في الأسابيع الماضية، لا سيّما في ضوء الدعوة إلى الحوار التي اطلقتها قوى 14 اذار في بيانها الذي تلا جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني، كان ثمّة نقاش "داخل" هذه القوى حول العماد ميشال عون وما إذا كان الحوار معه مجدياً، أي ما إذا كان قابلاً للحصول أوّلاً وقابلاً لأن ينتج شيئاً ما ثانياً. ولا يخفى انّ هذا النقاش الذي دار بين وجهتي نظر رئيسيّتين إحداهما لا ترى املاً يرتجى من السعي إلى اعادة اكتساب عون، إنّما سببه، أي سبب النقاش في الاصل، يعود إلى تراكم المواقف التي تبنّاها الجنرال فوضع نفسه في موقع تضاد وخصومة على طول الخط مع حركة 14 آذار وقواها.
لاحظ المتناقشون ان رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط أبدى منذ فترة حرصاً شديداً على عدم القطع مع عون. وهو منذ ان اتصل هاتفياً برئيس "التيار الوطنيّ الحر" قبل مدة وتداول معه في التطورات الخطيرة التي يحملها "المشروع السوريّ" الانقلابيّ الى البلد، يبدي قدراً من الرغبة في إتاحة الفرصة أمام الجنرال لإعادة ضم نفسه إلى معركة تثبيت استقلال لبنان وتحصينه، و"الفكّ" عن هذا "المشروع" على افتراض من جنبلاط ان لا مصلحة لعون فيه ولا مصلحة للجمهور المسيحيّ أيضاً. وفي التقدير الذي كان لجنبلاط انّ بعضاً من عملية تعزيز التوازن ضد الهجوم السوريّ المضاد يقتضي صبراً ونفساً طويلين مع الجنرال، خاصة انّ الأولوية هي لإنجاز الاستقلال.
جرى التوقف ملياً عند ما يسعى الزعيم الاشتراكي اليه. البعض أيده، البعض الآخر لم يمانع في ان يقوم جنبلاط بـ"المحاولة". البعض الثالث، وعلى الرغم من قناعته بأن ما يطرحه جنبلاط ليس سوى "محاولة"، اعتبر ان لا جدوى كما يظهر من أي محاولة في هذا الاتجاه.
للذكرى: مدّد لسوريا 15 عاماً
ذكّر هؤلاء في اطار النقاش بأن الجنرال عون الذي يرفض الاعتراف بتضحيات غيره في سبيل الاستقلال اللبناني، انما كان "فضله" على اللبنانيين أن دفع بسياسته الى تمديد الوصاية السوريّة على لبنان خمسة عشر عاما، من العام 1990 الى العام 2005. وذكّر هؤلاء بحربَي التحرير والإلغاء من جهة، وبموقف عون من اتفاق الطائف من جهة أخرى.. وكل ذلك مما كان له أبلغ الأثر على منع تحجيم النفوذ السوري في تلك الفترة. وقالوا انّ هذا التذكير ما كان ضرورياً لولا انّ التاريخ يعيد نفسه.
ردّ مويدو محاولة جنبلاط بأن ما يُطرح اعتراضاً عليها ليس سوى استحضار لماضٍ لا بدّ ان عون شُفي منه، وعلى اي حال ما الخسارة ومن اجل الهدف النبيل المتمثّل في تثبيت استقلالـ"نا"، من السعي الى محاورة الجنرال و"اقناعه"؟.
.. وحده مع صدام في 1990 ومع بشار اليوم
تردّد أصحاب وجهة النظر التي لا ترى أملاً يُرتجى، في الجواب، وهم اصلاً لا يبتغون دفع جنبلاط الى وقف حركته السياسية أو الى وقف الاتصالات مع الرابية، بل كان جلّ ما في بالهم الاّ يتفاجأ احدٌ اذا اتت النتيجة سلبية. غير انهم عادوا الى الكلام ولفتوا المتناقشين الى أمر مهم وسألوا: ألا تذكرون انّ الجنرال كان الوحيد ـ من بين اللاعبين المحليين الذي وقف الى جانب صدام حسين في اواخر الثمانينات ومطلع التسعينات فيما العالم كله كان ضد صدام؟.. وقبل ان يسمعوا الجواب، أجابوا هم انفسهم: انّ الذي وقف وحده مع صدام ضدّ العالم كله آنذاك هو نفسه الذي يقف اليوم بجانب بشار الاسد ضدّ كل العالم.
