في الساعات الماضية اتضحت إلى حدّ كبير "صورة" الاتصالات العربيّة التي جرت مع الرئيس السوريّ بشار الأسد. كان في تقدير المملكة العربيّة السعوديّة، وهي الراعي العربي الأول لاتفاق الطائف في لبنان والبلد العربيّ الأول الذي أصابته جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الصميم، ومعها مصر، أنّ مساعدة لبنان على صون استقراره ووحدته مسؤوليّة عربيّة بقدر ما هي مسؤوليّة لبنانيّة ذاتيّة ومسؤوليّة دوليّة. وكذلك، كان في تقديرهما أنّ "ترشيد" النظام السوريّ مسألة مهمة من أجل تجنيب المنطقة الفوضى، ومن أجل الحدّ من التوتر الاقليميّ. ولم يكن خافياً على قيادتي البلدين أنّ "السياسة" التي ينتهجها النظام في دمشق حيال مختلف الملفات الاقليميّة، وفي لبنان خصوصاً، والتي تضعه في مواجهة المجتمع الدوليّ و"شرعيّته"، تشكل مصدر التوتر الأساسي، بالإضافة طبعاً إلى عوامل التوتر الأخرى وفي مقدمها اسرائيل.
التزمت المملكة ومصر، والمملكة خصوصاً، بالسعي إلى محاولة تفكيك أسباب التوتر حول لبنان وفيه. وفي هذا الإطار، كانت العناوين التي يرى لبنان فيها ضماناً لاستقراره، واضحة: متابعة مسيرة التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وتعاون سوريا مع لجنة التحقيق الدوليّة وصولاً الى السماح لهذه اللجنة بالتحقيق مع من ترى ضرورة لذلك وتسليم من يتمّ الاشتباه بهم، وحول هذه القضيّة ثمّة ثلاثة قرارات دوليّة حتّى الآن هي القرارات 1595 و1636 و1644، وقف التدخل السوريّ في الشؤون اللبنانيّة ومظاهر هذا التدخل عديدة من الوجود الاستخباراتي المستمرّ إلى السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات الذي تدرجه دمشق في سياق مشروع للضغط على سيادة لبنان وأمنه، علماً ان حول هذا الموضوع قراراً دولياً أيضاً هو القرار 1559، وترسيم الحدود اللبنانيّة ـ السوريّة بدءاً من مزارع شبعا، إثباتاً للبنانيّة هذه المنطقة بما يعين لبنان على استعادتها من ضمن الشرعيّة الدوليّة.
حُملت هذه العناوين المطروحة لبنانياً بعد أن جرى "تشذيبها" من قبل الديبلوماسيّة السعوديّة، وكانت مدعومة بحركة مصريّة. "طُلب" من النظام السوريّ ومن أجل نزع التوتر مع لبنان، التعاون مع لجنة التحقيق الدولية وترسيم الحدود والتوجه نحو اقامة علاقات ديبلوماسيّة مع لبنان علماً انّ هذا البند الأخير مطلبٌ لبنانيّ تاريخيّ.
تظاهر الأسد بالموافقة.. التمسكن... والالتفاف
"تظاهر" النظام في دمشق بالموافقة على العناوين الثلاثة الآنفة. فهو إذ كرّر أنّه تعاون مع التحقيق الدوليّ وسيتعاون، لم يقدّم أيّ التزام جدّي بهذا الشأن، واستمرّ على سبيل المثال في رفضه طلب لجنة التحقيق الدوليّة الاستماع إلى الأسد ووزير خارجيّته فاروق الشرع. أما بالنسبة إلى ترسيم الحدود، فلم يلتزم بترسيم مزارع شبعا، وتناول الموضوع من زاوية أمنيّة رابطاً الأمن على الحدود بالأمن في الداخل اللبناني، ورأى أنّ العلاقات الديبلوماسيّة "هدف" يجب الوصول إليه "يوماً ما" مدّعياً ضرورة البحث عن "صيغ" ملائمة.
لكنّه سارع إلى الالتفاف على العناوين التي تشكل مصدر راحة لبنانيّة والتي تحظى بدعم عربيّ. طالب النظام في سوريّا بثلاثة عناوين مقابلة، من أجل "تطبيع" تدريجيّ مع لبنان: وقف ما سماه الحملات الإعلامية اللبنانيّة من أجل تهدئة المناخ السياسيّ اللبناني الذي انتقل بحسب ادعائه إلى مرحلة المطالبة بإسقاط النظام في دمشق، أي إسكات الإعلام عملياً، تشكيل لجنة تنسيق أمنيّ لبنانيّة ـ سوريّة تقدّم سوريّا من خلالها "خدماتها" إلى لبنان من ناحية، وبما أنّ "أمن سوريّا من أمن لبنان" تحصل سوريّا في المقابل على المعطيات التي تهمها من ناحية ثانية، وتشكيل إطار للتنسيق السياسيّ الخارجي بين البلدين بما يضمن لسوريّا وجود سياسة خارجيّة واحدة.
