مِن نافل القول أن احتجاج المسلمين في كل مكان على الإساءة التي وجهتها صحيفةٌ دنماركية الى نبيّ المسلمين، أمرٌ طبيعي وردّ فعل منطقيّ. وقد نفّذ مسلمو العالم مسيرات الاحتجاج في مختلف العواصم بطريقة حضارية سلمية وأعطت هذه التظاهرات نتائج تمثّلت بشكل رئيسي بالاعتذار الدنماركي حكومةً وصحافة.
التخطيط المخابراتي السوري
وفي لبنان، كان الاحتجاج متوقعاً أيضاً. غير أن ما جرى في بيروت أمس، يفيدُ أن ثمة تخطيطاً كانَ تمّ اعتماده للذهاب الى ما هو أبعدَ من الاحتجاج على الإساءة الموجّهة الى الإسلام والمسلمين، وأن ثمة خطّة وضعت لتحويل الاحتجاج كهدف نبيل في حدّ ذاته الى "بند" في عملية تخريبية تفجيرية ذات أهداف سياسية في لبنان، في لحظةٍ حسّاسة يجتازُها الوضع اللبناني.
وفي المعلومات المتوافرة أن التخطيط لما جرى أمس بدأ بالفعل بُعَيد نشر الصحيفة الدنماركية الرسوم المستنكَرة، وبإشراف مباشر من المخابرات السورية التي "اجتاح" العديدُ من عناصرها وضبّاطها منطقتَي عكار وطرابلس بشكل خاص وتكثّف حضورهم فيهما في اليومين السابقين، فضلاً عن دخول عناصر من قوات خاصة سورية بلباس مدني.
وقضى هذا التخطيط المخابراتي السوري بـ"إنزال" مجموعات سورية وأخرى فلسطينية الى الشارع، الى جانب مجموعات سلفية وعلويّة من الشمال ومِن "الأحباش" و"التوحيد" وكّلها جماعات تعمل لصالح النظام المخابراتي في دمشق، وذلك لـ"إغراق" المسيرة الاحتجاجية التي يشارك فيها مسلمون متحلّقون حول مفتي الجمهورية ودار الإفتاء ومسلمو "الجماعة الإسلامية".
الطابع "الفتنوي" ـ التفجيري
طبعاً، إن التخطيط المشار إليه كانَ يتطلّع الى تنظيم مسيرة ما حتى من دون مشاركة أنصار دار الفتوى و"الجماعة"، مسيرة تحاول تحقيق ما لم تحقّقه المسيرة التي دعت اليها صحيفة "تشرين" السورية قبل بضعة اسابيع، والتي وُضعت آنذاك تحت عنوان الاحتجاج على أسعار البترول ومشتقّاته. وعلى أي حال، فإن متابعةً لما جرى أمس تظهر بما لا يدعُ مجالاً للشك أن المشاركين في المسيرة، ما عدا "الجماعة" التي انسحبت بعدَ التطوّرات الميدانية وأنصار دار الفتوى الذين انسحبوا أيضاً بعد فشل محاولات "الهداية"، كانوا على قدرٍ عالٍ من الحقد على لبنان ودولته وهذا ما تجلّى في الاعتداء على القوى الأمنية وفي التعرّض للممتلكات العامة والخاصة وفي تكسير المحال وتحطيم السيارات ووسائل النقل، وكانوا ساعين الى الفتنة وهذا ما تجلّى في الصيغة الاجتياحية للأشرفية وفي الاعتداء على كنيسة مار مارون، وكانوا مسلّحين بالحجارة وبوسائل مادية لإثارة الذعر. كذلك، فإن عدد الموقوفين من التابعية السورية يكشفُ الغاية من تركيبة المسيرة... إضافة الى الكره الذي أبدي حيالَ الأشرفية والمناطق المسيحية التي جرى المرور بها.
الاستهدافات: الفوضى والحكومة وذكرى 14 شباط
أما الأهداف التي توخّاها التخطيط المخابراتي السوري، فليست خافيةً على معظم اللبنانيين ومعظم الاجتماع السياسي اللبناني.
لا شك أن الهدف الأول هو إطلاق شرارة فتنة طائفيّة بين المسلمين والمسيحيين، وهذا هو معنى رشق الكنائس بالحجارة وإصابتها بأضرار.
ولا شك أيضاً أن الهدف الثاني هو استدراج القوى الأمنية الى مشكلة كبيرة، بحيث يُسقط عددٌ كبير من القتلى والجرحى، فيتفجّر الوضع الأمني ومعه الوضع السياسي، وتسود حالٌ من الفوضى.
ومن البديهي القول إن الهدف الثالث، تِبعاً للهدفَين السابقَين هو الانتقال الى إسقاط الحكومة في الشارع، بدعوى تحميلها مسؤولية التدهور الأمني.
على أن الهدف الرئيسي الرابع، هو من دون شك، محاولة تعطيل محطّة 14 شباط الأسبوع المقبل، في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لا بل اغتيال الرئيس الشهيد مرّة ثانية، وهي المحطّة التي كان يتوقع لها أن تحشد لبنان من أقصاه الى أقصاه تحت عناوين الاستقلال والسيادة والحرية ومشروع الدولة، ويتوقع لها أن تعيد التذكير ليس فقط بالمعركة اللبنانية المستمرة ضد النظام السوري وتدخلاته في لبنان، بل بالتوازن السياسي، الفعلي، في البلاد.
إذاً، إن ما جرى أمس، لا يمكن النظر اليه إلا بوصفه مخططاً تخريبياً انقلابياً سورياً قيد التنفيذ، ويجب أن تسمى الأشياء بأسمائها، ويجب عدم التسامح بعد الآن بأن يلجأ أي طرف سياسي الى التعمية على حقيقة أن النظام السوري هو "العدو" في المرحلة المباشرة الراهنة، للاستقرار اللبناني وللعملية السياسية الديموقراطية إنجازاً للاستقلال.
