8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إنذارٌ جماهيري لإميل لحود بمغادرة بعبدا قبل 14 آذار

لم يُخلف اللبنانيون الموعد أمس مع الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري بطل استقلالهم الثاني فـ"أعطوا" في ساحة الحرية مشهداً مليونياً أروع من مشهد 14 آذار. اختزنوا خلال الشهور الماضية الغضب حيال المخطط التخريبي للنظام المخابراتي السوري وحلفائه وأدواته وشبكاته، ففجّروا هذا الغضب في يوم 14 شباط، فجّروه انتفاضة جديدة تعلن استمرار معركة استقلال لبنان وحريته، معركة بناء الدولة في ظلّ اتفاق الطائف والنظام الديموقراطي.
ردّ على بشار
هذا المشهد المليوني المتجدّد أتى رداً على رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي "تجرّأ" يوماً وقال أن الحركة الاستقلالية اللبنانية تمثّل أكثرية عابرة، وتجرأت صحافته (!) فسارعت مدفوعةً بأوهام النظام الى نعي 14 آذار وقوى 14 آذار. وأتى رداً على افتراض النظام في الشام أنه نجح في كسر التوازن اللبناني الحاضن للاستقلال وأن الوصاية عائدة من جديد عبرَ انقلاب سياسي داخلي مدعّم بالفوضى والتخريب والاغتيال.
.. وعلى نصرالله
وهذا المشهد المليوني أتى رداً على الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي أخطأ الحساب السياسي إذ اعتبر أن الحركة الاستقلالية اللبنانية لا تعدو كونها أكثرية وهمية. وأخطأ نصرالله أيضاً إذ افترض أن التحالف بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" قلبَ المعادلة السياسية اللبنانية فراحَ يدعو من سمّاها أكثريةً وهميةً الى قراءة المعطيات "الجديدة". وهذا المشهد المليوني المتجدّد أتى يشكّل صدمةً على الأرجح للعماد ميشال عون الذي توهّم أنه يستطيع أن ينقل الشارع الى حيث يكون هو. والمشهد المليوني أتى يعلن بوضوح أن ميزان القوى السياسي ـ الوطني لا يزال حيثُ كان في 14 آذار 2005، بل أنه إذا اُخذت في الاعتبار الظروف التي تمّ من ضمنها إحياء ذكرى استشهاد الرئيس الحريري، يمكن القول أن التوازن عاد ليميل أكثر فأكثر ناحية قوى 14 آذار.. أي أن "القوة الشرائية" للرصيد الشعبي ـ السياسي ارتفعت.
رسالة شعبية ترفع المعنويات وتكرّر الفرصة التاريخية
على أن الأهم، هو أن المشهد المليوني المتجدّد في 14 شباط 2006، جاءَ يوجه الى قوى 14 آذار رسالةً قوية في اتجاهات عدّة:
في الجانب الأول، هي رسالة رفع معنويات، في وقت لا شك أن البلد ككلّ وقوى 14 آذار تحديداً، بحاجة الى معنويات كان كل همّ النظام المعادي توجيه ضربة إليها.
وفي الجانب الثاني، هي رسالة تقول أن شعب 14 آذار يجدّد الفرصة أمام قيادة الانتفاضة الاستقلالية كي تستكمل مهمّاتها وإنجاز ما يبقى ـ وهو كثير ـ من برنامجها. لقد قيلَ على امتداد الشهور والأسابيع الماضية أن 14 آذار 2005 كان فرصةً تاريخية لن تتكرّر، وأن قوى الانتفاضة لم تُحسن استثمار هذه الفرصة التاريخية. والآن ثمة فرصة ثانية، وهذا أمر لا يتكرّر كثيراً في تاريخ الشعوب.
إسقاط لحود
وفي الجانب الثالث، هي رسالةٌ شعبية قوية لقوى 14 آذار بأن تخوض معركة إسقاط رئيس الجمهورية وإخراجه من بعبدا، وبأن المراوحة تحت عنوان الآلية القانونية والتوافقات اللازمة لإسقاطه لم تعد مقبولة.
أمس، ذكرت معلومات أن إميل لحود قال أمام زوّار ـ على نُدرتهم ـ أنه باتَ مستعداً للاستقالة "عندما يتّفق الآخرون على البديل".
