بالغَ "حزب الله" خلالَ الأسابيع الماضية مبالغة شديدة في تجاهل قوى 14 اذار وما تطرحه، كما بالغَ في قراءة الموازين السياسيّة. وإذا كانَ مِن حقّ المراقبين أن يلاحظوا على سبيل المثال انّ السبب المُعلن للاعتكاف من جانب وزراء الحزب وحركة "أمل" هو غير الشرط المطروح للعودة إلى المشاركة في مجلس الوزراء، فانّ متابعةَ دقيقة لمجريات "الحوار التفاوضيّ" بشأن العودة إلى الحكومة، تظهر بما لا يدع مجالاً للشكّ انّ الحزب يفرّط بامكانيّة التوصّل إلى تسوية بالاجماع حول الموضوع الذي لا يزال موضع جدل، أي الموقف من المقاومة في إطار الموقف من القرار الدوليّ رقم 1559.
أخطاء تكتيكية
أخطأ الحزب ـ ومعه الحركة ـ في الانسحاب من جلسة مجلس الوزراء التي كان عليها أن ترد على تهجّمات الرئيس السوريّ بشّار الأسد على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري.. والرئيس الشهيد رفيق الحريري نفسه. أخطأ هنا، ليس فقط لأنّ الحجج التي تقدّم بها غير مقنعة على الاطلاق، ولأنّ الردّ على التهجم والشتم لا يحتاج إلى درس عميق، بل أخطأ لأنّه وضع نفسه سياسيّاً في مكان آخر مقابل سائر الشركاء في الحكومة، وبدا على خيار سوريّ.
وأخطأ الحزب ـ ومعه الحركة ـ في الانسحاب من جلسة مجلس الوزراء التي أقرت المحكمة ذات الطابع الدوليّ وتوسيع التحقيق الدوليّ، وأخطأ تالياً في تعليق المشاركة في الحكومة، على هذا السبب المُعلن (أي المحكمة الدوليّة وتوسيع التحقيق) لأنّ هذين الأمرين يمثّلان التتمّة المنطقيّة لطلب لجنة تحقيق دوليّة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري من ناحية ويشكّلان من وجهة نظر معظم الاجتماع السياسيّ اللبناني "الضمانة" لردع مسلسل الاغتيالات الذي يستهدف رجالات 14 آذار من ناحية ثانية.
لكنّ هذه الأخطاء على "أهميّتها" لاتوازي خطأ الإصرار بعدَ ذلك على اشتراط العودة بموقف من الحكومة حيال الـ1559. كان الحزب يستفيدُ حتّى تلك اللحظة من "غموض بنّاء" تجسّده "التسوية" المتضمنة في البيان الوزاري. لكنّه باصراره على فتح هذا "الملف" كان عليه أن يتوقّع حتميّة الانتقال من "الغموض البنّاء" إلى "التحديد الدقيق".. وبناء على طلبه هذه المرّة.
التسوية بالاجماع على "الأقلّ" خيرٌ من اتفاق على "الأكثر"
ومع ذلك، فقد دارت النقاشات والحوارات دورتها، ووافقت قوى 14 اذار ـ كلّها ـ على صيغة محدّدة: انّ المقاومة ليست ميليشيا، وبما انّ مهمّة المقاومة هي استكمال تحرير الأرض المحتلة واستعادة الأسرى، فانّ "نطاق" عمل المقاومة هو مزارع شبعا (وتلال كفرشوبا) حصراً... وبما انّ مزارع شبعا اللبنانيّة تحتاج إلى تثبيت لبنانيّتها، فانّ الاعتراف السوريّ بذلك وترسيمه أمرٌ أساسيّ.
هذه "التسوية" التي وافقت عليها قوى 14 اذار كلّها، هي أولاً تسوية متقدمة في الظرف الاقليميّ ـ الدوليّ الراهن، وهي ثانياً تسويةٌ لا تضع لبنان في مواجهة مع "الشرعيّة الدوليّة"، وهي ثالثاً تسويةٌ تتمسك بالمقاومة في نطاق مهمتها و"تصالح" المقاومة مع "الشرعيّة الدوليّة". والأهم هو انّ هذه التسوية الموافق عليها بالاجماع من قبل شركاء "حزب الله" في الحكومة، هي أفضل بكثير من أيّ اتفاق ثنائيّ بين الحزب وأيّ طرف آخر "يعطي" الحزب اكثر مما تعطيه هذه التسوية إذا كان هذا الاتفاق سيثير الانقسام، علماً انّ القاعدة الذهبيّة تقول انّ الاجماع على ما هو أقلّ أفضل حتماً من الانقسام على ما هو أكثر. هذا مع الإشارة التي لا بدّ منها، إلى انّ الوضع اللبنانيّ في إطار الوضع الاقليميّ ـ الدوليّ لا يمكن في أيّ حال من الأحوال أن يعطي "حزب الله" ومقاومته تفويضاً مفتوحاً في الزمان والمكان.
