لم تُعرف معلومات "رسمية" نهائية ومحدّدة عن زيارَتي الرئيس السوري بشار الأسد الى كل من جدّة وشرم الشيخ نهاية الأسبوع الفائت. لكن بمجرّد أن أدلى رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط بموقف من عدد من القضايا في الأيام الماضية، بدا واضحاً أنه يسند مواقفه الى معطيات معيّنة لا يمكن أن تكون وهميّة.
"المطالب" السورية = إعادة عنجر
تحدّث وليد جنبلاط عن ثلاثة عناوين يبدو أنها طُرحت مِن جانب النظام السوري: الموافقة على ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية أولاً، طلب استئناف التنسيق الأمني اللبناني ـ السوري ثانياً، ووقف "الحملات" الإعلامية في بيروت ثالثاً. وما يجعل الوسط السياسي في لبنان، وجنبلاط في المقدّمة، "يصدّق" أن ذلك ما طرحَه النظام السوري بالفعل، هو أنه سبَق للأسد وقبلَ أسابيع قليلة أن قدّم "الأفكار" نفسها الى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي أحاط الجانب اللبناني علماً بها، وأدّت في حينه الى ردود فعل محليّة ساخطة على الأمين العام وعلى ما سمّيَ "مبادرة" يقوم بها موسى.
لم يتأخّر الزعيم الاشتراكي في الردّ على هذه العناوين، خصوصاً أنها "خالية" من أي التزام سوري حيالَ التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. اعتبر محقاً أن الكلام عن ترسيم الحدود "مطّاط" لأنه لا يقدّم موافقة سورية على ترسيم حدود مزارع شبعا، وهو الجانب الرئيسي من المطلب اللبناني في هذا المجال، والذي من شأن بتّه أن ينهي استرهان النظام السوري للبنان الى ما لا نهاية. واعتبر أن التنسيق الأمني الذي تقترحه دمشق، هو بمثابة طلب موافقة لبنان على عودة سوريا من "الشبّاك" بعدَ أن خرجَت من الباب، إضافةً الى ما يعنيه من إعادة لمقرّ المخابرات السورية في عنجر. والأغرب من وجهة نظر جنبلاط، والوسط السياسي عموماً، هو أن هذا الطلب السوري يأتي جواباً على الطلب اللبناني ـ والعربي ـ بوقف مسلسل الاغتيالات والتفجيرات السوري في لبنان. كما اعتبر جنبلاط محقاً أيضاً أن مطلب نظام دمشق وقف ما يسمّى "الحملات" الإعلامية، هو بمثابة الطلب من لبنان نزع سلاحه السياسي الرئيسي في مواجهة الإرهاب والإجرام.
زيارة نجاد القريبة الى دمشق: معاهدة دفاع مشترك
على أن جنبلاط الذي سارعَ الى رفض المقترحات السورية نظراً الى ما تعنيه مما جرى توضيحه آنفاً، يكشفُ النقاب عن "اعتبار استراتيجي" يجعله يرفع الصوت عالياً. ففي معلومات أسرّ بها الى "المستقبل" أن الأسد الذي لا يزال يمارس لعبة "كسب الوقت"، ينتظر زيارةً يقوم بها الى سوريا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والعنوان الرئيسي لهذه الزيارة هو توقيع معاهدة دفاع مشترك بين دمشق وطهران، الأمر الذي يعني من وجهة نظره ربطُ لبنان بمحور سوري ـ إيراني قيد التشكّل والتبلور، وذلك بعد استحكام نجاد بالقرار في طهران بتأييد من مواقع النفوذ الأساسية التي يسيطر عليها "اليمين"، وبعد أن باتت علاقة "حزب الله" مباشرة بنجاد.
إذاً، وفي وقتٍ يحمل الأسد هذه التوجهات، وجدَ وليد جنبلاط أن رفضَ ما طرحَه رأس النظام السوري لا بدّ منه في سبيل إبقاء الوضع اللبناني متماسكاً. والجدير بالذكر في هذا المجال، أن العناوين الثلاثة لبشار الأسد، جاءت ردّاً على نقاط ثلاث رئيسية ذُكر أنها طُلبت عربياً من الرئيس السوري: التعاون الكامل مع التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وفي هذا السياق قيامه باستقبال لجنة التحقيق الدولية والشهادة أمامها أولاً، وتسليم كل مَن يشتبه به التحقيق مِن المسؤولين السوريين ثانياً والكفّ عن التدخّل في الشؤون اللبنانية سواء عبر المخابرات وشبكاتها التي لا تزال موجودة في لبنان أو عبر الاغتيالات والتفجيرات أو بواسطة "سياسية" لتعطيل المسار اللبناني الإستقلالي والديموقراطي.. ثالثاً. وكذلك فإن النقاط الثلاث التي اقترحت عربياً كانت بالتوازي مع نقطتين إضافيتين، تتعلقان بترسيم الحدود وبإقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا، وهما النقطتان اللتان وضعتهما دمشق جانباً، بمعنى ان النظام في سوريا أدرج مسألة الحدود تحت عنوان أمني فطالب بلجنة أمنية، فيما اعتبر ان العلاقات الديبلوماسية تشكل "الآن" كسراً له.
