8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التحدي الكبير لقوى 14 آذار في 14 شباط

إذاً، وبحسب بعض الداعين إلى مسيرة الاحتجاج على التعرّض للاسلام، من علماء الدين، فإن مجموعات الشغب والتخريب ناهزت الخمسمئة. وبحسب الأجهزة الأمنية، فإن عدد الموقوفين يقترب من هذا الرقم، وان أكثريتهم من التابعية السورية، وأقل منهم من التابعية الفلسطينية.
بكلام آخر، ان إلقاء القبض على هذا العدد المرتفع من السوريين متلبّسين في أعمال الشغب، لا يؤكد فقط الاتهام الموجه إلى المخابرات السورية بـ"تنظيم" فتنة أول من أمس، بل يلقي الضوء بـ"مفعول رجعي" على دور هذه المخابرات في أعمال التفجير والاغتيال التي شهدها البلد منذ اول تشرين الأول 2004، على اعتبار ان "خفافيش الظلام" الذين كانوا يضعون العبوات، ظهروا في وضَح النهار هذه المرة.
لا شك في انّ التحقيق في أعمال هي بمثابة اعتداء على الأمن الوطني والسلم الأهلي، يجب أن يتم بسرعة، ليتوصل إلى تحديد دقيق لأدوار أجهزة الاستخبارات السورية وأدوار أدواتها وشبكاتها، و"التعليمات" المعطاة من قبلها إلى الحلفاء.. أي لمعرفة ما كان في المرحلة السابقة وما يمكن أن يكون في المرحلة المقبلة.
الشكوى إلى مجلس الأمن
ذلك أن تكوين هذا الملف المتكامل لا يشكل عنواناً قضائياً فحسب، انما هو عنوان سياسي أيضاً، ولبنان بحاجة ماسة إلى اكتمال هذا الملف.
أول من أمس، أي بُعيد أحداث الشغب في بيروت، أعلن زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري انه إذا تبين ان ثمة دوراً لـ"قوى خارجية" في تخريب الأمن اللبناني، فسوف "تُشكى" هذه "القوى" لدى الأشقاء العرب ولدى المجتمع الدولي.
وأول من أمس أيضاً، دعا وزراء "اللقاء الديموقراطي" مروان حمادة وغازي العريضي ونعمة طعمة والوزراء نايلة معوض وجو سركيس وبيار الجميل، إلى تقديم شكوى لبنانية ضد سوريا إلى مجلس الأمن الدولي، على خلفية العدد الكبير من السوريين ـ والفلسطينيين ـ الموقوفين.
مِن هنا، فإن موقف سعد الحريري ووزراء 14 آذار ثمّ لجنة متابعة قوى 14 آذار أمس، يعتبر بحق ان ثمة "عصفوراً في اليد"، أي أدلة ينبغي أن يوثقها التحقيق ليجري تقديمها إلى المجتمع الدولي ليبني في ضوئها القرار المناسب حيال واقعة عدم تنفيذ دمشق للقرار 1559 في بنده المتعلق بالانسحاب السوري العسكري والأمنيّ الكامل، وهو ما استمر النظام السوري في تأكيد عكسه.
الجامعة العربية ولجنة التحقيق الدولية
بيد ان ثمة جهتين أخريين يجب التوجه اليهما، بعد أن يسرّع التحقيق خطاه ويصوغ "المضبطة الاتهامية". الجهة الأولى هي جامعة الدول العربية عموماً والدول العربية الأكثر اهتماماً بما صار يُسمّى في الآونة الأخيرة "الملف اللبناني ـ السوري"، لا سيما مصر والمملكة العربية السعودية.
