ولّدت مقابلةُ الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله على شاشة "نيوتي ي" مساء أول من أمس، ارتياحاً بنسبة عالية في الوسط السياسيّ اللبنانيّ، وكانت موضع مناقشة على نطاق واسع في الساعات الماضية، لاستكشاف أبعادها ودلالاتها وكيفيّة "التعامل" معها.
ما الذي ولد الارتياح في هذه المقابلة؟
لا شّك بداية أنّ الأسلوب الذي صاغ السيّد نصرالله به مواقفه، كان أسلوباً هادئاً وحواريّاً ومسؤولاً. وإذا كان البعض اعتبر أنّ السيّد كان دفاعياً أكثر منه هجومياً بعد حملة المواقف الانتقاديّة والاعتراضيّة التي تعرّض لها "حزب الله"، لا سيّما من قبل رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط، فقد وُجد بعضٌ آخر يذكّر بأن نصرالله "الدفاعي" كان "اتهامياً" في عدد من الفقرات خصوصاً عندما ربط مواقف قوى الغالبيّة النيابيّة ـ الوزاريّة بما سمّاه "الاملاءات الأميركيّة الأخطر من الوصاية". ومع ذلك، يسجّل له الحرص على عدم القطع والقطيعة مع أحد، وسعيُه إلى تفكيك الاحتقان.
على أنّ الأساسيّ مّما خلق الارتياح، أي القدرة من قبل الوسط السياسيّ المنتمي إلى 14 آذار وجمهوره على الاستماع إلى المقابلة ومتابعتها من دون تشنّج، يتمثّل في عددٍ من النقاط الرئيسيّة.
عدم الدفاع عن النظام السوريّ وحلفائه
النقطة الأولى، هي أنّ السيّد الذي "فسّر" منطق علاقة الحزب بسوريّا بما هو منطق قائم على "اعتبارات استراتيجيّة حاكمة"، وحدّد الخلاف مع وليد جنبلاط على انّه خلاف حول مشروع إسقاط هذا النظام الذي يريده جنبلاط ويعمل له كما قال نصرالله مفسراً موقف الزعيم الاشتراكي، لم يدافع مع ذلك عن النظام السوريّ، لا بل شدّد اكثر من مرة على الجانب الدينيّ المتمثل بـ "يوم الحساب" مّما يفترض تقديم "البيّنة" للادعاء والاتهام.
والنقطة الثانية، هي خلوّ المقابلة على مدى ثلاث ساعات من تلميحات أو تهديدات سابقة بالذهاب في "المشكل" نحو إحدى ثلاث نهايات: إما الاستقالة من الحكومة وإمّا تشكيل "حكومة اتحاد وطنيّ" (مع حلفاء سوريا) وإمّا حصول انتخابات نيابيّة مبكّرة. وهي عناوين شكلت مفاصل رئيسيّة سواء في مقابلته على شاشة "المنار" الشهر الماضي أو في الكلام الذي نقله عنه "المجلس الوطنيّ للإعلام".
ومعروفٌ في هذا المجال أنّ هذه العناوين الآنفة تعامل معها وسط 14 آذار بوصفها مجتمعةً خطّة للانقلاب على الوضع السياسيّ الذي أفرزته تطورات العام الفائت، فيما مقابلته بالأمس خلت من أيّ إشارة إلى رموز وقوى يعتبرها وسط 14 آذار من "المرحلة البائدة".
انفتاحٌ في موضوع السلاح و"الاستراتيجيّة الدفاعيّة"
أمّا النقطة الثالثة فتتعلّق بكلام زعيم "حزب الله" عن المقاومة وسلاحها. هنا، وإذ كرّر السيّد القول أنّ سلاح المقاومة قابل للحوار ـ مِن مدخل أنّ إسرائيل عدو ـ معتبراً أنّ القبول بالحوار حول هذا السلاح "تنازلٌ كبير قدمه الحزب"، أعطى مجموعة من الإشارات المنطوية على معانٍ كثيرة. أكدّ أنّ المقاومة "وسيلة" والسلاح "وسيلة" وليسا "هدفاً" بذاته. تحدث عن وضع استراتيجيّة دفاعيّة "لنلتزم بها". سأل: هل أكون مزعوجاً إذا جاء من يقول لي دع المجاهدين يرتاحون فهناك من سيقوم بالمهمّة؟. لم يرفض اقتراحات سئل رأيه فيها من مثل الانضمام إلى الجيش وإن كان لم يعلن موافقته. مرّ على كلامٍ للعماد ميشال عون يقول فيه إنّ السلاح سواء أكان سلاح مقاومة أو سلاح ميليشيا فإنّه سيسلّم إلى الجيش في النهاية، من دون تعليق على مضمونه بل مشيداً بوضوحه ومحاججاً به في معرض "تقديم" الموقف من اعتبار ان "المقاومة ليست ميليشيا". تناول المقاومة خلال السنوات الماضية بعد العام 2000 بتوصيفات "جديدة": حالة دفاعيّة، بضعُ عمليّات، تذكيريّة، لا أداءَ تفجيرياً.
