8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تحدّي الانقلاب السوري و"تصحيح" التوازن السياسي.. واستعادة المبادرة

تشكّل عودة زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري إلى بيروت عشية 14 شباط والذكرى السنوية الأولى لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حدثاً سياسياً كبيراً، ليس فقط لأن زعيماً سياسياً بحجمه يعود إلى وطنه بعد "غربة" استمرت نحو سبعة أشهر، بل نظراً إلى المعاني والدلالات العميقة التي تنطوي عليها العودة في السياق واللحظة اللذين تتم فيهما.
تحدّي المعادلة السورية.. وأحداث الأشرفية
فمما لا شك فيه أولاً ان العودة عشية 14 شباط، لقيادة التحضيرات الجارية لإحياء هذه المناسبة والمشاركة فيها، تمثل تحدياً مباشراً لـ"المعادلة" التي فرضها النظام السوري خلال الشهور الماضية وسعى إلى تكريسها، والقاضية بأن الزعيم السياسي إما مقتول وإما مسافر أو "مزروب"، وإما ممنوع عليه مواصلة معارضته لسياسة النظام السوري واتباعه استكمالاً لمعركة الاستقلال والسيادة والحرية، بما في ذلك انه ممنوع عليه أن يكون مطمئناً إلى ان اللبنانيين يستطيعون التظاهر في ذكرى كان لها معنى تأسيسي بالنسبة إلى لبنان ومستقبله.
على ان ذلك على أهميته، يزداد أهمية بعد أحداث بالغة الخطورة شهدها البلد قبل أسبوع، وتمثلت بأعمال الشغب والتخريب المدبّرة من قبل أجهزة المخابرات السورية في منطقة الأشرفية، والتي هدفت إلى تخويف المسيحيين من المسلمين، السُنّة تحديداً، وإلى إفقاد أهل السُنّة والاعتدال ثقتهم بقيادتهم المعتدلة أي "اللبنانية"، وإلى تشكيك المسيحيين وتياراتهم المؤمنة بخط العيش المشترك والملتزمة به، بالتحالف مع تيارات الانفتاح في البيئة الاسلامية، وفي مقدمها "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري. ومن هذه الزاوية، فإن العودة تشكّل رسالة قوية في اتجاهات عدة: باتجاه النظام السوري وأتباعه تفيد ان المخطط التخريبي سيفشل إن لم يكن قد فشل، وباتجاه المسلمين تؤكد ان ما ظهر في الشارع يوم الخامس من شباط لا يمثل الاسلام وقيم المسلمين، ولا يعدو كونه عبارة عن أدوات مخابراتية تنفذ مخططاً عدوانياً ضد البلد ووحدته الوطنية، وباتجاه المسيحيين تشدّد على ان ما بُني خلال الفترة السابقة، لا سيما في العام الماضي، ما جعل الاستقلال عن الوصاية السورية معطى ممكناً وقيد الإنجاز، غير قابل للتدمير.
وإذا كان المعنَيان السابقان: تحدّي المعادلة المفروضة من جانب النظام السوري ومحو أثار عدوان 5 شباط، يرتديان أهمية سياسية ـ وطنية "مباشرة"، أي انهما يتصلان بأحداث راهنة من جهة وبـ"رفع" درجة الاستعدادات لإحياء ذكرى 14 شباط من جهة ثانية، فإن ثمة معاني "كبرى" منظوراً إلى أمر العودة من زاوية سياسية "أشمل" أو "تاريخية".
قريطم بيت الاستقلال الثاني
فغني عن القول في هذا المجال ان "مشهد" قوى 14 آذار كان بحاجة قبل ذكرى استشهاد الرئيس الحريري وأثناءها وبعدها، إلى اكتمال، وهو ما لم يكن ليتحقق في غياب سعد الحريري، أي في غياب قريطم بكل رمزيتها و"فعليتها" عن "الصورة".. في وقت لا يخفى على أحد ان أحد أهداف المخطط المعادي السوري من اغتيال الرئيس الشهيد كان إغلاق قريطم بما تمثله في الماضي، لكن بما تمثله في الحاضر وفي المستقبل أساساً.
