8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحوارُ وظروفُه غير المتاحة بعد

لم ينقص وليد جنبلاط الوضوح في تحديده لنقاط الخلاف مع "حزب الله". فمن منطلق تمسكه باستقلال لبنان وسيادته وحريّته، أي بإنهاء المرحلة الانتقالية المستمرة منذ ما بعد الانسحاب العسكري السوري الرسمي أواخر نيسان الماضي، عدد جنبلاط هذه النقاط بدقّة.
قال إن الخلاف هو على الموقف من المحكمة الدوليّة في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وحول توسيع التحقيق الدولّي ليشمل جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال التي بدأت بمروان حمادة و"انتهت" بالشهيد جبران تويني. وأضاف أنّ الخلاف هو على كيفيّة التعامل مع القرار 1559، وهو يعتبر في هذا المجال أنّ ثلاثة بنود رئيسية منه لم تطبق بعد وهو مع تطبيقها: البند المتعلّق برئاسة الجمهورية والذي يعتبر التمديد لإميل لحود غير شرعي، والبند المتعلق بالانسحاب السوريّ "الكامل" من لبنان حيث لا تزالُ سوريا حاضرة بمخابراتها وشبكاتها أمنياً وتمارس التدخل السياسي في الشأن اللبناني، والبند المتعلق بالسلاح الفلسطيني، إبتداء من السلاح خارج المخيمات. أما في ما يتصل بسلاح "حزب الله"، فقد أبدى زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" اقتناعه بأنّ هذا السلاح يرتبط بوظيفة تحرير مزارع شبعا واستعادة الأسرى من سجون الاحتلال الاسرائيلي. وبما أن المزارع بحاجة الى تثبيت لبنانيتها قانونياً فلا بد من إقرار سوريّ قانوني رسمي بلبنانيتها يتم على أساسه ترسيم حدودها، مضيفاً أن وظيفة السلاح تنتفي بعد ذلك مقترحاً إنضمام المقاومة الى الجيش لتعزيز مشروع دفاعي عن لبنان في وجه إسرائيل، وفق صيغة يتم النقاش فيها. باختصار، ان ما قاله وليد جنبلاط يعني الانتقال "الحاسم" الى مرحلة جديدة يتكرس فيها استقلال البلد فيكون قادراً على استكمال مساره الديموقراطي، وعلى "التصالح" مع المجتمع الدولي، وعلى الوفاء بحدود طاقته لالتزامه العربي خارج أية محاور إقليمية.
"هيئة 14 آذار" للحوار: سبق سياسي
تأسيساً على هذا التحديد الدقيق لنقاط الخلاف مع "حزب الله" ـ وغيره ـ عقدت "هيئة الحوار البرلمانية" المنبثقة عن لقاء قوى 14 آذار اجتماعاً أول من أمس. وكما تدل تسميتها ـ هيئة الحوار ـ فقد دعت إلى الحوار، وأعلنت أنها ستطلب عقد دورة استثنائية لمجلس النواب ليكون المجلس مكان الحوار، وحذّرت من الاحتكام الى "الشارع" مذكرة في الوقت نفسه بأنّ ثمة "شارعاً" آخر.
ما من شك بداية أن قوى 14 آذار بقيامها ـ عبر وليد جنبلاط ـ بتحديد عناوين الخلاف ومفاصله من جهة وبدعوتها الى "التعقل" والحوار داخل المؤسسة الدستورية الأم أي مجلس النواب من جهة ثانية، إنما حققت "سبقاً" إعلامياً وسياسياً، في وقت يبدو "الطرف الآخر" أي حلفاء النظام السوري، في حالة من العصبية والاستنفار في "الشارع".
لذلك، يبدو السؤال عما إذا كانت ظروف الحوار ناضجة بالفعل، طبيعياً ومنطقياً، أي ما إذا كان الكلام في ما يتجاوز تكرار مصطلح الحوار، ممكناً في العمق أو ما إذا كانت فرص الحلول ممكنة.
النظام السوري بين وتيرة التحقيق والتحالف مع إيران
في الجواب عن هذا السؤال، تحضر فوراً عناوين رئيسية تؤشر الى أنّ آفاق الحوار لا تزال غير مفتوحة الآن.