هذه النقاط الثلاث الآنفة، ولّدت الارتياح "في الجوهر"، أي أوحت أنّ السيد نصرالله منفتحٌ على الحوار ولا يغلقه، بالإضافة طبعاً إلى "تسليمه" بأنّ المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري "أمرٌ مكتسب والقرار مأخوذ ولن نطالب بالعودة عنه".
رفضُ ترسيم الحدود
بيدَ انّ ثمّة نقاطاً أخرى تستدعي التوقّف عندها، ولو أنّها طُرحت في نفس السياق الانفتاحيّ.
رفض السيّد نصرالله مبدأ ترسيم الحدود اللبنانيّة ـ السوريّة في مزارع شبعا، معتبراً أنّ طلب الترسيم مشوبٌ بعيبين، سياسيّ، لأن المنطقة تحت الاحتلال الاسرائيلي، وفنيّ بدعوى عدم القدرة العمليّة على الترسيم. وفي معرض هذا الرفض، وعلى سبيل "المحاججة" دعا نصرالله الغالبيّة الحكوميّة والنيابيّة إلى القول انّ المزارع غير لبنانيّة "فنوقف عملياتنا في المزارع وهذا تعهد". وبطبيعة الحال، فانّ أحداً لا يستطيع الموافقة مع السيّد على أنّ مزارع شبعا محكومة بأن تبقى إمّا غير مرسمّة وإمّا غير لبنانيّة، وما يطرحه حيال الترسيم ليس مقنعاً بمعنى أنّ الهدف السياسيّ ـ الوطنيّ من الترسيم يفترض أن يقود إلى حلول تبدأ باتخاذ سوريّا الخطوات المطلوبة.
الجُملة عن ان المقاومة ليست ميليشيا
وفي سياق شرحه للمفاوضات التي دارت بين الحزب و"تيار المستقبل" ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة حول عودة الوزراء عن قرار تعليق المشاركة، لفت في كلام نصرالله أنّه قال للسنيورة عندما اقترح تحديد مهمّة المقاومة بتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا "حصراً"، أنّ نصاً كهذا يُسقط مهمّة المقاومة في مواجهة الاعتداءات الاسرائيليّة في مناطق أخرى. وبكلام آخر، فانّ السيّد الذي قال في مقابلته أوّل من أمس ما مفادُه انّه لا يسعى من خلال أيّ نصّ إلى تحديد وظائف المقاومة منذ الآن (قبل تحرير المزارع) وأنّه ليس مستعجلاً لذلك، إنّما يترك الموضوع مفتوحاً. كيف؟ لأنّ عدم ترسيم المزارع يبقي الملف مفتوحاً، ولأنّ ربط السلاح بمواجهة الاعتداءات الاسرائيليّة يفترض أن يكون غير ذلك بما أنّ السيد يقترح كما ذُكر آنفاً استراتيجيّة دفاعيّة "نلتزم بها"، ولانّ الاستراتيجيّة الدفاعيّة لكل لبنان الملتزم بأن اسرائيل عدو، لا يمكن أن تكون من خارج "الدولة". وبهذا المعنى، يُستحسن بالحوار الذي "يجب" أن يتوصّل إلى تحديد استراتيجيّة دفاعيّة، أن يكون "مستعجلاً"، أي أن يتم تحديد نقطة بداية ونقطة نهاية.
لذلك، فإنّ "حزب الله" عندما يؤكّد على ضرورة صدور موقف رسميّ لبنانيّ عن مجلس الوزراء يُعلن انّ "المقاومة ليست ميليشيا"، يُفترض ان يطرح المقدّمات. كيف؟
نعم، انّ "المقاومة ليست ميليشيا". لم تكن ميليشيا سابقاً وليست ميليشيا اليوم. وهذا ما أكدّه اللبنانيون بشبه إجماع عبر مختلف تيّاراتهم. والسيّد نصرالله محقّ في قوله أنّ عدم اعتبار المقاومة مقاومةً يجعلُها "خارجة عن القانون". وهو محقّ في قوله أنّه لا يقبل أن يكون مدعواً إلى الحوار بوصفه ميليشيا، بل بوصفه مقاومة، علماً أنّه الأمين العام لحزب الله وهي صفته "الأشمل".
