ليس ثمّة أيّ مبالغة في القول انّ المخيمات الفلسطينية جميعاً، من المخيمات في الجنوب إلى المخيمات في الشمال، واقعة تحت النفوذ السوريّ ـ الايرانيّ، سياسة وسلاحاً ومالاً، الأمر الذي يقتضي التحسب له جيدا لدى مقاربة المسألة الفلسطينيّة في لبنان سواء في شقها السياسي أو في جانبها العسكري.
كان الاعتقاد السائد حتى فترة معيّنة ان العمل "السياسيّ" والمخابراتي السوريّ نجح عبر الجماعات الموالية مباشرة للنظام في دمشق، في اختراق "الساحة الفلسطينيّة" في لبنان، أي انّه حقق "نجاحاً في ايجاد ركائز داخلها بما يمكنّه من توظيفها سياسياً وأمنيّاً ضمن مشروع معين في "اللحظة المناسبة". غير انّ "الانطباع" الذي استمر سائداً ان بعض الجهات الفلسطينية الأخرى، وحركة "فتح" بالتحديد، ونظراً إلى اسباب "تاريخيّة" تتصل بعلاقتها المتأزمة والمتوترة تاريخياً مع النظام السوريّ، وأخرى تتصل بـ "ولائها" للقيادة الفلسطينيّة في الداخل الفلسطيني، لا تدخل ـ اي فتح ـ ضمن الحسابات السوريّة ـ والايرانيّة ـ ويمكنها بالتالي أن تشاغب على "المشروع" السوريّ ـ الايراني وان تواجهه في وقتٍ من الأوقات،.. لم يعد انطباعاً في مكانه.
"الجديد الايراني" في الوضع الفلسطيني
غير انّ هذين الاعتقاد من ناحية والانطباع من ناحية ثانية، ليسا في محلّهما الآن.
لقد "استغل" النظام السوريّ علاقاته "القديمة" بفصائل موالية له تاريخياً مثل "القيادة العامة" و"الانتفاضة" وغيرهما من فصائل تتخذ من العاصمة السوريّة مقراً سياسياً لها. لكنّ النظام في سوريّا بقي قاصراً عن ادراج علاقته بـ "الساحة الفلسطينية" في لبنان ضمن مشروع سياسيّ فلسطينيّ متكامل، لأنّ علاقته بـ "الداخل" الفلسطيني معدومة فعلياً.
في المقابل، كانت الجمهوريّة الاسلاميّة الايرانيّة، خلال السنوات الماضية، تُبدي اهتماماً أكبر بـ "الداخل" الفلسطيني وبقضية علاقاتها بفصائل إسلاميّة ايديولوجيّة هناك، بحركتَي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" بشكل خاص. بكلام آخر، كان لبنان أو "الساحة الفلسطينيّة" فيه، بالنسبة الى إيران في السنوات الأخيرة، أشبه بـ "ممر" الى "الداخل" الفلسطيني، يعبر منه التمويل المالي وغيره. وذلك متصل اتصالاً وثيقاً بمشروع فلسطيني لطهران، عنوانه "العام" انّ "الاسلام" هو البديل... أي انّ الفارق بين دمشق وطهران، هو انّ الأولى كانت تتطلع الى "الساحة الفلسطينيّة" في لبنان على انّها "ورقة"من أوراق المشاغبة في المنطقة، من دون قدرة على امتلاك "مشروع فلسطيني" متكامل، فيما الثانية كانت تتطلع الى "الساحة الفلسطينيّة" في لبنان بوصفها معبراً.