لا جدال بدايةً في أن استئناف التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وتيرته السريعة، يجعل النظام السوري في حال من التوتر و"الهياج"، خاصة إذا انتهت الاستجوابات التي جرت في النمسا أول من أمس الى طلبات محددة مثل طلب توقيف المشتبه بهم سورياً، وخاصة إذا أصرت لجنة التحقيق الدولية على استجواب الرئيس السوريّ بشار الأسد.. وفي وقت تؤكد كل ا لمواقف عربياً ودولياً على أن لا تسوية على حساب التحقيق والحقيقة.
في هذا "المناخ" الذي يعيشه النظام السوريّ، لا شكّ في أنّ هذا النظام الذي يستشعر خطراً على وجوده من مسار التحقيق الدولي، يمارس سياسة الهروب الى الأمام. وفي هذا الإطار، لا يخفى أنّه، مستقوياً بالتحالف مع النظام "الجديد" في إيران، يحوّل لبنان الى ساحة لـ "تصريف" ما يسميه "المواجهة" مع الضغوط الدولية عليه. وفي "سياسته" هذه، ثمة ما هو "أصليّ" أي "الحنين" الدائم إلى حكم لبنان والتحكّم به واستتباعه، وثمّة ما له علاقة بالراهن من الأمور، حيث "الخطّة" تقضي بزعزعة استقرار "الوضع السياسيّ الجديد" كحدّ أدنى، وبالانقلاب عليه بكلّ الوسائل كحدّ أقصى.
غير أنّ ما ينبغي قوله في هذا المجال، هو أنّ هذه الخطة ـ المشروع بما هي "استعادة" الوضع اللبناني، مستحيلة. فالنظام السوريّ منشغل بنفسه أولاً، ويعاني من عزلة عربية ودوليّة ثانياً، ويواجه وضعاً سياسيّاً لبنانياً متماسكاً في شقه المعارض لسوريّا، أي في الشقّ المتصل بطوائف أساسيّة وبتمثيلها السياسيّ.. ثالثاً. ومع ان الخطة ـ المشروع مستحيلة، فإنّ النظام السوريّ يستطيع "التخريب".
"حزب الله": تجربة الأزمة الحكوميّة وكلام "قدس الأقداس"
إذاً، النظام السوريّ في حال من التوتر و"الهياج" بسبب ايقاع التحقيق الدوليّ، ويهرب إلى الأمام باستخدام قدرته على التخريب في لبنان. وبهذا المعنى، فانه العامل الرئيسي في جعل ظروف الحوار الداخليّ غير ناضجة.
لكنّ لهذا النظام حلفاء رئيسيين، لا سيّما "حزب الله" وحركة "أمل". وطالما انّ نظام دمشق على هذه الحال، ومعه إيران العائدة إلى الايديولوجيا وعاداتها القديمة، يصعب تقدير انّ الفريقين أي الحزب والحركة يستطيعان الفكّ عنه، إما اضطراراً وإما مراهنة على مشروع تصدّ للخطة الأميركية في المنطقة بين دمشق وطهران يكون لبنان أحد روافده. وعلى كلّ حال، فإنّ "تجربة" الأزمة الحكوميّة الراهنة تعكس إلى حدّ كبير واقع الأمر. فلا تزال عودة وزراء الحزب والحركة إلى الحكومة معلقة على القبول بما يشترطانه لا سيّما في مجالَي الـ1559 و"التوافق". وقد يُبقيان مشاركتهما في الحكومة معلّقة لفترة.. علماً أن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله طرح أمام "المجلس الوطني للاعلام" أول من أمس ثلاثة بدائل "معبّرة" هي تكرارٌ لعرض سابق: إمّا حلّ الأزمة الحكوميّة بالموافقة على شروط العودة، وإما تشكيل حكومة اتحاد وطنيّ (أي حكومة لا أكثريّة وزاريّة فيها) وإمّا انتخابات مبكرة لإنتاج أكثريّة جديدة.
وإضافةً إلى "تجربة" الأزمة الحكوميّة ومفاوضاتها، والتي تكشف أنّ ظروف الحوار إمّا انّها غير ناضجة أو أنّ الحلول مستعصية، كان كلام السيّد نصر الله معبّراً إذ اعتبر أنّ "سلاح المقاومة قدس الأقداس" وأنّه "عِرضنا ولا نقبل أن يدق أحد به". ومعلوم أنّ "قدس الأقداس" و"العِرض" غير قابلين للحوار، وهذا يعني استبعاد مسألة خلافيّة رئيسيّة عن الحوار.