ان التوجه نحو هذا المدار العربي، يهدف إلى تقديم الحجّة بشأن التدخل السوري في الشؤون اللبنانية، وحول أساس الاتهام الذي يوجهه معظم اللبنانيين إلى النظام السوري بتدبير الاغتيالات والتفجيرات وشتّى صيغ التوتير في لبنان. ويهدف إلى إقناع العرب بأن الأصل في ما يسمّونه "الملف اللبناني ـ السوري" ليس عداء لبنانياً لسوريا بل ان الأصل هو سعي النظام السوري إلى إسقاط النظام اللبناني. ويهدف أيضاً إلى إقناع العرب بأن استقرار لبنان مهدّد من سوريا وليس العكس، وبأن "الفصل" بين عناوين العلاقة اللبنانية ـ السورية غير ممكن.. وبأن لبنان هو الذي يحتاج إلى ضمانات من سوريا أقلها التعهد بوقف التخطيط المخابراتي ضد استقرار لبنان واستقلاله.. وبأن ما يقوله لبنان حول دور سوريا في تهريب الأسلحة و"المقاتلين" وعناصر الاستخبارات، صحيح، وبأن ما يقوله حول السلاح الفلسطيني خارج المخيمات والمرتبط بسوريا صحيح أيضاً.
باختصار، ان من شأن أحداث أول من أمس في بيروت أن تقدم مادة لإعادة وضع العلاقات اللبنانية ـ العربية على سكة صحيحة، ولإعادة الاعتبار لـ"المعنى الإقليمي" لاستقرار لبنان، الذي يشهد في الآونة الأخيرة تدفقاً غير مسبوق لمجموعات من دول عربية عبر الحدود السورية.
أما الجهة الثانية التي يجدر التوجه نحوها، فهي لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ذلك ان الملف الذي يُفترض بالتحقيق في أحداث الشغب أن يكوّنه بسرعة، يشكّل ملفاً مهماً للتحقيق الدولي، من شأنه أن يلقي الضوء على جرائم سابقة. لذا، من الطبيعي أن توضع نتائج التحقيق في متناول اللجنة الدولية.
من هنا، فإن "ضرب الحديد وهو حامٍ" كما يقال يقتضي إنجاز التحقيقات بأقصى سرعة، للتوجه بنتائجها إلى مجلس الأمن ولجنة التحقيق دولياً وإلى العرب وجامعتهم إقليمياً.
حظر أحزاب المخابرات السورية لاستكمال الأمن
غير ان هذه الأحداث التي وقعت أول من أمس، وبالرغم من الصدمة التي أحدثتها، أدت بـ"محصلتها" إلى نتائج عكسية. احدى هذه النتائج العكسية هي ما سبق ذكره، أي وقوع ملف أحداث الشغب في خانة إمكانية اعتماده سياسياً في الوجهة المشار اليها آنفاً، وإمكانية استعادة المبادرة من جانب قوى 14 آذار، خصوصاً ان أحداً لن يستطيع لا الدعوة إلى انتظار نتائج التحقيق طويلاً ولا التشكيك في الأدلة، فالمشاغبون في قبضة الأجهزة اللبنانية والقضاء اللبناني.
والكلام هنا عن استعادة المبادرة من جانب قوى 14 آذار، يعني في المجال الأمني ـ القضائي عدداً من الأمور. انه يعني أولاً حظر الاحزاب الموالية للمخابرات السورية وعلى الأقل تفكيك بناها وأذرعها العسكرية والأمنية، انطلاقاً من ادوارها سواء في التهديد بالحرب الداخلية أو في التعاون مع المخابرات السورية وإيواء عناصرها أو في تشكيل مستودعات لهذه المخابرات ويعني ثانيا ان "يقبض" القضاء جديا الملفات التي بين يديه، ومنها المستودعات التي كشفت في فترة سابقة ولم تُتابع، ومنها إعمال القانون على الذين يحملون خطاباً مخابراتياً ترويعياً وعدم التردد في إصدار توقيفات. ويعني ثالثاً استكمال الهيكليات الأمنية الرسمية الشرعية، مع التذكير هنا بأن واحداً من عوامل تحقيق قوة الأمن الرسمي الشرعي هو إلغاء أي أمن "سياسي" آخر.
