقاً للدستور وبحرية.
المحكمة الدولية قبل انتهاء مهمة براميراتس
وتلفت المصادر الديبلوماسية الغربية الى أن لا تساهل دولياً حيال القرارات 1595 و1636 و1644، وأن هذه القرارات ستتابع حتى النهاية وصولاً الى المحكمة الدولية، مع تشديد دولي على أن أهم ما في مسار التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هو محطة انشاء المحكمة الدوليّة، لا بل إنّ ثمّة حرصاً دولياً على أن تكون المحكمة الدوليّة قد شُكلت قبل انتهاء فترة انتداب المحقق الدولي سيرج براميرتس في حزيران المقبل.
على هذه الخلفيّة، أي الإصرار على تنفيذ القرار 1559 من جهة وعلى السير حتّى النهاية في القرارات المتعلقّة بالتحقيق الدوليّ من جهة أخرى، تؤكد المصادر الديبلوماسيّة نفسها أنّ الاستحقاقات الدوليّة لصالح لبنان سواء تحرك المبعوث الدوليّ تيري رود لارسن لمراقبة تنفيذ الـ 1559 أو مجريات التحقيق الدوليّ أو مؤتمر بيروت ـ 1، يجب أن تمرّ، من دون أن تشعر دمشق ولو للحظة واحدة أنّها قادرة على الخروج من "الشِّباك" التي ضُربت حولها.
التقارب الغربيّ ـ العربي تحت مظلّة القرارات الدوليّة
ولذلك، ثمّة إصرار دوليّ على الدور المركزيّ لمجلس الأمن في "رعاية" المرحلة اللبنانيّة الراهنة ـ المقبلة. ومن هذا المنطلق، ثمّة حرص دوليّ، أميركي ـ فرنسيّ خصوصاً، على وجود تقارب غربيّ ـ عربيّ، أي مقاربة غربيّة ـ عربيّة مشتركة للوضع في لبنان. ويعتبر الجانبان الأميركي والفرنسي أنّ بروز أيّ "تمايز" ولو جزئيّ في الموقفين الغربيّ والعربيّ، من شأنه أن يعطي دمشق إشارة خاطئة.
وفي هذا المجال، تلفتُ المصادر الديبلوماسيّة الغربيّة إلى محطّة مهمة في التنسيق الغربيّ ـ العربيّ، تتمثل في الزيارة التي يقوم بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى المملكة العربيّة السعوديّة خلال شهر آذار المقبل.
هكذا إذاً، يبدو لبنان الآن مقيماً بين "حدّين": لا مبادرة عربيّة الآن في مقابل "تصعيد" دوليّ للمواقف الضاغطة لصالح لبنان. وآخر هذه المواقف ما صدر عن الإدارة الأميركيّة وعن وزيرة الخارجيّة كوندوليزا رايس تحديداً بشأن رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة، ومعنى "الحدّين" المشار إليهما، هو أن الموقف العربيّ، السعوديّ والمصريّ، لا يرى أفقاً في الوقت الحاضر لـ"تجاوب سوريّ" مع ما هو مطلوب من سوريّا لبنانياً ودولياً من جهة، وأنّ الموقف العربيّ يقعُ تحت سقف موقف المجتمع الدوليّ من جهة أخرى.
14 شباط: إعادة تظهير العامل اللبناني
وفي مثل هذا الظرف الخارجيّ عربياً ودولياً، كان على لبنان ان يعيد تظهير العامل الداخليّ الذاتيّ لمواكبة هذه التطورات الخارجيّة ولإثبات تمسكه بالتغيير والسير به إلى نهاياته.. أي إعادة تأسيس الدولة على قاعدة اتفاق الطائف.
من هنا، يصحّ القول أنّ المشهد المليونيّ في ساحة الحريّة في 14 شباط، كان بمثابة استعادة للمبادرة من جانب قوى 14 آذار، وبمثابة إعادة تظهير للتوازن السياسيّ أي للعامل اللبناني الذاتي في موازاة عودة التقارب الغربيّ ـ العربيّ حول لبنان. ويبدو مهماً جداً أن تأخذ قوى 14 آذار "نفساً" متجدداً.