أخطأ "حزب الله" مرة أخرى على ما يبدو في إصراره على "الأكثر" المثير للجدل والانقسام بدلاً من موافقته على الاجماع على "الأقل" الواقعي والمنطقيّ و"الموحّد".
انّ ما تقدّم، هو نموذج عن حلقة متّصلة مِن الأخطاء "التكتيكيّة" التي جازفَ الحزب بالسير فيها. وثمة أخطاء تكتيكيّة أخرى يمكن سردها في هذا المجال: التعاطي "الأطرش" في "البدايات" مع نداءات سعد الحريري حول المحكمة الدوليّة والتي وضع فيها الدفاع عن المقاومة في مصاف الدفاع عن قضيّة والده الشهيد، محاولات التمييز بين الحريري وفؤاد السنيورة حيناً في موازاة التعامل مع السنيورة على انّه "مرآة" للحريري في كلّ الأحيان، الصمت المتمادي لأسابيع حيال كلّ نداءات رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الذي "ارتكب" ذنب الانفتاح على الحزب وأخذ بـ"صدره" تكوين شبكة أمان لبنانية حول المقاومة، والتعامل بـ"عدم إكتراث" مع الوضع المسيحي.. ما خلا الإشادات بالعماد ميشال عون والتي لم يكن هدفُها سوى اللعب على التناقضات بينَه وبين قوى 14 آذار، وأدّت عملياً الى إحراجه مع الجمهور المسيحي.
.. لكن المسألة ليست مجرّد أخطاء
بيدَ أن الكلام عن أخطاء في أداء "حزب الله" خلال الأسابيع الأخيرة خصوصاً، لا يعطي "الصورة" الحقيقية. ذلك أن الذهاب الى العمق يظهرُ أن الأمر في حقيقته ليس أخطاء كما يبدو ظاهرياً، إنّما هو "مشروع استراتيجي"، أي أن ما يبدو أنه أخطاء، لا يعود كذلك من زاوية "أشمل". وبكلام آخر، لو أن ما يريده "حزب الله" محدود أو قدر من الضمانات لما أقدم على هذه الأخطاء وهو ليس معروفاً بكثرتها، ولو أن المسألة مجرّد أخطاء لما تردّد في التصحيح تدريجاً، خصوصاً أن اللبنانيين جميعاً يفتحون أمامه أبواب هكذا تصحيح لأنهم "يريدونه" فعلاً.
ليس خطأ بهذا المعنى أن "حزب الله" حليفٌ لسوريا، أي حليف للنظام السوري وهذا بندٌ مُعلن في سياسته، وهو يدافع عن هذا النظام ويحاول تبرئته من كل المسلسل الذي أدى بلبنان الى كوارث. حتى أخطاء "الإدارة السورية" للوضع اللبناني في المرحلة السابقة، والتي كان معروفاً أن قيادة الحزب تناقش فيها مع القيادة السورية، لم تعُد حاضرة في الخطاب السياسي للحزب.
وليس خطأً بهذا المعنى أن "حزب الله" أكثر من حليف للنظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهذا أيضاً بندٌ معلن ومعروف في سياسته، وهو موقع رئيسيّ في أي مشروع إيراني إقليمياً.
وليس خطأ بهذا المعنى أيضاً أن "حزب الله" يلعبُ دوراً في الوضع الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية وفي المخيّمات الفلسطينية في لبنان، وهو دمَج سياسياً وعملياً بين سلاحه والسلاح الفلسطيني.
المسألةُ تتعلق بموقع الحزب في مشروع إقليمي
لذلك، لا يمكنُ قراءة ما يبدو أنه أخطاء في الأداء إلاّ مقترناً بالموقع "الاستراتيجي" لحزب الله على التقاطع السوري ـ الإيراني، بحيث لا تعود تلك الأخطاء أخطاء بالفعل، بل إشارات الى تموضع معيّن للحزب في إطار مشروع إقليمي محدّد، "يصدف" أنه يُعلن عن نفسه (المشروع) في الفترة الأخيرة بين طهران ودمشق.
طبعاً، لا تهدفُ المناقشة في هذا المجال الى استعراض "الوهميّ" أو "الحقيقي" في هذا المشروع. غير أن انزعاج "حزب الله" من أي إشارة الى "لبنانيته" ليس مفهوماً. فـ"اللبنانية" التي يطعنُ البعض بها ليست "تذكرة هوية" الحزب وقادته وكوادره ومناضليه، وليس "الإنجاز اللبناني" الذي تحقّق في العام 2000، وليست التطلّع الى استكمال هذا الإنجار بتحرير مزارع شبعا واستعادة الأسرى من السجون الإسرائيلية. إن "اللبنانية" المطعونة هي في هذه الحال أن طرفاً لبنانياً برصيد لبناني يرشّح نفسه لدور في إطار مشروع إقليمي يجعل من لبنان إحدى ساحات ما يسمّى "المواجهة مع المشروع الغربي ـ الإسرائيلي". ولذلك فإن انزعاج الحزب من الطعن بـ"لبنانيته" بهذا المعنى، لا مبرّر له فعلاً، علماً انّ "المشروع" الذي يبدو انّ الحزب يدرج نفسه في سياقه، يأخذ لبنان الى مدارات خطيرة. هذا مع العلم أن "اللبنانية" لا تعني التنكّر لموجبات الصراع مع إسرائيل، لكن من غير استرهان للبنان ومشروعه الاستقلالي والديموقراطي والتنموي.
