في خطابه أول من امس، بدا الرئيس السوريّ بشّار الأسد وقد استكمل عُدّة المواجهة ضدّ المجتمع الدوليّ، والساحة الرئيسيّة لتلك المواجهة بالنسبة اليه هي لبنان.
أخبر السوريين انّ المجتمع الدوليّ ضدّ سوريا، وقال لهم انّ لجنة التحقيق الدوليّة في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هي إطار ادانة النظام السوريّ بالضلوع في ارتكاب الجريمة الارهابيّة، لكنّه في المقابل طمأنهم الى انّ "سوريّا قوية"، وليست ضعيفة، ودعاهم إلى تقبّل الواقع الحالي حيث "الاصلاحات" محكومة بأن تسير ببطء
وفي هذه العناوين التي خاطب الأسد الشعب السوريّ بواسطتها، لا يخفى انّه يحضّر السوريين لـ "الأسوأ"، ويسعى الى "إعدادهم" لاجراءات سوف تتخذ دولياً ضدّ نظامه في صيغة عقوبات مختلفة، فرفع شعار انّ التعاون مع التحقيق الدولي يقف عند حدود السيادة الوطنية التي قال انها أعلى من قرارات مجلس الامن الدوليّ، وحذّر السوريين ضمناً من أي اعتراض في زمن الحرب. وثمّة من وصف خطاب الأسد بالأمس بأنّه بمثابة تحضير لحالة كوريّة في سوريّا.
وفي الخطاب نفسه، توجّه الى اللبنانيين ليقول لهم انّ ثمّة انقلاباً حصل في لبنان على قاعدة القرار 1559، وان الوضع اللبنانيّ الناشئ عن الانسحاب السوريّ بموجب القرار الدوليّ، هو وضع غير شرعيّ، سماه الاسد "حالة عابرة" موزعاً شتائمه على قادة الوضع الجديد، وقال للبنانيين ايضا ان ترسيم حدود مزارع شبعا هو مطلب اسرائيلي لا هدف له الاّ القضاء على المقاومة. وليس خافياً انّ مضمون الرسالة الموجّهة الى لبنان واللبنانيين هي انّ النظام السوري عائد إلى لبنان وكلّ ما هو قائم الآن موقت.
وكي تكتمل "الصورة"، لا بدّ من القول انّ خطاب الأسد ـ المتدهور شكلاً ومضموناً ـ إنما يقطع الطريق على المساعي العربيّة. فهو اذ يضع شروطا على التعاون مع التحقيق الدولي، ويدّعي ان الافكار التي نقلت الى المملكة العربيّة السعوديّة هي "افكارهم (افكار لبنانيّة) ورفضوها و"ان لا مشكلة بين سوريا ولبنان بل ثمة مشكلة بين قلة لبنانية وسوريا"، انما ينسف أساس أي مسعى عربي.
"عُدة" المواجهة مع ايران والفصائل وبعض اللبنانيين
ثلاثة مضامين رئيسية اذا لخطاب الأسد: إعداد الوضع السوريّ الداخليّ لمرحلة العقوبات الدوليّة، إعلان نيّة عدم التخلي عن لبنان بأيّ ثمن وبأيّ وسيلة بما فيها الحرب المخابراتيّة والاغتيالات، وإغلاق المنافذ امام أيّ محاولة عربيّة متوازنة، بما في ذلك من جانب العرب الذين أسدوا اليه النصح بـ "التعقّل".
واذا كان ما تقدم يرسم من خلال خطاب الرئيس السوريّ معطيات "المواجهة" التي قرّرها النظام في دمشق، فمّما لا شك فيه انّ هذا النظام يستند الى قوى في هذه "المواجهة" في مقدمها ايران، حيث أتت زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الى العاصمة السوريّة لتعلن الحلف الايرانيّ ـ السوريّ، وقد وجّه نجاد "رسالة مواجهة" هو ايضا. ومن الواضح ان الحلف الايرانيّ ـ السوريّ سوف يعتمد على الفصائل الفلسطينيّة الموالية للطرفين داخل فلسطين وفي المخيّمات، وعلى قوى في لبنان، غنيّ عن القول انّ "حزب الله" هو الأساسيّ من بينها.
ذلك كله يعني انّ لبنان الذي كان منذ عدّة أشهر في دائرة الخطر المتأتي من "سلوك" النظام السوريّ ومن أداء النظام الايراني، غدا منذ اول من امس نقطة ساخنة، وأن "الصدام" بات ارجح الاحتمالات.