التحقيق الدوليّ. في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ماضٍ إلى نتيجته المنطقيّة أي المحكمة الدوليّة، وله مساره القائم بذاته المحدّد بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن. والقرار 1559 لاسيّما ما يتعلّق بالانسحاب السوريّ "الكامل" وما يتصل برئاسة الجمهوريّة، هو تحت عناية المجتمع الدوليّ. يبقى المطلوب أن تسيطر قوى 14 آذار على السلطة أو أن تستكمل سيطرتها عليها، أي إسقاط إميل لحود. وبكلام آخر، ثمّة ما هو في يد المجتمع الدوليّ، لكن ثمّة ما هو في يد اللبنانيين.
إسقاط لحود واستلام السلطة
وإسقاط رئيس الجمهوريّة، إضافة إلى كونه الحلقة المركزيّة في عمليّة استلام السلطة بالكامل وفي الشروع بتطبيق الطائف وتأسيس الدولة، يجب أن يتمّ في غضون أسابيع لأن المشهد المليونيّ في ساحة النجمة أعطى قوى 14 آذار تفويضاً شعبياً كبيراً للسير بهذه المهمة. وأكثر من ذلك، إذا كان للحوار الوطنيّ أن يحصل، خصوصاً بعد إعلان الرئيس نبيه برّي عزمه على الدعوة إلى الطاولة المستديرة نهاية الشهر الجاري ومطلع الشهر المقبل، فيجب أن يكون إسقاط رئيس الجمهوريّة خارج طاولة الحوار ومن يرغب في الانضمام الى معركة إسقاطه من خارج 14 آذار فليفعل. فلا سبيلَ إلى تلمّس بداية الخروج من الأزمة إلا بإسقاط لحود.. ولا يجوز لقوى 14 آذار أن توافق على ما يؤدّي إلى إجهاض هذه الأولويّة التي تعني تحرير المؤسسّات الدستوريّة من بقايا حقبة الوصاية السوريّة على لبنان، لأن تأسيس الدولة لا يمكن أن يحصل في ظلّ بقاء لحود في بعبدا.
وفي هذا الحوار، لا بد أن يدرك العماد ميشال عون و"التيّار الوطني الحرّ" أن مواصلة سياسة حماية موقع إميل لحود، لم تعُد تجدي، وأنهما يجازفان بـ"الانعزال" عن الحركة الاستقلالية، خصوصاً أن إميل لحود لن يستطيع البقاء في القصر الجمهوري. وكذلك، لا بد أن يدرك "حزب الله" أن واحداً رئيسياً من أسباب أزمة علاقته بقوى 14 آذار كافة، هو استمراره في تغطية لحود.. لا بل إن تغطيته للحود هي التي تثير علامات استفهام حول سياسته في جوانب أخرى، مع العلم أن "حزب الله" وفي "عزّ" انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005، وقبلَ الانتخابات النيابية أبدى في "حواراته التفاوضية" مع أركان من الانتفاضة، استعداده لـ"بيع" لحود، لا بل كال له أوصافاً غير حميدة، وهو كان موافقاً في ذلك الوقت على انتخاب رئيس آخر في المجلس النيابي السابق، وقيلَ أنه سعى لدى دمشق لحصول انتخاب لرئيس جديد، ولم ينجح مسعاهُ آنذاك.
إذاً، بعد 14 شباط حيثُ المشهد المليوني، وفي ظل المعطيات الخارجية، العربية والدولية، ثمة فرصةٌ لـ"إقناع" العرب، بمساعدة لبنان على إنهاء ولاية لحود، كما ثمّة فرصة لمواصلة المبادرة، بدءاً من إسقاط لحود بتحرّك يزاوج بين السياسي ـ الشعبي وبينَ الدستوري ـ القانوني، كي تقوم سلطة الأكثرية فعلاً بما هي سلطة الشراكة الوطنية، بحيث يستعيد المسيحيون الرئاسة عنوان مساهمتهم في هذه الشراكة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.