الهروب من الكلام عن نظام دمشق: بدايته كلام الفساد
لم "يصعق" المستمعون. تعجّب من لا يرون املاً يرتجى من عون ودفعوا بمزيد من الحجج.
قالوا انّ الجنرال لا يزال يمدد لـ"السوري" وهو لم يفعل خلال الشهور الماضية سوى ذلك، وبدلاً من ان ينتهي النفوذ السوريّ في العام 2005، ها هو الجنرال يطيلُ أمده.
عاد في أيّار الماضي واعتبر أن سوريا باتت في سوريا وأن المشكلة السورية أضحت وراءنا وراح يتحدّث عن الفساد. وهو حتّى في حديثه الذي يعطي الأولوية لمحاربة الفساد على أولوية تكريس السيادة، فصل السوريّ عنه، لا بل استشهد بكلام لجميل السيّد على الطبقة السياسيّة. ومع ذلك تحالف في الانتخابات مع رموز لبنانيين فاسدين للنظام السوريّ.
ثمّ كلام التقصير
جرت عدّة إغتيالات ومحاولات إغتيال، فسارع الى تجهيل الفاعل، ولم يشر باصبع الاتهام الى النظام الأمنّي، وخلق أجواء ملتبسة حول إغتيال الشهيد سمير قصير وحول إغتيال الشهيد جورج حاوي. وراح يتحدّث عن تقصير الأمن اللبناني "الجديد" وعن تقصير الحكومة، متناسياً أنه حتى لو كان ثمّة تقصير، وهناك تقصير بالفعل، فان ذلك لا يُعفي من تعيين المسؤوليّة السياسيّة عن هذه الجرائم.
"هرب" عون إذاً الى الكلام عن الفساد والتقصير في وقت كان النظام السوري يواصل القتل في لبنان، ويواصل خطّة تعويق المسار الاستقلالي والديموقراطي في لبنان.
والهروب من "وثيقة خدّام"
الى أن كانت مقابلة النائب السابق للرئيس السوريّ عبد الحليم خدام على "العربية". صحيح أن خدام كان جزءاً عضوياً من النظام السوري، وكان منفّذاً لـ "السياسة اللبنانية" لهذا النظام التي أصابت الأفرقاء اللبنانيين، كلاً بدوره، وأصابت البلد في جميع الحالات. لكن الجنرال وبدلاً من أن يأخذ من المقابلة كونها إدانة للنظام السوريّ وكونها "وثيقة" لصالح التحقيق الدوليّ، نحّى النظام السوري جانباً وركز هجومه على "مسؤول الملف اللبناني" أي خدام واستحضر 13 تشرين (1990).
قال من لا يرون أملاً يرتجى بالحوار مع عون قولهم هذا وانتظروا رد فعل الآخرين. اقترح الآخرون العودة الى النقاش في وقت لاحق. ظن اليائسون من الجنرال انهم أقنعوا رفاقهم وغادروا على أن يستأنفوا النقاش لاحقاً.
سعد الحريري والاتصال بالجنرال
في الفترة الفاصلة عن الموعد غير المحدد لاستئناف النقاش، حصل تطوّر سياسي. علم الجميع أن زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري اتصل بالجنرال لبحث إمكان اللقاء خارج لبنان.. ولم يكن في الأصل ثمة انقطاع بين "المستقبل" وعون. قال اليائسون من جنرال الرابية أن "ربما" يكون ثمة "جديد" مجهول.. فأن يتقاطع زعيمان هما الحريري وجنبلاط على الوصل بزعيم "التيار"، فمعنى ذلك ان تحولاً سياسياً يمكن أن يحدث. كادوا يقتنعون بوجهة النظر التي يرى أصحابها ضرورة "المحاولة" مهما كانت الظروف.
على "ان.بي.ان": حقد على الرئيس الشهيد
شاهد الجميع في هذه الأثناء مقابلة عون على محطة "ان. بي.ان" أول من أمس. اتصل الجميع بالجميع ورتّبوا موعداً لاستئناف النقاش، وحُدد الموعد أمس.