إنّ "الصورة" التي جرى استعراضُها آنفاً تظهّر واقع أنّ الحوار الذي أطلقت قوى 14 آذار الدعوة إليه وحدّدت نقاطه قبل أن تصوغها في "ورقة" رسميّة، محاط بعقبة سوريّة من ناحية وبمواقف داخلية متصلة بهذه العقبة في عدد من جوانبها من ناحية ثانية. والأكثر دلالة هو انّ القوى الحليفة للنظام السوريّ انتقلت إلى التنفيذ. وفي هذا السياق يأتي النزول المتتالي الى الشارع عبر مسيرات الاحتجاج على "الوصاية الاميركيّة"، ومحاولات استدراج الحكومة إلى مشاكل، بأفق شلها وإسقاطها. وليس خافياً أنّ هذا الاحتكام إلى الشارع وإن جعل من رفض ما يسمى الوصاية الأميركية عنواناً له، إنما هو "مؤازرة" للنظام السوري في لحظة "استحقاق" مطالب التحقيق الدولي.
التعقّل في مقابل التهور... و"التخريب"
في هذا "الجو"، علامَ تراهن قوى 14 آذار إذاً في دعوتها إلى الحوار؟
من الواضح أنّها تكسب من دعوتها إلى الحوار "صورة" التعقّل في مقابل "صورة" التهوّر عند الآخرين.. وأنّها تنطلق من موقع تماسك سياسيّ في ما بينها.
وعلى الأرجح أنّ قوى 14 آذار تعتبر أنّ أفق الخطة السوريّة مسدود سياسياً على غير صعيد محليّ وعربيّ وإقليميّ ودوليّ، وأنّ المدى "المزعج" منها أي "جانبها التخريبيّ" محدود في الزمن، لأنها في سباق مع تطورات دوليّة لا سيّما على مستوى التحقيق لن تستطيع كسبه (السباق).
كذلك، فإن قوى 14 آذار التي تدرك أنّ ظرف الحوار لم ينضج تبعاً لما جرى ذكره آنفاً، تدرك في الوقت نفسه أنّ الطرف اللبناني الآخر لن يقبل المجيء إلى الحوار بدون شروط مسبقة إلاّ بعد أن يجرّب تعديل موازين القوى. لكنّها تذكّر الطرف الآخر بأن هذا الممر التجريبي لن يكون مجدياً.
مبادرة برّي في ظروف جديدة
وفي الوقت نفسه، فإن قوى 14 آذار التي كانت في مقدم المرحبين بمبادرة الرئيس نبيه بري الحوارية، ترغب في حثه على استئنافها. وهي تدرك أن الرئيس بري ربما يكون "مصدوماً" بعد المواقف التي اتخذتها مما سمي "مبادرة عربية" ولم يكن كذلك، خاصة أن رئيس المجلس بحنكته السياسية المعروفة كان سعى الى تأمين غطاء عربي لمبادرته "اللبنانية"، وهو كان قال لمن سأله عن هذه المبادرة أنه لا يستطيع السير فيها من دون تغطية عربية، مصرية ـ سعودية بشكل خاص، وبموافقة سورية. والحال هنا أن قوى 14 آذار التي رفضت "أفكاراً" واقتراحات "تعطي" النظام السوري في لبنان، لم ترفض مبادرة بري وإن كانت "صعّدت" في الأيام الأخيرة توضيحَ عناوين الخلاف. وفي جميع الأحوال، فانها ستسارع الى الاتصال ببري لاقتراح عناوين الحوار وآلياته، حتى لو كان يعتقد أن ما جرى يؤدي الى جعله "يتروّى" في مبادرته.
وأخيراً، أن قوى 14 آذار في دعوتها الى الحوار بالرغم من الظروف المعطِّلة، تقول للطرف الآخر بشكل من الأشكال أنها لا تفعل ذلك لعدم قدرتها على الاحتكام الى الشارع، بل لعلها تعلي راية الحوار وتقول في الوقت نفسه إنّ النزول الى ساحة الحريّة من جديد ممكن ومحتمل إذا اقتضى الأمر.
ومع ذلك، ثمة من يقول أن ليس ضرورياً أن يبدو الحوار في لبنان معطلاً دائماً، إما بسبب الوصاية أو بسبب الاستقواء أو بسبب "تجريب" طرق أخرى.. وأنه لذلك لا بدّ من الحوار "فوراً" كي لا يتقابل "شارعان" ويصل الوضع الى "المحظور". لكن، ليس كلّ ما يُتَمنّى يمكن إدراكه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00