"تظاهر" النظام السوريّ بالموافقة على المطالب الثلاثة الأولى. "تمسكن" تحت عنوان أنّ "قوى الحقيقة" في لبنان تخوض معركة إسقاطه بتشجيع من بعض العرب وفي سياق مؤامرة غربيّة يجري تنفيذها. وبسرعة انتقل إلى عمليّة التفافيّة طارحاً مطالب تكشف توقه إلى العودة إلى لبنان "عودة ما".
التقدير اللبنانيّ للمملكة وأولويّة الحقيقة لديها
وإذا كان من الطبيعي والمفهوم في آن أن يعتبر أيّ مسعى عربيّ أنّ ما طرحه النظام السوريّ "يمكن" أن يطرح على الجانب اللبنانيّ بوصفه وجهة النظر السوريّة، فإن الصحيح القول أنّه لم تكن ثمة مبادرة عربيّة أو سعوديّة من ستّ نقاط، بل كان ثمّة تشديد عربي سعودي ومصري على نقاط ثلاث رئيسيّة لها متفرعاتها، وأنّ النظام السوريّ عرض من جهته ثلاث نقاط أخرى.
هكذا ينظر الوسط السياسيّ اللبنانيّ إلى الأمور، أي هكذا تعاطت قوى 14 آذار مع التطورات العربيّة الأخيرة. لم تعتبر أنّ ثمّة مبادرة سعوديّة من ست نقاط، بل نظرت إلى النقاط الثلاث السوريّة "المضافة" وأعطت رأيها فيها ولفتت إلى أبعادها الخطيرة، وحذرت من التضليل السوريّ الذي يهدف إلى إفقاد اللبنانيين ثقتهم بالدعم العربي. والحقّ يقال أنّ الوسط السياسيّ ـ في معظمه ـ لا يقول ذلك من باب مجاملة المملكة وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، بل هو ينطلق من قناعة راسخة بأن للمملكة تاريخاً مع لبنان، وبأنّها لا تتهاون في أولويّة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وبأنّ لمصر موقفاً ثابتاً داعماً للبنان.
وعلى أيّة حال، وبعد أن قال الاجتماع السياسيّ اللبنانيّ كلمته في "المطالب السوريّة" التي تهدف إلى تحقيق عودة سياسيّة وأمنيّة إلى لبنان وتجديد استرهانه، من الواضح أنّ اللبنانيين ليس فقط يحفظون الودّ للمملكة ولمصر وللعرب كافة، إنّما يتطلعون إلى تناغم عربي ـ دوليّ يفرض مظلة واقية فوق لبنان.
الانتهازية السوريّة: محاولة سرقة "العودة" إلى لبنان
لقد تعاطى النظام السوريّ بقدر عال من "الانتهازية" مع المساعي العربيّة في الأيّام الماضية. حاول الايحاء بانحياز عربي إلى جانبه ضدّ لبنان. استغلّ الرغبة العربيّة في تجنيب سوريّا البلد والشعب أيّ مساس باستقرارهما. واستغل الموقف العربي الطبيعي، لا سيّما الموقف على خطّ الرياض ـ القاهرة الذي لا يستسيغ تغيير الأنظمة في المنطقة خارج الإرادة الشعبيّة في ذلك. سعى إلى تصوير أنّ ثمة انقساماً بين الموقف العربي من ناحية والموقف الدوليّ من ناحية ثانية، في حين أنّه يعلم أن لا قراراً دولياً الآن بإسقاطه، بل ثمّة تقاطع عربيّ ـ دوليّ على دفعه إلى تغيير سياسته. وهو وحده الذي يعلمُ ما إذا كان تعاونه مع التحقيق الدوليّ سيؤدّي إلى سقوطه.
تعاطى النظام في دمشق بـ"انتهازية" في محاولة لـ"سرقة" انجازين: تغطية عربيّة لموقفه الرافض لطلب اللجنة الدوليّة الاستماع إلى رئيسه، وانتزاع موطئ قدم متجدد في لبنان يغيّر بواسطته توازن القوى اللبناني.
على أنّ ذروة "الانتهازيّة" السوريّة في التعاطي مع المساعي العربية تكمن في كونه "يُضمر" الانقلاب على الوضع العربيّ فيما يمارس "التمسكن" وكسب الوقت. ويتجلّى ذلك في ارتباطه "المتفاقم" بالمشروع الإيراني في المنطقة.
طهران: عودة الإيديولوجيا
فمنذ مدة، انتقل النظام في إيران إلى "الإيديولوجيا" مجدّداً بعد سنوات من "الدولة" و"البراغماتيّة". ولا يخفى أنّ "صعود" محمود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهوريّة الإسلاميّة عكس هذا الانتقال المتجدّد. وفي ضوء متابعة المواقف الصادرة مِن طهران يمكن استنتاج أنّ لدى إيران مشروعاً "يستخدم" ما جرى تحقيقه من انجازات في السنوات الماضية من جهة لكنّه يبني عليها مشروعاً إقليميّاً في مواجهة الغرب من جهة مقابلة.