جنبلاط حسم موقع 14 آذار
وقبلَ التوسع في تناول إحتمال "الصدام" ومداخله، من الضروريّ التوقّف عند المعنى العميق للكلام الذي أدلى به رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط خلال مقابلته مساء الجمعة الفائت على شاشة "المستقبل".
لقد جاء كلام جنبلاط "زمنياً" بعد مقابلة على شاشة "نيو تي في" للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. وفي هذه المقابلة التي تحدث خلالها بـ"نبرة" هادئة وأبدى فيها قدراً من الانفتاح، أبقى نصرالله النزاع مربوطاً مع الغالبية الوزارية ـ النيابية حول أمرين: الأول هو أن تُعلن هذه الغالبية عبر الحكومة ان "المقاومة ليست ميليشيا"، والأمر الثاني هو أن تُعزل قضايا رئيسية عن مبدأ التصويت في مجلس الوزراء. والحق يُقال، ان ما أدلى به نصرالله ولّد في الساعات التي تلته ارتياحاً عند العديدين كان في رأيهم أن يرد جنبلاط التحية بمثلها، أي أن يلاقي نصرالله في منتصف الطريق. بيد أن هذا الرأي لم ينتصر إزاء إصرار وليد جنبلاط على ملاقاة السيّد في الشكل وليس في المضمون. وهكذا بدا خلال ساعات فقط ان نصرالله "يفتح" بينما جنبلاط "يغلق".
..وردّه على نصرالله يوضح أسباب عدم المهادنة
غير ان هذه "الصورة" لم تدُم طويلاً. فجنبلاط الذي كان يدرك بحدسه وبالمعطيات التي يملكها ان ثمة محوراً سورياً ـ إيرانياً يجري تركيبه، ـ وهو تحدث في يوم الإعلان عن هذا المحور ـ وأن "حزب الله" راكب على هذا المحور، كان يدركُ في الوقت نفسه ان "المعركة" باتت مفتوحة مع "مشروع" إدخال لبنان في هذا التحالف ـ المحور. ولذلك اختار زعيم فريق 14 آذار عدم المهادنة مع نصرالله فأعاد شرح الخلاف و"تفصيله"، واعتبر ان "المهادنة" إن هي تجاوزت الشكل من شأنها تمييع "المعركة" التي يصطف فيها نصرالله على طرفٍ نقيض، فيما المطلوب برأي جنبلاط هو الوضوح في تحديد الموقع بما هو الاعتراض الحاسم على "مشروع" إدخال لبنان في المحور الإيراني ـ السوري الذي يرى فيه خطراً على الوضع اللبناني، وفيما المطلوب تحقيق أقصى التماسك السياسي في "جبهة 14 آذار". وعليه، رأى وليد جنبلاط ان أي تنازل لا يمكن تقديمه لحزب الله بما في ذلك "الجملة" حول المقاومة، لانه سيجري توظيف هذا التنازل في مسالك ومدارات أخرى.
هكذا إذاً، يمكن القول أن الأيام الماضية، وخصوصاً في ضوء خطاب الأسد، شهدت فرزاً يشبه الفرز الذي كانت البلاد تشهده حول أحلاف إقليمية ودولية "مرّت" في تاريخ البلد، مع فارق جوهري هو ان الفرز كان يتخذ في المرات السابقة بُعداً إسلامياً ـ مسيحياً حاداً، فيما الفرز اليوم وبالرغم من الاستنفارات الطائفية، يبدو سياسياً أكثر، و"الاختلاط" موجود على الضفة المعارضة للمحور الإيراني ـ السوري.
"المشروع اللبناني": الطائف مرجعيةً
وبالعودة إلى "الصِدام" الذي ترجحه تطورات "السياستين" السورية والإيرانية، فإن هذا "الصدام" يقوم إحتماله على "حقيقتين": الأولى تتمثل بالفرز الحاصل بين مشروع لبناني يعتبر أن مرحلة ما بعد خروج سوريا من لبنان أو إخراجها منه يجب أن تشكل فرصة تاريخية لبناء "الدولة" في مناخ من الاستقلال والسيادة والحرية والعروبة المنفتحة، والثانية تتجسّد في مشروع إقليمي خطير على لبنان ومكلف بالنسبة إليه وبلا أفق تاريخي وسياسي.
"المشروع اللبناني" بدا في الآونة الأخيرة دفاعياً، فيما بدا المشروع المقيم على خط دمشق ـ طهران هجومياً، بالرغم من أن ثمة إنجازاً متحققاً لا ريب فيه هو تماسك قوى 14 آذار على نحو لم يكن قائماً قبل جريمة اغتيال النائب الشهيد جبران تويني.
