8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"شعب 14 آذار" ينتظر في 14 شباط مبادرة بـ"استئناف" المعركة السياسية

الثلاثاء المقبل، تحلّ الذكرى السنوية الأولى لجريمة العصر التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. وحتى الآن، ليس معروفاً ما إذا كانت قوى 14 آذار قد دعت إلى إحياء هذه "المناسبة" بطريقة ما، علماً أن ثمة رهاناً على "الناس" كي "ينزلوا" إلى الشارع في هذا اليوم.
هذا العنوان، أي عدم وضوح ما سيكون في 14 شباط، أي بعد أقل من أسبوع، هو أحد عناوين الارتباك في صفوف 14 آذار.
بيد ان الأدهى والأخطر، يتجاوز مجرد "الارتباك" الى المشهد السياسي للبلاد عشية هذه الذكرى، حيث لا مبالغة في القول ان البلاد "تبدو" في 14 شباط 2006 وقد عادت إلى ما قبل 14 شباط 2005.
أخطاء يوم الأحد وحلف يوم الاثنين
ومن متابعة "بسيطة" لمجريات الأحداث خلال الأيام القليلة الماضية فقط، يتبين ان محاولة انقلابية جرت في الشارع يوم الاحد الفائت، وبدلاً من أن يكون فشلها عامل قوة لفرقاء 14 آذار، تحول الأمر إلى ارتباك لديها بفعل الأخطاء في التعامل الأمني مع هذه المحاولة من ناحية والأخطاء في الاستثمار السياسي لمحاولة انقلابية موصوفة من ناحية ثانية.
وفي اليوم التالي، أي الاثنين الماضي، التقى قائد "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وأعلنا تحالفهما الذي وصف على نطاق واسع سياسياً وإعلامياً، داخلياً وخارجياً، بأنه "انقلاب سياسي" وفقاً لكل المعايير. لم يُثر هذا "الانقلاب السياسي" كما وُصف حتى من جهات غير منتمية إلى 14 آذار، أي رد فعل سياسي من قوى 14 آذار لا منفردة ولا مجتمعة، باستثناء تعليق أوّلي من الزعيم وليد جنبلاط الذي يجب القول أن وضع كل الأوزار على كتفيه لم يعد مقبولاً ولا منطقياً، في حين أن ما يثيره ذلك التحالف من تناقضات وإشكاليات على غير صعيد، كان يجب أن يدفع قوى 14 آذار، المسيحية بالدرجة الأولى، إلى التحرك.
هجوم الرموز السوريين
وفي اليوم الذي تلى، أي أول من أمس الثلاثاء، خرج إلى السطح في يوم واحد وفي توقيت واحد، ثلاثة رموز من الحقبة السورية، هاجموا رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري وكالوا التهم له وهدّدوه وغيره. تكلم سليمان فرنجية فاتهم الحريري و"المستقبل" بتنظيم شغب يوم الأحد، وتكلم طلال أرسلان في المنحى نفسه، وتولى وئام وهاب من دمشق "التحذير" والتهديد. والغريب في هذا المجال ان وزير العدل لم يطلب من النيابة العامة التمييزية أن تستدعي هؤلاء ليدلوا بـ"معلوماتهم"، في حين وجد الوقت الكافي ليطلب منها الاستماع إلى أركان من قوى 14 آذار بشأن معلومات أمنية وردت في بيان "هيئة المتابعة".
وخلال هذه الأيام، كان النظام السوري عبر إعلامه يعلن احتضانه لما يجري ويؤكد متابعته للتطورات عن كثب.. في وقت برزت ثُغر عدة على صعيد التضامن بين الحلفاء.