الآن، ثمّة مشروع ايراني متكامل، يتردد على نطاق واسع انه مرتبط بصعود محمود أحمدي نجاد الى رئاسة الجمهوريّة في ايران. وهذا المشروع "المتكامل" يربط بين "الداخل" الفلسطيني بالاتكاء على الحركة الاسلاميّة في فلسطين من ناحية، وبين "الساحة الفسطينية" في لبنان عبر إحداث انقلاب كامل في الخارطة الفلسطينيّة المحليّة والسيطرة على المخيّمات.. أي على الشتات وعلى قضيّة اللاجئين. وعليه، فانّ "الجديد" على هذا الصعيد هو انّ تقاطعاً سوريّاً ـ ايرانيا نما خلال السنة الماضية بشكل خاص، و"أهم" ما فيه ـ هذا التقاطع ـ انّ سوريّا تلتحق بـ"مشروع ايراني" وتضع ما راكمته في خدمته، وانّ هذا "المشروع الايراني" الذي يربط بين "الداخل" هناك و"الساحة" هنا، يربط أيضاً كما يتردّد بين مقاومتين إحداهما فلسطينيّة والثانية لبنانيّة. وغنيّ عن القول انّ "الوسيلة الايرانيّة" "الأمضى" هي التمويل الذي ليست معروفة "حدوده".
الإنضمام السوريّ إلى إيران
هكذا إذاً، لا مفر من الحديث عن تقاطع سوريّ ـ إيراني أسقط المخيّمات الفلسطينية سياسياً، بل لا مفرّ من الحديث عن مشروع ايراني "انضمت" سوريا اليه.
هذا هو "الجديد" الأساسي. وفي إطاره جديد آخر: لقد نجحت إيران في الدفع باتجاه تنمية حالة "أصولية" في المخيمات، وتنمية "حالات" داخل حركة "فتح".. وقوطبت مع دمشق على موضوع السلاح الفلسطيني في لبنان، بحيث باتتا تربطان السلاح الفلسطيني داخل المخيّمات بالسلاح خارجها.
"الجديد" فلسطينيّاً.. وموقع "فتح" منه
وهنا، من الضروريّ الاشارة إلى انّ الاعتقاد السائد حتى فترة قريبة، كان مبنياً على انّ "الاختراق" الايراني ـ السوريّ يتمثل في "ظاهرتي" جماعة "انصار الله" بقيادة جمال سليمان و"ميليشيا" منير المقدح. بيد انّ المعطيات تفيد ان دمشق بوسائل ترهيب معروفة اخترقت كوادر رئيسيّة في "فتح" وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. وفي هذه "الاجواء"، غدا المسؤول الأول عن "فتح" ومنظمة التحرير في لبنان العميد سلطان ابو العينين "مطوّقاً"، خاصة انه جرى "تركيب" الملف المعروف له والذي أدى الى حصره في مخيم الرشيديّة، فراح "يساير" المواقف على التقاطع السوريّ ـ الايرانيّ، مع احتفاظه بعلاقته بـ "المركز" الفتحاوي والفلسطيني. وأكثر من ذلك، تفيد المعلومات ان رئيس الدائرة السياسيّة في منظمة التحرير فاروق القدومي (أبو اللطف) دخلَ وأُدخلَ في هذا المشروع الايراني ـ السوريّ، وان كانت دمشق تدعمه أكثر من طهران التي لا يبدو انّها تراهن عليه.
باختصار، ثمة مشروع سوريّ ـ ايرانيّ للوضع الفلسطيني، تركيزه من الزاوية الايرانيّة على "الداخل"الفلسطيني، يسقط "الساحة الفلسطينيّة" في لبنان في "قبضته السياسيّة"، لكنه يستغل المشاكل التي تواجهها السلطة الوطنية الفلسطينيّة من ناحية والأوضاع المستجدة على الخارطة السياسيّة الإسرائيليّة بعد الوضع الصحي لارييل شارون من ناحية أخرى. وقد أدت هذه التطورات جميعاً الى "توحيد" الخطاب السياسيّ الفلسطيني على "الساحة" في لبنان، حتّى بات المسؤول الفتحاوي يقول: انّ السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ليس في دائرة "الشبهة" وهو والسلاح داخل المخيمات واحد، لا تسليم للسلاح الفلسطيني في أي حال من الاحوال "ولو على جثثنا"، هناك صراع بين سوريّا والولايات المتحدة الاميركية و"نحن" مع سوريّا ضدّ القرار 1559، وهناك تسلح في لبنان معاد للفلسطينيين ولا يمكن تجاهله (!)