وهنا لا بد من القول ان لـ"المشروع اللبناني" مرجعيةً اساسية هي اتفاق الطائف. واتفاق الطائف للتنفيذ وليس للتفاوض. وهذا الاتفاق الذي يحسُم بأن لبنان بلد عربي، يضع اسس "الموقف القومي" للبنان على قاعدة ان يحدد اللبنانيون بحريتهم ما لهم طاقة على احتماله وما لا طاقة لهم على تحمّله. وبهذا المعنى فإن "لبنانية" اتفاق الطائف ليست "انعزالية" ولا "المشروع اللبناني" صدى لمشروع اميركي ـ غربي، فيما "المشروع الآخر" يتجاوز الطائف.
"المشروع غير اللبناني": خارجي إقليمي
"المشروع غير اللبناني" أمسك في الفترة الماضية بـ"ورقتين" سياسيتين: "الورقة الحكومية" بما هي استرهان الوضع الحكومي عبر شلّه طويلاً من ناحية وورقة التهديد بالشارع كما جرى قبل أيام في مسيرتي السرايا وعوكر. وإلى هاتين الورقتين السياسيتين، يمسك النظام السوري بأوراق أخرى، هي أوراق الأمن، من الاغتيالات إلى التفجيرات، إلى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، إلى تهريب الأسلحة والتسليح.
الخطة المطلوبة: حسم الوضع الحكومي
وإجراءات أمنية وقضائية
وفي هذه الحال حيث يملك فريق "المشروع غير اللبناني" اختيار المداخل المختلفة إلى "الصدام" سياسياً وأمنياً، لم يعُد يكفي أن تكون قوى 14 آذار على تماسك في "تحليل" الخطة الأخرى وفي الموقف منها، ولا بدّ لها من خطوات ملموسة.
ويبدو ان في مقدّم ما ينبغي معالجته الوضع الحكومي بحيث تستعيد الحكومة دورها في القرار السياسي. غير انه وبجانب هذه المسألة السياسيّة ـ الدستوريّة، لا بدّ من خطّة في ثلاثة توجهات. التوجه الاول وضع خطّة أمنيّة متماسكة تنفذها القوى العسكريّة والأمنيّة للدولة، على الاقل لايجاد منطقة امنيّة شرعيّة "آمنة" في العاصمة.، والثاني التحرك الخارجي باتجاه الدول العربيّة ودول العالم، بعد ان حاول النظام السوريّ "بلف" الاشقاء العرب وسرقة مبادراتهم. والثالث هو استعادة "نبض" الشارع. وينبغي في سياق ذلك كله تذكير الجهات القضائية المعنية بأنّ ثمة من بين أدوات النظام السوريّ من يستحقون الملاحقة سواء على خلفيّة جريمة اغتيال الرئيس الحريري والجرائم الاخرى او على خلفيّة تضليل التحقيق، او بالاستناد الى التحريض الذي تمارسه هذه الأدوات ممّا يقع تحت القانون، او على اساس الفضائح التي ارتكبتها، فلا يجوز في حالة حرب معلنة على لبنان أن تبقى بعض الاوضاع على حالها.
برّي وتحدّي المبادرة
في اجواء خطوات سياسيّة ـ امنيّة ـ قضائيّة من هذا القبيل، يمكن "تفقّد" مبادرة الرئيس نبيه بري ومصيرها. وغنيّ عن القول في هذا المجال انّ "المواجهة" التي يُعلنها خطاب الاسد تصيب مبادرة الرئيس برّي مباشرة، لأنّ "المواجهة" تعلن ان الخلاف بين اللبنانيين هو مطلبها وليس وفاقهم. لكن الرئيس برّي بخبرته السياسية، وبما يكابده من المشاكل القائمة، حتى وهو مختلف مع قوى 14 آذار حول أمور عديدة، يستطيع ان يأخذ من الفرز الحاصل سبباً اضافياً لتسريع الخطى، علماً ان التحالف الايراني ـ السوريّ لا يعتبر برّي من "مكوناته"، وهو بـ "لبنانيّته" لا يرى نفسه ضمنه، وهو في زيارته الخاطفة الى دمشق ولقائه الخاطف بأحمدي نجاد بدا بحسب الكثير من المراقبين يقوم بلقاء "بروتوكولي".
انّ الامور في لبنان اليوم "أوضح" من أيّ يوم مضى، وهي تحتاج من جانب قوى 14 آذار الى الانتقال نحو المبادرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.