قوى 14 آذار: لا مبرر للتراخي
ماذا يستدعي هذا التحديد للأمور؟
إنه يستدعي بداية عدم "الملل" من تكرار عنوان المعركة التي يخوضها معظم اللبنانيين، بما هي معركة إنجاز الاستقلال من سوريا.
ويستدعي عدم تراخي قوى 14 آذار. وبصراحة تامة في هذا المجال، لا بد أن يقال ان ثمة "تهاوناً" أو "مهادنة" حصلا في الأيام الماضية من قبل قوى 14 آذار حيال النظام السوري ومخططه الانقلابي التخريبي. بدا وكأنّ ثمة هدوءاً في هذا المجال، في وقت من الواضح ان قوى 14 آذار لم تحصل في مقابل "التهدئة" أو الهدوء في المجالين السياسي والإعلامي لا على وقف معلن للاغتيالات ولا على وقف لمخطط التفجير السوري.
ويستدعي الأمر أن تبادر قوى 14 آذار الى تحرك عربي ودولي. ومن الطبيعي أن يكون واضحاً بالنسبة اليها ان التقارب العربي ـ الغربي ـ الدولي، هو ما يُقفل الباب أمام استقواء النظام السوري على لبنان. ذلك أن الاختلاف العربي ـ الدولي يقوّي النظام السوري ويضعف لبنان. ولعل في ما جرى أمس ومن ضمنه أعداد الموقوفين السوريين، مادة مهمة للتحرك المنشود عربياً ودولياً، إذ يكشف مخطط الفتنة والتخريب ويفسّر أمام العرب لماذا الحذر اللبناني من النوايا السورية.
ان "عدم الملل" من تكرار عنوان المعركة أولاً وعدم التراخي حيال عداوة النظام السوري ثانياً والاستنفار داخلياً وخارجياً ثالثاً، هي مسائل يجب أخذها في الاعتبار اليوم أكثر من السابق. فالنظام السوري يخوض الآن حرب كسر 14 آذار وإرادة الاستقلال عند اللبنانيين، وهو إن نجح في إصابة معركة 14 آذار بوهنٍ ما أو إن أظهرت هذه القوى ضعفاً ما، فستكون النتيجة "مؤسفة" للغاية.
الحزم الحكومي المنشود: بيروت الكبرى منطقة أمنية
غير ان الحكومة المستهدفة هي نفسها بالمخطط المخابراتي السوري، مطالبة بقدر عال من الحزم في مجال مواجهة ما جرى أمس. ذلك أن ما جرى تحت عنوان "إسلامي" استهدف في الطريق دفع المسيحيين الى الحذر من المسلمين، ومن حلفائهم المسلمين بالتحديد، الأمر الذي يتطلب موقفاً سياسياً يدرج ما جرى في الخانة السورية المباشرة، وينزع عن مسيرة أمس صفتها الإسلامية، ويتطلب خطوات أمنية هادفة، كأن يستنفر الجيش وسائر القوى الأمنية في شبه حالة طوارئ، ويلقى القبض على مرتكبي أعمال الشغب والفتنة، وتقديمهم بهوياتهم أمام الرأي العام وعلى التلفزيونات، وصولاً الى إعلان بيروت الكبرى منطقة أمنية آمنة مع كل الإجراءات اللازمة لذلك.
وبكلام أوضح، إن قوى 14 آذار، قوى الأكثرية النيابية ـ الوزارية، مدعوة اليوم الى أن تمارس الحكم بحزم، ولا تنازلات يمكن تقديمها عندما يكون الوضع على هذه الدرجة من الخطورة. والأهم انها مدعوة الى الحفاظ على وحدة صفوفها مهما حصل.
لقد أظهرت قوى 14 آذار، المسيحية منها مستوى عالياً من الوعي حيال ما جرى، فوجهت نداءات الى التعقل وعدم الانجرار الى الاستفزازات، ونبهت من ان "العدو" هو النظام السوري ومخططه وليس المسلم اللبناني لأن ما جرى ليس تعبيراً إسلامياً أبداً. هكذا فعلَ رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وهكذا فعل أيضاً وزراء ونوّاب وفاعليات 14 آذار.
سعد الحريري والتحالف الإسلامي ـ المسيحي
على أن الأخطر، يبقى في محاولة النظام السوري ومخابراته والقوى التابعة له، تخويف المسيحيين من المسلمين السنّة بأن يقال لهم ان أي طائفة أخرى لا تعتدي عليكم من جهة، والإيحاء بأن العلاقة المسيحية ـ السنيّة المكفولة بالتحالف المسيحي مع "تيّار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري لا تمثّل ضمانةً من جهة ثانية والإيحاء بأن "المستقبل" لا يمسك بزمام الأمور على الساحة الإسلامية وبأن "السلفيّة" هي الشارع السنّي من جهة ثالثة، وبأن الاعتدال الإسلامي ليس مسيطراً من جهة رابعة، ومحاولة توريط دار الفتوى و"الجماعة الإسلامية" بما تمثّلان من اعتدال من جهة خامسة وأخيرة.
إن إفشال المخطّط التفجيري للنظام السوري في لبنان، ممكن لا بل هو حتميّ. بيدَ أن الحزم سياسياً وأمنياً في مواجهته هو السبيل الأمضى. ولا شك في أن سعد الحريري ومجمل تحالف 14 آذار، اللذين يقرآن جيداً أهداف مخطّط نظام دمشق، لن يكونا قليلَي الحزم والحسم عند هذا المفصل اللبناني الخطير.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.