الحوار المطلوب غير تفاوضي.. بل لتنفيذ الطائف
في هذا الاطار، أي بعد أن غدا الوضع الفلسطيني في لبنان تحت السيطرة السياسية السورية ـ الايرانية بـ "الجملة" من الطبيعي القول انّ "المسألة الفلسطينية" في لبنان تعقّدت. غير انه لا يخفى انّ هذا التطور بتداعياته السياسيّة والأمنيّة لبنانياً، يقتضي التفكير الجدي بكيفية "التعامل" معه.
والنقطة الأولى التي ينبغي التشديد عليها، هي ضرورة ان توضح الحكومة اللبنانيّة انّ الحوار اللبنانيّ ـ الفلسطيني الذي دعت الى قيامه، ليس سوى حوار تحت سقف اتفاق الطائف ولتطبيق اتفاق الطائف، أي انّه ليس حواراً للتفاوض على اتفاق الطائف. فاذا كان الحوار اللبنانيّ ـ اللبنانيّ الجاري التداول في بنوده ومعطياته لا يمكن ان يكون بهدف التفاوض حول اتفاق الطائف من جديد، فمن باب اولى الا يكون الحوار اللبناني ـ الفلسطيني على أساس مختلف.
ويجب الا يخفى على الحكومة اللبنانيّة انّ دمشق وطهران تدفعان الفلسطينيين في لبنان باتجاه "حوار تفاوضيّ"، اي باتجاه "حوار" يُفضي الى "اتفاق" جديد يكبّل الدولة اللبنانيّة.
التمثيل الفلسطيني في لبنان
للبحث مع السلطة الفلسطينية
والنقطة الثانية تتعلق بالتمثيل الفلسطيني في لبنان، على المستوى السياسيّ. وما يعزز طرح هذه النقطة انّ مجلس الوزراء اقرّ في جلسته الأخيرة اعادة فتح المكتب التمثيليّ لمنظمة التحرير الفلسطينيّة، أي انّ هذا القرار اتخذ في اللحظة التي تحصل فيها التطورات المشار اليها على الصعيد الفلسطيني في لبنان.
انّ المكتب التمثيلي الفلسطيني في لبنان، يقتضي بحثاً رسمياً بين الحكومة اللبنانيّة والسلطة الفلسطينيّة، لان "الممثل الفلسطيني" لا بدّ ان يكون معيناً من قبل مرجعية فلسطينية "شرعيّة" لينفذ سياستها. والحال ان رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عباس (أبو مازن) هو رئيس اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطينيّة في الوقت نفسه. والحال ايضا انّ قرار مجلس الوزراء بإعادة فتح مكتب المنظمة تم بناء على رسالة توصية من وزير الخارجية في السلطة ناصر القدوة. والحال أيضاً وأيضاً انّ السفارات والمكاتب الفلسطينيّة في الخارج استعيدت في الفترة الماضية إلى قرار السلطة ورئيسها رئيس المنظمة، بعد الغاء تبعيتها للدائرة السياسيّة وفاروق القدومي.
ومن حقّ الدولة اللبنانيّة ان تطالب السلطة والمنظمة الفلسطينيتين بأن يتسع المكتب التمثيلي لمسؤول أمني فلسطينيّ مركّزي بصفة ملحق عسكريّ يتولى هذا الشأن ضمن تراتبيّة يقررها الفلسطينيّون. وغنيّ عن القول هنا انّ حصر البحث في موضوع المكتب بين الحكومة اللبنانيّة و"الشرعيّة الفلسطينيّة"، انّما يؤدي غرضين متلازمين: الأول هو انّه يبعد لبنان عن التعقيدات الفلسطينيّة، بمعنى انه يُبقي لبنان على مسافة معينة من الإشكالات، ومن أي تطورات سلبية في الوضع الفلسطيني.. والثاني هو ان اختراق الوضع على "الساحة الفلسطينية" في لبنان بعد "التطور السوري ـ الإيراني" الأخير، بـ"الشرعية الفلسطينية" نفسها، يُعطي هذه "الشرعية" فرصة توسيع نطاق دورها لإعادة اكتساب "الساحة" إلى جادة الصواب السياسي تدريجاً. فالشرعية الفلسطينية بالنسبة إلى الفلسطينيين هي السلطة السياسية والسلطة المالية، وعلى هذا الأساس تستطيع أن تؤدي دورها وتوسّعه تباعاً.