بين "الجُملة" و"الفاصلة"
غير أنّ النصّ على أنّ المقاومة ليست ميليشيا، في ما يتجاوز البيان الوزاري، ليس كما قال السيّد مجرد "جملة أعطونا إياها"، إذ من المنطقي في التطلع إلى المستقبل (لأن السيّد لا يطالب بهذه الجملة لـ"مفعول رجعي") أن المقاومة مقاومة في مزارع شبعا حتّى تحريرها، وعلى أساس أن يتمّ ترسيمُها. أمّا بعد ذلك فلـ"الاستراتيجية الدفاعيّة" صيغ شتى يجب التوصل إلى تحديدها منذ الآن. وإلا لا تعود هذه "الجُملة" حلاً كافياً لما يتجاوز العودة إلى الحكومة إذ لا تقدّم البديل "المتكامل" من المطلوب دولياً مِن لبنان، وتصبح "الجملة" شبيهةً بـ"الفاصلة" التي طلبها العماد عون في اتفاق الطائف وأدّت إلى ما أدّت اليه. وفي هذا الإطار إنّ الردّ على القرار 1559 الذي يصنّف المقاومة ميليشيا، يفترضُ أن يكون متطلعاً الى إخراج لبنان من المشكلة، فلا يؤكد أنّ "المقاومة ليست ميليشيا" فقط بل تكون في حوزته خارطة طريق واضحة.
الملفّ الفلسطيني وتغييب مرجعيّة الطائف
وفي مجال آخر، وعلى الرغم من الهدوء في تناوله الملفّ الفلسطيني، والموقف الذي أكدّ من خلالِه عدم الاعتراض على "لمّ السلاح الفلسطيني" مقترحاً عدم تجزئة هذا الملفّ. فإنّ السيد حسن نصرالله لم "يسنُد" حديثه في هذا المجال إلى أيّة "مرجعيّة"، علماً أنّ لهذا الموضوع مرجعيّة في اطار اتفاق الطائف، أي انّ هذا الاتفاق يجب أن يطبّق وأن يراعي التطبيق ما لفت إليه السيّد لجهة الحقوق الفلسطينية، وكان يمكن أن يقول "نوافق على ما يمكن أن يوافق عليه اللبنانيون ثم ما يتفق عليه اللبنانيون والفلسطينيون"، من غير أن يكتفي بالقول "سنوافق على ما يوافق عليه الفلسطينيون".
"العقلنة"
إذاً، وفي قراءة لمواقف السيّد في مقابلته الأخيرة، ثمّة ارتياح لنبرة "الخطاب" وللغة "المحترمة" ـ وهي عادة السيّد على كلّ حال ـ وللمضمون الانفتاحي، وإن كان هذا الارتياح على قاعدة أنّ المقابلة شكلاً ومضموناً تسمح بالدخول في الحوار، لا يُلغي إثارة عدد من النقاط بداهةً. وثمّة قاعدة لا بأس من التذكير بها، وهي أنّ مسؤوليّة "حزب الله" المشكّك في تدخل أميركيّ لدى أطراف الغالبيّة، أن يساعد على إسقاط هذه التدخّلات بتسهيل الوصول إلى تسويات لبنانيّة "محضة"، ولا اعتراض على المساعدة العربيّة المنزّهة في هذا المضمار.
على أنّ ما ينبغي قوله في كلام السيّد نصرالله من جوانبه كافّة، ما هو متفق عليه وما هو متروك للاتفاق بينه وبين الآخرين، هو أنّ هذا الكلام يتضمّن قراءة ومواقف سياسيّة تأخذ في الاعتبار موازين القوى على غير صعيد محلّي وإقليميّ ودوليّ، أي أنّه كلام "يعقلن" قراءة موازين القوى. وهنا بالضبط المصدر الرئيسيّ للارتياح الذي قوبل به، تماماً، لأن الحوار يغدو ممكناً فتحُه على هذا الأساس، ولأنّ الأمور بات يمكن أن "تتحرّك"، وبات مطلوباً ملاقاة الحزب والسيّد و"ردّ التحيّة بمثلها".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.