المعنى التأسيسي لـ14 شباط 2005 يتأكّل؟
ان ما جرى تقديمه حتى الآن، عيّنة من الارتباك الذي تواجه قوى 14 آذار التطورات به، الأمر الذي يجعل الفشل "الميداني" في الأشرفية لقوى "الردّة" لا يُترجم فشلاً سياسياً، بحيث يمكن القول اليوم، وعلى الرغم من كثير من الانجازات خلال العام الماضي، ان الإنجاز الأكبر الذي فجّرته دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، والمتمثل في تغيّر توازن القوى السياسي ـ الشعبي وفي إرساء دعائم الاستقلال اللبناني، آخذ في "التآكل". وبكلام آخر، ان المعنى التأسيسي لحدث 14 شباط 2005، يبدو اليوم في شباط 2006 موضع تساؤل كبير في أوساط الرأي العام، وتحديداً في أوساط "شعب 14 آذار" الذي يبدو بحاجة إلى عملية استنهاضية كبيرة جداً.
الناس من "شعب 14 آذار" يسألون: هل صحيح ان ثمة أكثرية نيابية ـ وزارية تعكس أكثرية سياسية ـ شعبية اليوم؟ هل صحيح ان ثمة أكثرية تحكم؟ هل صحيح ان هذه الأكثرية يجب أن تكون في موقع رد الفعل على الأحداث وأن يكون الفعل في يد الخصوم؟ لماذا هذا الكمّ من الأخطاء التكتيكية؟ لماذا غياب المبادرة السياسية؟ ما الذي يمنع الأكثرية من أن تكون لها كلمتها؟ وما الذي يمنع توحدها قولاً وفعلاً؟
"شعب 14 آذار" ينتظر مبادرة
أسئلة كثيرة يطرحها الناس، وما الأسئلة المشار اليها آنفاً سوى أمثلة. يدرك الناس بطبيعة الحال أن ثمة حرباً مفتوحة يشنّها النظام السوري على لبنان سياسياً وأمنياً ولا يستهينون بتداعيات هذه الحرب وبالتعويقات التي تفرضها على مسار التغيير في البلد، لكنهم في الوقت نفسه ينتظرون من "القيادة السياسية" أي من الأكثرية النيابية ـ الوزارية، أن تقود، أن تكون لها مبادرتها وأن تصارع بشأنها لا أن تستعين على قضاء حوائجها بـ"الصبر" أو بـ"اللين" أو بـ"التمييع".
في الجانب المقابل، أي في مواجهة 14 آذار، يكتمل المشهد حيث القيادة السياسية في يد "تعاون" عون ـ نصرالله أي تحالفهما، ومعهما دعم رئيس الجمهورية الممدَّد له، والدعم السوري.. لكن معهما مشروعاً سياسياً يواجهان به. وإذا كان صحيحاً القول ان هذا المشروع السياسي، الذي بالمناسبة لم ترِد الإشارة إلى الطائف في أي بند من بنوده، هو مشروع مركب في مجمله على تنازلات قدمها فريق للآخر من دون أن يرتقي إلى مستوى "الرؤية"، فالصحيح أن قوى 14 آذار بحاجة إلى تجديد في المشروع. والتجديد في المشروع يعني هنا إعادة النظر لتبيّن عوامل القوة وعوامل الضعف.. ويعني صياغة خطة عمل جديدة.
مخاطبة الناس
على مسافة أيام قليلة فقط من ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، يبدو انه لم يعد هناك ما يمكن استهلاكه.. ولا شك أن التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري عامل موضوعي بجانب قوى 14 آذار، وان الموقف الدولي بجانبها أيضاً، لكنها بحاجة إلى توحد عميق حول مسارات التغيير وعناوينها وإلى تحرك في المدار العربي، وإلى شجاعة في مخاطبة الناس و"استنفارهم"، أي بحاجة إلى أن تقول للبنانيين ماذا يحصل وما معنى أي حدث وكيف ستردّ.. بلغة موحدة وليس بتكتيكات متفرقة.. ولا يجوز استنزاف وليد جنبلاط.
لقد قيل للمسيحيين في الآونة الأخيرة ان "مشكلتهم" ليست مع الشيعة، وهذا صحيح، لأن لا مشكلة من هذا النوع، والمشاكل على اختلافها سياسية. غير ان سليمان فرنجية الذي قال هذا الكلام، ربطه بدعوة المسيحيين إلى الحياد في ما اعتبره مشكلة سنية ـ شيعية، وإلى عدم تنفيذ ما سمّاه مشكلة سعد الحريري مع الشيعة. وما حصل الأحد الماضي هو بالضبط التطبيق العملي لهذا الكلام، حيث أراد الاجتياح السوري للأشرفية بواسطة مجموعات سلفية وأصولية أن يقول للمسيحيين أن "مشكلتكم" هي مع السنّة وان حليفكم سعد الحريري لا يمثل السنّة.. أي محاولة تشويه صورة السنّة والاعتدال السنّي من جهة ومحاولة نسف 14 آذار من جهة ثانية ومحاولة إخراج مسيحيي 14 آذار من المعادلة وشطبهم من جهة ثالثة.