"حزب الله" بين الوقوف على تقاطع
دمشق ـ طهران والدور اللبناني
أما النقطة الثالثة المهمة فتتعلق بـ"حزب الله".
ثمة معلومات كثيرة عن دور للحزب في الملف الفلسطيني على التقاطع السوري ـ الإيراني. وإذا كان ثمة من يجزمُ بأن لحزب الله مصلحة في هذه التطورات وبأنه على علاقة "عملية" بها، وإذا كان هناك من يلفتُ إلى تبدلات معينة على الخارطة الإيرانية تجعلُ "حزب الله" أقرب الآن إلى اتجاه إيراني محدّد هو اتجاه نجاد، فإن ثمة في المقابل رأياً آخر يعتبرُ أن لا مصلحة له في ما يجري فلسطينياً، وان هناك دوراً يمكن أن يلعبُه للمساعدة لبنانياً.
الرأي الذي يقولُ ان لحزب الله مصلحة، معروفة حيثياته، لا بل ان حيثياته "منه وفيه". بيد ان من يرى العكس، بالرغم من الأداء الذي مارسه الحزب في الفترة الأخيرة منذ أن رفض "مواجهة" الدولة لموضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات وصولاً إلى مطالبته بعدم فتح هذا الموضوع الآن، يعتبرُ ان التطورات الفلسطينية في لبنان التي جرت الإشارة اليها، تحرجُ "حزب الله" على أكثر من صعيد.
تحرجه هذه التطورات أولاً من زاوية ان "دمج" سلاح المقاومة بالسلاح الفلسطيني عملياً يسقطُ الكثير من شرعية سلاح المقاومة على الصعيد اللبناني. وتحرجُه ثانياً من زاوية انها ـ أي التطورات ـ تعني انه يدرج نفسه في إطار مشروع خارجي سوري إيراني "في وجه" سائر اللبنانيين. وتحرجُه ثالثاً من زاوية انها تدفع باتجاه مزيد من الضغوط الخارجية على لبنان وعليه. وتُحرجُه رابعاً من زاوية سياسية عملية كما حصل في صواريخ الكاتيوشا التي أطلقت قبل مدة عبر الحدود اللبنانية، ذلك ان إطلاق الكاتيوشا، الذي تم إما بواسطة سورية مباشرة أو بواسطة فلسطينية موالية للنظام السوري، انما أساء إلى "حزب الله" قبل غيره وحمّله مسؤولية عن أمرٍ لم يتحمّل مسؤوليته. أما الزاوية الخامسة للحرج، فتتعلق بـ"إمكان" أن يأتي التنصّل لاحقاً من أي تطورات سلبية جنوباً، على حسابه.
جنبلاط وجعجع
هذه النقاط الثلاث الآنفة جميعاً، يجب أن تؤخذ في الاعتبار بما في ذلك في "مفاوضات" العودة إلى الحكومة، بمعنى أن يكون واضحاً لحزب الله ان ثمة رهاناً على "دوره اللبناني" بما يعزّز هذا الدور. ويجب أن تؤخذ هذه النقاط الثلاث في الاعتبار، لانها مجتمعة يمكن أن تشكّل أساساً لـ"مواجهة" عملية إسقاط "الساحة الفلسطينية" في لبنان في قبضة التقاطع السوري ـ الإيراني.
لذلك لم يخطئ وليد جنبلاط في لفته الانتباه أخيراً إلى دور طهران. ولم يخطئ ومعه سمير جعجع في إعتبار ان "المسألة الفلسطينية" في لبنان خاضعة لاتفاق الطائف.. ولم يخطئ في إعلانه الصريح ان اتفاق الطائف ليس للتفاوض بل هو مرجعية كل المعالجات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.