ردّ جنبلاط لفكّ لبنان عن محور دمشق طهران
ما ردّ عليه وليد جنبلاط، يتمثّل بـ"الاقتراحات" السورية التي كانت هي نفسها ردّاً على مطالب عربية ـ دولية مِن دمشق. غير أن ما ردّ عليه جنبلاط في العمق، يتعلّق بما جرى تداوله من مشاريع اتفاقات لبنانية ـ لبنانية، بينَ فريق 14 آذار من جهة وفريق حركة "أمل" ـ "حزب الله" من جهة ثانية. ذلك أنه لا يخفى على الزعيم اللبناني أن أيّ اتفاق داخلي لا يمكن أن يكون مقبولاً إذا ما كانَ هذا الاتفاقُ مرتبطاً في ذهن بعض المشتركين فيه ("حزب الله" خصوصاً) بـ"البُعد الاستراتيجي" الإيراني ـ السوري. وبهذا المعنى، فإن الهجوم على مشروع اتفاق داخلي قد يتضمّن ضبابيّة في ما يتّصل بمزارع شبعا وبسلاح المقاومة وغيرهما، هو في امتداد الهجوم على المشروع السوري ـ الإيراني الذي يحاول أن يكبّل لبنان، وأن يُدخل بعض الفرقاء المحليين ضمنَه. وأكثر من ذلك، ليس خافياً أن جنبلاط لا يوافق على مشروع اتفاق يعيدُ ثنائية "أمل" و"حزب الله" الى الحكومة، و"حزب الله" بالدرجة الأولى، لصالح تمديد ربط لبنان بسوريا ـ وإيران ـ على حساب استقلاله وحريّته ومساره الديموقراطي.
بكلام آخر، إن العلاقة واضحة بينَ تصويب جنبلاط على ما يقترحه النظام السوري كسباً للوقت في انتظار إعلان معاهدة الدفاع المشترك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبين تصويبه على أي اتفاق داخلي يعيدُ إنتاج الارتباط بدمشق وطهران، بعناوين مطّاطة ومبهمة.
شيراك والموقف الدولي
وما لا شك فيه، أن قوى 14 آذار عموماً ووليد جنبلاط خصوصاً، يعون حقيقتين مترابطتين. الحقيقة الأولى هي أن المجتمع الدولي لا يوافق على أي محاولة من شأنها إعطاء نظام الأسد فرصة لكسب الوقت، ويصرّ على مطالبة هذا النظام بتنفيذ "دفتر شروط" لتغيير سلوكه لا سيما في لبنان كي تعود سوريا الى الأسرة الدولية. وقد عبّر الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حديثه أمام السلك الديبلوماسي المعتمد في باريس أول من أمس عن موقف قاطع بأن على النظام في سوريا التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية وأن عليه تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي من دون شروط. والحقيقة الثانية هي أن هذا السقف الدولي كما عكسَه الرئيس شيراك لا يمكن أن يبقى "أعلى" بكثير من سقف الموقف اللبناني، ولذلك لا بد للموقف اللبناني أن يواكبَ الموقف الدولي الداعم له، أي أن يستفيد من الدعم الدولي.
علاقةُ جنبلاط بسعد الحريري
على هذه الخلفيّة، يجب قراءة الحركة السياسية ـ والإعلامية ـ للزعيم الاشتراكي خلال الأيام الماضية.
فخلافاً لما قد يظنّه البعض، فإن ما يعلنه وليد جنبلاط من مواقف ليس موجّهاً لا "ضدّ" زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري ولا "ضدّ" رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، بل هو هادفٌ الى تسليط الضوء على قضايا وعناوين رئيسية يجب ألاّ تغيب عن الذهن في معرض "الحوار التفاوضي" حول الأزمة الحكومية، وهو هادفٌ الى تشديد الموقف التفاوضيّ لـ"تيار المستقبل".
وبعدَ أن أعلن جنبلاط مراراً أن "الاتفاق الرباعي" لم يكن ولن يكون، كان من الطبيعي أن يذكّر "المتحاورين"، لا سيما "حزب الله" أن أي اتفاق بشأن عودة الوزراء الشيعة الى الحكومة، لا يمكن إلاّ أن يكون اتفاقاً مع الكلّ، أي ليس ثمة إتفاق يمكن أن "يمشي" ما لم يوافق عليه الجميع.
شروط على "الحوار الحكومي": الدور المركزيّ لقوى 14 آذار
وفي هذا الإطار، من الواضح أن ما يطرحُه وليد جنبلاط هو الآتي: بما أن "الحوار التفاوضي" جارٍ حول عودة وزراء الحركة والحزب الى الحكومة، فليكن الأمر مبتوتاً بشكل لا لبسَ فيه و"مرة واحدة"، أي عدم تقديم تنازلات عن البيان الوزاري من جانب فريق 14 آذار، وجعل اتفاق الطائف مرجعية لأي حوار.. وأي إتفاق، مع التذكير بأن الطائف يشتمل على تحديد للصلاحيّات والآليّات الدستورية ويتضمّن إرسال الجيش الى الجنوب بعدَ أن تمّ تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، وبما أن مزارع شبعا غير مثبتة لبنانيّتها مِن قبل سوريا فمعنى ذلك أن القرار 425 قد طبّق، ويتضمّن موقفاً من السلاح الفلسطيني. باختصار، إن ما يطرحه جنبلاط هو الإتفاق "دفعة واحدة" من دون الاضطرار الى العودة الى النقاش مرّة تلو مرّة.. وأن يحصل فكّ ملموس مع النظام السوري من ناحية ومع المحور السوري ـ الإيراني من ناحية ثانية، على قاعدة "وجَع ساعة ولا وَجع كلّ ساعة".