قوى 14 آذار في مواجهة "الانتفاضة على الانتفاضة"
يجب الاعتراف إذاً، ان قوى 14 آذار أخلت منذ بضعة شهور موقع المبادرة وتهاونت في العديد من الأمور. ويجب الاعتراف أيضاً ان الرهان الرئيسي لقوى 14 آذار كان خلال الفترة السابقة على التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري كي يأتي بـ"الترياق". ويجب الاعتراف أخيراً ان قوى 14 آذار وكأنها بحاجة مع الأسف إلى شهيد جديد كل فترة كي تتحرك قبل أن تعود و"تنطفئ".
والحال، ان ما حصل أول من أمس في بيروت، يعني في جانبه "السلبي" ان المبادرة كانت في يد "المشاغبين" أي القوى المعادية لـ14 آذار، التي اجتاحت الشارع ونفّذت انقلاباً أو ما سمّاه النائب المميّز سمير فرنجية "انتفاضة على الانتفاضة"، و"كادت" تُسقط الدولة في لحظة. والحديث عن جانب "سلبي" يعني ان ثمة جانباً ايجابياً لما حصل يتمثل في ما جرت الإشارة إليه آنفاً، أي "لحظة التضامن الوطني" مما فوّت الفرصة على المشكلة الكبرى.
لذلك، لم يعد يجوز لقوى 14 آذار أن تكون في موقع ردّ الفعل، لان المشروع المعادي لاستقلال لبنان والموجه من دمشق مستمر وإن كان يحلو للبعض أن يعتبره مجرد "حشرجات". بكلام آخر، لا يزال خطر السقوط قائماً، ولا مفرّ من أن تستأنف قوى 14 آذار حضورها المبادر كما كانت في المعارضة، أي أن تمارس الحكم في شتّى المجالات بدءاً من المجالين الأمني والقضائي، فتعيد الاعتبار بذلك لكونها أكثرية سياسية وشعبية في آن.
مناسبة 14 شباط: التحدي و"الانتفاضة في الانتفاضة"
وثمة "مناسبة" الآن. والمناسبة هي الذكرى السنوية الأولى للجريمة الارهابية التي أودت بالرئيس الحريري وباسل فليحان ورفاقهما، وهي الجريمة التي يُؤرّخ بها بدء المسار الاستقلالي اللبناني.
لا شك ان ثمة عاطفة لبنانية كبيرة حيال الذكرى. بيد ان العاطفة وحدها لا تكفي لتأمين احتشاد لبناني "استثنائي"، في ساحة الحرية يوم 14 شباط المقبل.. لا بل لا يجوز "استهلاك" هذه العاطفة اللبنانية بلا أفق سياسي.
من هنا، فإن 14 آذار في 14 شباط، يبدو منذ الآن مرهوناً بقدرة قوى 14 آذار على دعوة الناس على أساس أفكار وشعارات واضحة ومحددة. 14 آذار الماضي رفع شعارات الخروج السوري وتفكيك النظام الأمني والحقيقة عبر تشكيل لجنة تحقيق دولية، ونزل اللبنانيون إلى الساحة مدفوعين بأمل أحياه الرئيس الحريري باستشهاده. وكي يكون 14 آذار جديد في 14 شباط المقبل، لا بدّ من عناوين واضحة تُرفع، تتعلق بالمرحلة الثانية من معركة الاستقلال.. أي ان الأكثرية يجب أن تحكم من جهة ويجب أن تقدّم للبنانيين تصوّراً مقنعاً وواضحاً من جهة ثانية، فلم يعد ثمة ما يمكن أكله من الرصيد أو من "اللحم الحي".
محطة 14 شباط إذاً تمثل تحدياً كبيراً لقوى 14 آذار. وإذا كان صحيحاً ان ما حصل في بيروت أول من أمس يمكن أن يساهم في إعطاء محطة 14 شباط دفعاً مهماً، لأن "الاستفزاز" يحرّك، فالصحيح أيضاً ان جعل 14 شباط "انتفاضة في الانتفاضة" كما قال الشهيد سمير قصير بعد نحو أسبوعين فقط من 14 آذار 2005، يحتاج إلى "مبادرة" جديدة.. وإلا تكون "الدعسة ناقصة" وترتدّ سلباً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00