وإلى عودة قريطم إلى "الصورة" باعتبار قريطم بيت الاستقلال اللبناني الثاني، والركن الذي بدون حضوره تُصاب معركة استكمال الاستقلال في الصميم، لا شك ان عودة سعد الحريري إلى الوطن في هذه اللحظة بالذات، تعيد التوازن السياسي إلى الوضع اللبناني. وإذا كان صحيحاً في المبدأ ان عودة الزعيم عليه تعني ان الانقلاب لم ينجح، فالصحيح ايضاً ان الحسم بفشل الانقلاب يتطلب تأكيداً لذلك استعادة المبادرة السياسية. وكي تكون "الفكرة" واضحة هنا، لا بدّ من القول أن الانقلاب الذي سعى النظام السوري إلى إنجازه في الشهور الماضية وإلى فرض وقائع سياسية قاهرة، انما استغل عوامل عدة من بينها ان قوى 14 آذار فقدت المبادرة أو بدت متخلية عنها. ولذلك، لم يكن مفاجئاً بالنسبة إلى عدد كبير من المراقبين، ان الانقلاب السياسي الذي حصل ميدانياً يوم الأحد الفائت، جرى تظهيره فعلياً الاثنين الماضي في اللقاء بين العماد ميشال عون والسيد حسن نصرالله.. أي ان هذا اللقاء لم يكن ممكناً عقده وأن يمرّ بلا تداعيات، خصوصاً في البيئة المسيحية، الا في لحظة "ضربة" موجهة إلى قوى 14 آذار، فبدا ان هناك تحالفاً يأخذ المبادرة في لحظة ضعف عند "الآخرين".
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، يبدو من المهم التذكير بأن عودة سعد الحريري إلى بيروت، تشكّل فرصة للقاء قوى 14 آذار على مستوى قيادي "مركزي"، يجري خلاله تقويم المرحلة السابقة وما تخللها من أخطاء أو ثغرات، في سبيل إعادة استكشاف معطيات القوة وعوامل الضعف، وفي سبيل إعادة بلورة عناوين "القضية" وتصحيح المسار. ذلك انها المرة الأولى بعد الانتخابات النيابية الأخيرة وتشكيل الحكومة، التي تكون فيها هذه الفرصة متاحة.
وإلى ذلك كله يضاف أن عودة الحريري إذ تشكّل فرصة استنهاضية لـ14 آذار، يمكنها أن تكون فرصة للحوار اللبناني العام.. أي أن يعود عنوان الحوار عنواناً من ضمن استعادة المبادرة، وليس عنواناً لـ"حشر" قوى 14 آذار.
باختصار، تحمل عودة سعد الحريري إلى الوطن كل المعاني الآنفة: تحدي المعادلة السورية، تثبيت فشل الانقلاب السياسي، استعادة مشهد قوى 14 آذار، استعادة المبادرة وإعادة التوازن السياسي إلى نصابه الفعلي. ولأنها كل ذلك، تغدو هذه العودة قابلة لـ"الاستثمار" في التحرك الجماهيري غداً في ذكرى 14 شباط.
اجتماع البريستول الأخير: المقدمات.. والبيان
في الاجتماع الأخير لقوى 14 آذار في البريستول أول من أمس، جرى نقاش صريح بين مكونات اللقاء، أي ان الجميع وضع ملاحظاته على الطاولة.. وقيلت أمور كثيرة وعُرضت الانتقادات "الذاتية" كافة.. و"بدا" وكأنّ البيان الذي صدر غير ذي صلة بالنقاش، أي مفصول عن المقدمات النقاشية، بمعنى انه جاء تحت ضغط الحاجة إلى أن تقول قوى 14 آذار "شيئاً" يؤدي إلى استنفار "شعب 14 آذار" من جديد وإلى تحريكه نحو ساحة الحرية. لكن مع وعي قوى 14 آذار بأن البيان ـ البرنامج السياسي يحتاج إلى بحث عميق في "الوضع الذاتي" ضمن "الظروف الموضوعية" القائمة، كان اتفاق في البريستول على إصدار البيان، مع اتفاق آخر على عقد لقاء بريستول جديد بعد 14 شباط للمراجعة النقدية في أداء الأكثرية ككل، في أداء الحكومة التي تمثلها، في أخطاء كلّ تيار من التيارات، في "أزمة" العلاقات الثنائية والجماعية. وكانت قناعة بأن هذه المراجعة تتطلب وجود الأركان أو الأقطاب على الطاولة،ولم يكن أي من الحاضرين على علم بقرار الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" بالعودة. لذلك، وإذا كانت عودة الحريري تمثل ـ في المباشر ـ تعويضاً عن الثغرات المختلفة، لا سيما لجهة يوم الوفاء للرئيس الشهيد غداً، فإنها لا بد أن تكون مناسبة اعتباراً من مساء غدٍ لقراءة "التجربة" من أجل استعادة "المبادرة".