"حزب الله" يموّه بالتفاصيل عن مشروعه في العمق
ومع أن الكثيرين يعتقدون أن ثمة مبالغات في تقدير آفاق المشروع الذي يشكّل "حزب الله" موقعاً ضمنه، ويرون أن ثمة مبالغات أيضاً في تقدير "ممانعة" النظام السوري، فإن ذلك كله ليس الموضوع. إن الموضوع هو أن "حزب الله" يرفضُ الاعتراف بأصل خلافه وجذور هذا الخلاف مع الآخرين ويحاول أن يغطّي هذا الخلاف بعناوين فرعيّة ولا يحاول المساهمة في تحديده بدقّة، فيما يبدو أنّه يحاول تنفيذه "شقفة شقفة" لأنه يعرف تماماً أنه لا يستطيع أن يأخذ لبنان إليه دفعة واحدة. وهذا الأمر ليس جديداً بالنسبة الى الحزب، وهو الذي اعتبر وربّما لا يزال يعتبر أنه لم يكن ثمّة تضامن لبناني "أصيل" مع المقاومة حتى قبل العام 2000، وإن ما كانَ حاصلاً بالفعل هو مظهر تضامن فقط جرى "فرضُه" بتوازن قوى معيّن في تلك الحقبة، أي بدور سوريّ أساساً. وهذا كلّه، ان دلّ على شيء فانّه يدلُّ على أنّ علاقة "حزب الله" بالكيان اللبناني وبالنسيج الاجتماعي اللبناني، لا تزال علاقة "برانيّة" بالرغم من اشارات "تلبُنن" اعطاها بين فترة وأخرى. و"المغامرة" في ما يبدو الحزب منخرطاً فيه، تكمن في قراءته لموازين القوى، والتي تجعله يعتقد بأنّ لمشروعه آفاقاً مفتوحة.
على أيّ حال، ثمّة خطأ في طريقة تناول موقف "حزب الله" مِن المسألة الحكوميّة. فهو إذ يسلِّط الضوء على نقاط معيّنة، انّما يهدف في العمق إلى تقطيع الطريق باتجاه المشروع المقيم على التقاطع الايرانيّ ـ السوري، خطوةً خطوة. والخلافُ بينه وبين الآخرين هو على هذا الموضوع بالجملة وليس على التفاصيل.
لذلك، فانّ ما جرت الإشارة اليه آنفاً تحت عنوان "أخطاء" أو "أخطاء تكتيكيّة"، هو مفيد من زاوية الإشارة إلى الفشل المتمثل الآن في واقع انّ "البلد" في مكان والحزب في مكان آخر.. أي انّ "حزب الله" الذي يحاول التستير على مشروعه ويحرص على عدم كشفه، فشلَ تكتيكياً.
بمعنى آخر، انّ "حزب الله" بواسطة المواقف التي اعتمدها في الأسابيع الماضية حاولَ أن يثير مشاكل حول عناوين معيّنة، فأمّا ان يُستجاب له فيراكم نقاطاً، وأمّا الا يستجاب له ـ لاعتبارات وطنيّة فعليّة ـ فيصعّد محاولاً تحميل الآخرين المسؤوليّة ليراكم هنا أيضاً مزيداً من أسباب "المواجهة". المشكلة معه هنا إذاً وليست في مكان آخر.
التسديد على جنبلاط تسديدٌ على "مركز" التسوية
أمّا التسديد على وليد جنبلاط، فهو من ناحية محاولة لـ"تصيّد" مواقف ربّما لتبرير الانفصال عن الشراكة الحكوميّة. لكنّه من ناحية ثانية أهمّ، تصويبٌ على الركن الأبرز في 14 آذار الذي يستطيع أن يجمع الفرقاء حول تسوية إيجابيّة والذي في ضوء تاريخه الوطنيّ يستطيع أن يقود الحركة السياسيّة ببعدَيها "اللبناني" و"الديموقراطي".. أيّ انّ فتح النار على جنبلاط بالذات، هو فتح للنار على "مركز" التسوية" ممّا يعني انّ الحزب يعترض عليها. وبطبيعة الحال، انّ الهجوم على جنبلاط لا ينقصُ من موقعيّة الزعيم اللبناني ولا ينال من تراثه.. فقط هو إشارة سياسيّة تصعيديّة مُضافة لأنّه كان يمكن دفع النقاش مع رئيس "التقدمي" من دون "هجمات"، يعلن الحريصون على الطرفين انّ لا مبرّر لمواصلتها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.