تعلن طهران مضيّها في انتاج الطاقة النوويّة في مواجهة متصاعدة مع المجتمع الدوليّ. لكنّها تعلن أنّها تمتلك في هذه المواجهة أوراق قوّة عدّة. تقول إنها عصيّة على أيّ حصار أو أيّ عقوبات. وتقول إنّها عصيّة على أيّ عدوان. وتعلن أنّها تمتلك مخزوناً كبيراً من النفط والغاز. وتلمح إلى إمكان إغلاق مضيق هرمز عند "الاقتضاء". وتعتبر أنّ لها نفوذاً في أفغانستان (في جوار النفوذ الأميركي) وأنّ لها حصة وازنة في العراق (في جوار الاحتلال). وفي الفترة الماضية عزّزت نفوذها على الساحة الفلسطينيّة داخل فلسطين وفي مخيّمات اللجوء في لبنان. وهي "تملك" العلاقة بحزب الله و"تملك" التأثير في قراره.
الأوراق الإقليميّة لإيران وسوريّا ورقة
في هذه الحالة، ثمّة مشروع إيراني يمتلك أوراقاً إقليميّة من أفغانستان والعراق إلى فلسطين ولبنان، أيّ أنّ سوريّا عندما تحضر، لا تكون سوى ورقة من أوراق المشروع الإيراني... أي أنّ سوريّا "موظّفة" عند إيران وليس العكس. والجمهوريّة الإسلاميّة تجمع أوراقها في أحد اتجاهين: إمّا مواجهة مع المجتمع الدوليّ، وإمّا استعراضاً للقوة لمنع المواجهة وارغام المجتمع الدوليّ على تسوية ما تؤكد واقع إيران كقوة إقليميّة. وبين المواجهة والتسوية، ثمّة مسافة من التوتّرات.
إذاً، في الوقت الذي يقيم "علاقات عامّة" مع الدول العربيّة أو يحاول أن يكسب ودّها، يمارس النظام السوريّ ابتزازاً على العرب من موقعه "الوظيفي" ضمن المشروع الإيراني. وفي هذا الإطار يقع ما كشف عنه رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط لـ"المستقبل" أول من أمس لجهة معاهدة دفاع مشترك بين دمشق وطهران يجري التوقيع عليها خلال زيارة الرئيس الايراني إلى العاصمة السوريّة، المتوقعة خلال الشهر الجاري.
النظام السوريّ يستقوي بإيران... على لبنان وعلى الوضع العربيّ. وليس سراً أنّ نظام دمشق في هذا الاستقواء، إنما يهرب إلى الأمام، لأنّه يحاول تأخير "استحقاقات" داهمة. أمّا النظام في إيران، "العائد" إلى الإيديولوجيا فقد يأمل بـ"تسوية" لكنّه يجازف ـ أي يغامر ـ بكلّ ما حصدته الجمهوريّة الاسلاميّة في مرحلة "الانفتاح" و"البراغماتيّة"، وهنا في لبنان بالتحديد.
إيران ولبنان
لقد استطاعت إيران خلال السنوات الماضية ان تبني علاقات متطورة مع "الدولة" اللبنانية، ومع جميع الأطراف اللبنانيين. وبدت طرفاً اقليمياً عاقلاً يمكن التوجّه اليه. و"أضافت" الى "حزب الله" رصيداً على رصيده بين اللبنانيين. والحال، إنّ سياستها الحاليّة التي تلحق النظام السوريّ بها، والتي تصطف بموجبها في "مقابل" معظم اللبنانيين، تشكّل تفريطاً، وعودة بالأمور إلى ما قبل نحو عقد ونصف العقد من الزمن، و"تستثمر" حزب الله في دائرة مشروع يربط طهران بالعراق بسوريّا بلبنان، بالملفّ النوويّ، هو "مشروع" لكنه مغامرة... إلا إذا حصلت تسوية وفي التسويات بيع وشراء.. وحرام على ايران ان تستخدم "حزب الله" ورقة فيما يتعاطى اللبنانيّون معه على أنّه "هامة" كبيرة.
هكذا إذاً عينُ العرب على استقرار لبنان.. وعين النظام السوريّ على إيران في سياق مشروع فيه "أوراق" قد تستطيع ايران "بيعها" عند الضرورة، لكن لا أوراق سوريّة سوى العنف والفوضى ضدّ لبنان. وهنا أيضاً، ينسى نظام دمشق أنّ إيران كانت وهي الآن دولة إقليميّة "كبرى" بينما أنهت سياسات النظام السوريّ الدور الإقليميّ لسوريّا.. إلاّ من باب علاقاتها بجماعات مسلحة عنفيّة تكفيريّة إرهابية "تخيف" العرب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.