وفي تحليل لهذه المعلومات، أبدت أوساطٌ متابعة اعتقادها أن لتوصّل لحود الى هذا "الاستعداد" أسباباً عديدة: ثمّة من ربطَ بينَ الاستعداد للاستقالة لديه وبين "التغييرات" الجزئية الأخيرة في النظام السوري، وثمّة من اعتبر أن هناك تطوّرات مرتقبة على صعيد التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد يحاول النظام السوري الاتّقاء منها بوسائل تغيير "بدائي" كصعود فاروق الشرع "الى تحت" اكتساباً لما يفترضه النظام أنه حصانة، وأن لحود يبدي استعداده للاستقالة في السياق نفسه تلبيةً لإشارة من دمشق التي "تحاول" أن تقول أنها مستعدة لـ"التخلّي" عنه.. وثمّة من رأى أن في الأمر تكراراً لمقولة سابقة، أي أن تكون استقالة لحود مرتبطة بالبديل، والبديل هنا هو الجنرال عون.
بيدَ أن المعلومات تفيد أيضاً أن الجنرال عون الذي كان "يُراهن" على أن تفرض التطوّرات نوعاً من الاتفاق السوري ـ الأميركي يدفعه الى رئاسة الجمهورية اللبنانية، بات الآن ـ أي عون ـ عارفاً تماماً أن ذلك سراب لأن الموقف الأميركي ليس داعماً لوصوله الى الرئاسة. وثمة من قال أن تحالف عون مع "حزب الله" جاء رداً على الموقف الأميركي منه. وعلى أي حال، سيكون صعباً على الجنرال عدم قراءة ما جرى في ساحة الحرية أمس، حيث كرّس سمير جعجع نفسه "زعيماً مسيحياً أكثرياً"، وحيث أكدت الشخصيات المسيحية "البطريركية" حضورها السياسي ـ الشعبي أيضاً.
وعلى كل حال، وبصرف النظر عن المعلومات، يُفترض بقوى 14 آذار أن تعتبر الحشد المليوني ليوم أمس دعماً كبيراً لها وأن توجه بالاستناد إليه إنذاراً الى إميل لحود بمغادرة بعبدا في الفترة الفاصلة عن 14 آذار 2006، وإلاّ تقرّر تنظيم مسيرة مليونية الى بعبدا في ذلك اليوم.. ولا تسامُح هذه المرة.
دعم للحكومة: على الأكثرية أن تحكم
أما في الجانب الرابع، فهي رسالةٌ الى الأكثرية بأن تحكم، وإلى الحكومة بأنه من غير المسموح استنزافها، ولا بد للحكومة على خلفية هذا المشهد أن تسرّع وتيرة قراراتها في المجالات الوطنية والسياسية والأمنية. ومما لا شك فيه أيضاً أن الرسالة الشعبية هذه "تصحّح" الانطباع الذي حاول بعض حلفاء النظام السوري طبعه في الأذهان بأن حصول الأكثرية على الأكثرية جاء ملتبساً إما بسبب قانون الانتخاب وإما بسبب التحالفات الانتخابية.
وفي الجانب الخامس، هي رسالةٌ بأن أحداً لن يستطيع أن يفرض على قوى 14 آذار قواعد الحوار وشروطه، وبأن الحوار الذي جرى استئخاره لفرض توازن مستجدّ وطارئ عليه، يجب الآن أن ينطلق وفقاً لأجندة أولويات لا بد أن تضعها قوى 14 آذار وأن تطلب بقوّة تفويضٍ شعبي مؤكد التصدّي لها (الأولويات).
وفي الجانب السادس، هي رسالةُ تدعيم للموقف اللبناني في الحوار اللبناني ـ العربي. فـ"شعب 14 آذار" أعلن أمس مطالبَه على مسامع العالم كله. أعلن "شعب 14 آذار" أمس "الأثمان" التي يريدها لدماء رفيق الحريري، وأقل الأثمان "رأس" لحود واستلام السلطة بالكامل.
لو لم يكن المشهد مليونياً؟
على قوى 14 آذار أن تعي تماماً أن "شعب 14 آذار" لن يسامحها إن هي تلكّأت. فيقيناً لو أتى مشهد ساحة الحرية أقل مما كانَ عليه، ولو لم يحضر الشارع اللبناني بكل نبضه وقوّته، لكان البلد شهد انقضاضاً آخر من النظام السوري وحلفائه، وحتى من تحالف عون ـ نصرالله، ولرفعوا عنوان إسقاط الحكومة.. أي لو لم يعطِ "شعب 14 آذار" ما أعطاه مِن دفق، لما كان هؤلاء جميعاً "رحموا" قوى 14 آذار.. ولذلك ثمة فرصة لتنفيذ "الانقلاب الكامل" الذي اُجهض العام الماضي والذي نادى به الزعيم وليد جنبلاط في حينه.