ولم يخفِ وليد جنبلاط "على الطريق" قناعته بأن الفرصة متاحةٌ لإعادة إثبات أن قوى 14 آذار تمثّل الأكثريّة شعبياً وسياسياً ونيابياً ووزارياً، ولا بدّ أن يكون زمام الأمور في يدها، وأن تخرجَ نهائياً مِن حال "الارتباك"، وأن تستعيد المبادرة، وأن ليس ثمّة "طابقان": "تحالف رباعي" طابق أول والأكثرية من 14 آذار "طابقٌ" ثانٍ.
لقاء المختارة مع وفد "الإصلاح والتغيير"
في ضوء ذلك كله، كانت مناداة جنبلاط للعماد ميشال عون بدايةً للقول له علناً إن الاعتراف بدوره في حركة الاستقلال موجود، وإن له دوراً أساسياً في المرحلة الراهنة ـ المقبلة، وإن المطلوب منه ضمّ جهوده من جديد الى معركة تأكيد الاستقلال عن سوريا.
غنيّ عن القول إن حصول اللقاء بين جنبلاط ووفد من "تكتل الإصلاح والتغيير"، إيجابيّ في حدّ ذاته، لا سيما أن جنبلاط تقاطع مَع مناخ داخلَ "التيّار الوطني الحرّ" كانَ في الآونة الأخيرة يتطلّع الى "إعادة الوصل" مع 14 آذار ومع جنبلاط الذي وصفه أبي نصر أول من أمس بأنه "مار بولس"، وكان مسبوقاً بموقفٍ من الجنرال اعتبر أن جنبلاط يقول للمرة الأولى "كل الحقيقة".
في هذا اللقاء، "أخذ" عون من جنبلاط إدخالاً له في صميم الحوار الجاري وتأكيداً على كونه طرفاً رئيسياً لا يمشي أي إتفاق من دون موافقته، أي أن تيّار عون بات أمام فرصتين: فرصة التصرّف بوصفه "غير معزول" عمّا يدور من أبحاث، وفرصة العودة الى "علاقات طبيعية" مع الوضع السياسي اللبناني.
غير أن الصورة عن لقاء المختارة، تكتملُ بمعرفة ما دار وما تمّ التوصّل إليه. وبحسب مصادر فريق "اللقاء الديموقراطي"، فقد كان اتفاق وتفاهم على نقاط رئيسية هي المحكمة الدولية والسلاح الفلسطيني وعلاقة سلاح "حزب الله" بمزارع شبعا حصراً على أن يكون حوارٌ حول مستقبله، والموقف من رفض ربط لبنان بالمحور السوري ـ الإيراني، وهذه العناوين تمّ تأكيد الاتفاق عليها من قبل النائب نعمة الله أبي نصر أمس.
"التوازن الجديد"
يُفترضُ إذاً على قاعدة هذا الاتفاق "الأوّلي" بين "اللقاء الديموقراطي" و"تكتّل الإصلاح والتغيير"، وإذا ما ثبّته "التيّار"، أن يحصلَ خلطٌ للأوراق، بما يجعلُ العامل اللبناني الداخلي أكثر متانةً، ومؤازَراً من العامل الدولي. ويفترضُ تالياً أن تتعزّز موازين القوى المحلية حيثُ لا يعود مجالٌ للعب على التعارضات بين قوى 14 آذار و"التيّار الوطني الحرّ"، وإذ ذاك سيكون المشهد السياسي اللبناني جديداً.
وعلى هذا الأساس، يمكن القولُ من دون تردّد إن "حلقات" حركة وليد جنبلاط مترابطة بينَ الموقف من "المطالب" السورية التي تبيّت كسباً للوقت وبينَ مساعي ربط لبنان بمحور دمشق ـ طهران، والمواكبة النشطة للموقف الدولي المساند للبنان، وتحريك اصطفاف داخلي جديد. ويجب القول إن العلاقة الوثيقة بين جنبلاط وسعد الحريري، وعلاقته المتينة برئيس "القوات" سمير جعجع، والمتطوّرة مع البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، تجعلُ الحديث عن أي اتفاق سوري ـ عربي أو اتفاق داخلي "محصور" حديثاً غيرَ ذي جدوى، في غياب المستويين الدولي والمحلي، وتجعلُ من ضرورة أخذ الواقع اللبناني بتحوّلاته الإيجابيّة ـ بما في ذلك عدم مسايرة أي كسب للوقت ـ مسألةً أساسية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.