طبعاً، كانت مواقف لقادة مسيحيي 14 آذار تفيد بوعي أبعاد هذه "المؤامرة". لكن عدم إسراع التحقيق في كشف الاجتياح السوري ـ السلفي ـ الأصولي للأشرفية سيكون مضرّاً، وعدم اعتبار ما حصل حافزاً لمشاركة مسيحية كثيفة في 14 شباط من جانب قادة مسيحيي 14 آذار، سيكون سلبياً جداً أيضاً.
لم يعد ثمة شيء "غب الطلب"
إذاً، وفي تكثيف لما قصدته هذه المقدمات جميعاً، يجب أن يُقال ان 14 شباط 2006 يقع على خلفية مشهد سياسي يبدو منه ان الذكرى تحل وكأن ما هو قائم سابق لـ14 شباط 2005، وان جبهة 14 آذار غير متماسكة، وانها بحاجة إلى توحد حول مبادرة ـ رؤية، وانها بحاجة إلى أن تقف على رجليها بثبات، فإذا كانت معطلة في قراراتها فليس عليها أن تقدم تنازلات تؤدي عملياً إلى مزيد من تعطيلها. ويجب أن يُقال أيضاً أن ثمة إحباطاً لدى "شعب 14 آذار"، وأن هذا "الشعب" لن يكون "غبّ الطلب" لأنه بحاجة إلى استعادة الثقة بقيادة انتفاضة الاستقلال. ويجب أن يُقال أيضاً وأيضاً ان "شعب 14 آذار" بحاجة إلى شعارات واضحة يعاد تكوين توازن القوى الداخلي على أساسها. ويجب أن يُقال كذلك ان "شعب 14 آذار" لم يعد في وارد "النزول على الصدمة".
14 شباط 2006 مرهون بالعودة إلى المعركة
باختصار، ان 14 شباط 2006 كي يحصل، يجب أن يكون مقترناً بقرار سياسي بـ"معركة"، بـ"مواجهة"، أي بقرار سياسي باستعادة المبادرة، وإلا فإنه لن يحصل أو انه لن ينجح. والحديث هنا عن 14 شباط 2006 في "السياسة" وليس في "العاطفة"، لانه بصرف النظر عن الموقف السياسي، سيتدفق عشرات آلاف اللبنانيين إلى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري حتماً. لكن، كي يكون 14 شباط 2006 حدثاً سياسياً، أو إعادة تأسيس، أو "انتفاضة في الانتفاضة"، لا بديل من عناوين سياسية واضحة تعيد استقطاب "شعب 14 آذار". وهي عناوين مطلوبة لمعركة سياسية ضدّ محاولات النظام السوري الانقلابية، "يجب" أن تعيد استحضار العصب الاستقلالي والنبض الديموقراطي.
ثمة أيام قليلة تفصل عن هذا الموعد. بيد ان اجتماعاً لقوى 14 آذار على مستوى قيادي، يبدو مطلوباً ليقوّم أسباب الضعف، ويضع الأصبع على "الجرح"، ويصوغ الخطاب السياسي الجديد. والحافز يجب أن يكون واضحاً: منع مزيد من التآكل والحؤول دون تضييع ما تمت مراكمته، واحترام تضحية الرئيس الحريري بدمه وتضحيات قافلة الشهداء.
هل ذلك ممكن؟
في "المبدأ" نعم.. لأن ما هو قائم الآن لا يمكن أن يستمر، بدون مجازفة بمصير البلد ثانية، ولا يمكن أن يستمر إذا كانت قوى 14 آذار جميعاً تعي نفسها بوصفها "أم الصبي".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00