عون: لن يستطيع مواصلة
"الأكل" من رصيده
لكل الاعتبارات السابقة، عادت الأمور أمس الى نصابها الحقيقي.
لن يستطيع أحد أن يدّعي أن المعركة مع النظام السوري انتهت وأن "المسألة السورية" باتت وراءنا.
ولن يستطيع العماد عون أن "يبيع" اللبنانيين أنه ضمير 14 آذار. ولن يستطيع أن ينتقل الى حيث يشاء من دون حساب، خصوصاً عندما ينتقل بشكل من الأشكال الى المحور السوري ـ الإيراني. ولن يستطيع الاستمرار في حجز موقع الرئاسة فإمّا أن يكون هذا الموقع له وإما أن يبقى لحود فيه، لأن تشكيل خط دفاع عن لحود لن يصمد أمام مطالبة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين برحيل لحود، وأمام مطالبة المسيحيين على لسان جعجع باستعادة الرئاسة، خصوصاً أمام اعتبار البطريرك نصرالله بطرس صفير أن الرئاسة هي عنوان موقع المسيحيين في الشراكة الوطنية. ولن يستطيع أن يستمر في "الأكل" من رصيد تيّاره ضدّ النظام السوري وقد وضعته مواقفه امام "13 تشرين" جديد في 14 شباط 2006 ومسيحيي الانتفاضة، كما قال سياسيّ محنّك أمس.
ويُفترض ان السيد نصرالله لا يمكن أن يستمرّ في خطاب "استعلائي" على قوى 14 آذار، أو أن يحسب بأن التضامن الصادق الذي أبدته قوى 14 آذار معه خلال فترة طويلة "واجب" لا تُشكر عليه، أو أن هذا التضامن لا يستدعي تضامناً منه معها ضدّ آلة القتل وأن يستمر رافضاً التعاطي مع تحالف أكثري شعبي، أو أن يمارس استقواءً في وقت يتّهم 14 آذار بالخضوع المزعوم لوصاية أجنبية. فالمشهد المليوني، مشهدٌ لبناني صرف، وجامِع.. كما يُفترض ان يُبدي الحزب استعداده لإتاحة ذهاب لحود على الأقل. فهل يفعل؟
وإذا كان بشار الأسد لن يفهَم المشهد ورسائله، وسيواصل سياسة شراء الوقت و"بيع الماء في حارة السقّايين"، فإن ما ينبغي تأكيده بإصرار هو أن "شعب 14 آذار" الذي عبّر عن وفائه للرئيس الشهيد بأبهى ما يكون الوفاء، هو شعب يحمل قضية الاستقلال لبطل الاستقلال. كلّ ذلك بالرغم من محاولة حملة مضادّة بدأها "نجوم" الحزب "والتيار الحرّ" على التلفزيونات أمس بادعاء انّ بعض الخطب يستحضر الحرب الأهلية. اذ لا يبقى في يدهم سوى "سلاح التخويف" الذي لن يمرّ مرة أخرى.
القضية في 14 شباط 2006
بداهةً أن الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" سعد الحريري أعطى بشجاعته وبعودته وبتأكيده على "القضية" قوة دفع للذكرى. بيدَ أن إرادة الشراكة الوطنية، الإسلامية ـ المسيحية هي التي انتصرت أمس فجعلت أحداث الأشرفية "وراءنا". وفي جميع الأحوال، كانت خُطب قادة 14 آذار مميّزة في تضمّنها "إرشادات" المرحلة.. كما كان حضور "الجماعة الإسلامية"، لافتاً وكلمة رئيس مكتبها السياسي أسعد هرموش مهمة.
يوم أمس كان يوماً آخر.. من أيام ربيع لبنان، أعاد لـ14 آذار مجدَه، ويجب أن يكون له ما بعدَه. أن 14 شباط 2006 كان يوماً آخر من أيام العيش المشترك تحت راية رفيق الحريري.. كان انتفاضة في الانتفاضة كما دعا الشهيد سمير قصير قبل جريمة إغتياله. وعيون قوى 14 آذار يجب أن تبقى مفتوحةً، ومن غير المقبول أن ينام أحد على مجد هذا اليوم، وليس مسموحاً التساهل بعد الآن حيال أي انقضاض سياسي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00