فرصة مراجعة التجربة وتقويم المرحلة السابقة
تكراراً، قيلت أشياء كثيرة في اجتماع البريستول، وذُكرت مسائل عدة.. ولولا ضغط 14 شباط ومقتضياته، ربما ما كان البيان ليصدر. وإذا كان صحيحاً ان هذا "التشخيص" يفيد ان الحركة الاستقلالية تمرّ بأزمة "غير بسيطة"، فإنه في المقابل يفيد ان ما جرى في الاجتماع "صحّي" تماماً. والأهم هو ان الحركة الاستقلالية تملك حيوية، وانها ترفض إحباطها من جانب النظام السوري الذي "يجيّش" منذ أحداث 5 شباط باتجاه إدعاء ان 14 آذار انتهى وان البديل من قوى 14 آذار بات مستعداً، وان تحالف "التيار الوطني الحر" ـ "حزب الله" هو ذلك البديل. لا بل أكثر من ذلك، لم يخفِ النظام السوري وأتباعه (وليس المقصود هنا التيار والحزب بداهة) انه ينتظر "فشل" مسيرة الوفاء للرئيس الشهيد لـ"يستأنف" انقضاضه على قوى 14 آذار ويطالب بتنحيتها عن الحكومة.
بيان 14 آذار: الرد على الانقلاب بمرجعية الطائف
ومع ذلك، أي بالرغم من "المشكلة"، ثمة ما هو أكيد، وهو أن "بيان البريستول" يحدّد بوضوح المهمات السياسية التي يقع على عاتق قوى 14 آذار متابعتها استكمالاً للاستقلال وترسيخاً له، ويحدّد بدقة ان المعركة هي في مواجهة تخريب النظام السوري من ناحية وفي مواجهة محاولة إلحاق لبنان مجدّداً بـ"حلف إقليمي" لا مصلحة للبنان فيه هو الحلف السوري ـ الإيراني من ناحية ثانية، وانها معركة تتطلب من الأكثرية أن تحكم مما "يحتّم" تطهير الحكم سياسياً وأمنياً عبر الانتهاء من الولاية الممددة لإميل لحود والإمساك بـ"البنية الأمنية" من ناحية ثالثة، ومعركة لـ"استئناف" العلاقة مع الوضع العربي ومع المجتمع الدولي المتمسك بدعم استقلال لبنان من ناحية رابعة.
وكان البيان واضحاً أيضاً في تحديد مطالب لبنان من سوريا وفي تحديد عناوين الحوار المطلوب ومن ضمنها "سلاح حزب الله"، باعتبار ان هذا "السلاح" موضوع خلافي. والأكثر أهمية في البيان ـ البرنامج الصادر عن اجتماع البريستول، هو ان "مرجعيته" محددة باتفاق الطائف، أي ان لمعركة الاستقلال مرجعيتها في الطائف، بما في ذلك حيال المقومة والسلاح والجيش في الجنوب، فيما يبدو واضحاً ان الانقلاب السياسي الذي بلغ ذروته بإعلان التحالف بين "التيار الحر" و"حزب الله"، هو انقلاب على الموازين السياسية في لحظة محاولة استضعاف قوى 14 آذار من جهة وهو فاقد لمرجعية الطائف التي لم يرد ذكرُها أبداً في "وثيقة التفاهم" بين الجانبين.. من جهة أخرى.
لقد "مرّ" إعلان التحالف خلال لقاء عون ـ نصرالله قبل أسبوع، في وقتٍ كانت قوى 14 آذار المنشغلة في حالها أصلاً منشغلة في لملمة جراح الأشرفية، ولذلك لم يجر تفنيده، لا على مستوى هذه القوى مجتمعة ولا على مستوى الوضع السياسي المسيحي، علماً انه كان ولا يزال مطلوباً القول ان في الاتفاق الثنائي المشار إليه انقلاباً في اتجاهات متعددة، من ضمنها المعنى الانقلابي في الساحة المسيحية نفسها. ويتذكّر المراقبون، المخضرمون منهم بشكل خاص، ان الانقلابات في الساحة المسيحية ليست جديدة، ولكَم أعطى البعض إشارة ضوئية إلى اليمين فيما كان يقود سيارته إلى اليسار، أي لكَم تحدّث البعض في فترة من الفترات عن المسيحيين والمجتمع المسيحي ليتمّ بعد ذلك "اكتشاف" ان هذا البعض "عند" السوريين يوقّع باسم المسيحيين "الاتفاق الثلاثي".
إذاً، ثمة فرصة تعزّزها عودة سعد الحريري إلى الوطن، لاستعادة "مقومات القوة" والعودة إلى المواجهة بمبادرة سياسية معزّزة بحضور شعبي وازن في ساحة الحرية غداً، أي ان ثمة مجالاً لـ"تصحيح" المسار، ولخلق ظروف مؤاتية لحوار لبناني لا تفرض نتائجه "متغيرات عابرة".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00