لم يسأل أحدٌ أحداً. وعلى فكرة فان المناقشين أو المتحاورين من كل تيارات 14 آذار. وصار التناوب على الكلام.
لماذا حقدُ الجنرال عون على الرئيس الشهيد رفيق الحريري حتى في ضريحه؟. لماذا وكيف تجرأ عون على التشكيك في ظروف اغتياله؟ لماذا شكك في ظروف الاغتيالات ومحاولات الإغتيال؟ لماذا تجرأ واعتبر الرئيس الشهيد واحداً من أربعة تولوا "الملف اللبناني" في النظام المشترك والآخرون هم خدام وحكمت الشهابي وغازي كنعان، فقال ان إثنين "استشهدا" (الحريري وكنعان)؟.
الجواب عن هذه الأسئلة جاء بالاجماع: أن حقد عون على الرئيس الشهيد ناجم عن كون الرئيس الحريري بطلاً إستقلالياً، بطل الاستقلال الثاني، ولا يرغب عون في الاعتراف بهذه الحقيقة ولا يناسبه هذا الاعتراف، لانه إن اعترف فعلاً كان عليه القيام بمراجعة سياسية شاملة، لا سيما لـ "سياسته" السوريّة الراهنة.. ولأنه إن اعترف بدأ يكتشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وهذا ما لا يريد أن يتم اكتشافه.
.. وعلى جنبلاط
لماذا نفور عون من جنبلاط وحقدُه عليه حتّى فيما الزعيم الاشتراكي "يتقرّب" منه؟ هل صحيح أن السياسي المحنك إذا انتقده سياسي آخر وهاجمه في فترة من الفترات وفي لحظة سياسية محددة لا يتبدل ويبقى "مصفّحاً" حيال المتغيرات؟ وهل صحيح أن عدم تحديد لقاء او عدم القيام بزيارة يشكلان سبباً لموقف متوتر؟
وهنا أيضاً، جاء الجواب عن هذه الأسئلة بالاجماع: وليد جنبلاط كما الرئيس الشهيد بطلُ استقلاليّ، وسياديّ من الدرجة الأولى، وحاسم في موقفه من النظام السوريّ.. و"بضاعة" عون أصبحت بالية.
..وخوف من جعجع
لماذا حقدُ عون على زعيم "القوات اللبنانيّة" سمير جعجع؟ لماذا وهو الذي كان ادعى انه طوى صفحة الماضي مع جعجع، يجهّل الفاعل في عمليات الاغتيال التي حصلت العام الماضي بينما يؤكد ان جعجع مسؤول عن اغتيال الراحلين رشيد كرامي وداني شمعون، ويذكّر بذلك وبأن جعجع خرج من السجن بعفو وليس ببراءة؟ لماذا يشكو "القوات" بأنّها وراء الهتاف "سوري سوري" ضده؟
والجواب أتى بالاجماع كذلك: سمير جعجع راجع الماضي وانتهى الى خطاب سياسي جديد، خطاب يستطيع ان يزاوج جيّداً بين التعبير عن المسيحيين وبين الاندراج في العيش المشترك. وهذا الخطاب ناجح مسيحياً ومقنع لبنانياً. والجنرال يخاف من جعجع، اي يخاف من تنامي جمهور "القوات".. هذا إلى جانب انه لا يستطيع ان يزايد على جعجع و"القوات" في الاثمان المدفوعة في معركة السيادة.
لماذا حقد عون على 14 اذار؟ لماذا سمّى لقاء 14 آذار بلقاء 13 تشرين؟
والجواب بالاجماع انّ الجنرال يعاني عقدة حيال هذا التاريخ، وهذا اليوم. وإلى ذلك يضاف انّه لا يريد "إطاحة" إميل لحود إلا إذا كان واثقاً من الحلول مكانه.
حسم النقاش: لا فائدة.. ولا يجرؤ
في غضون أيّام قليلة فقط، حُسم النقاش: لا أمل يُرتجى بالحوار مع عون، وحرامٌ "التيار" الذي دفع مناضلوه الاثمان الباهظة في صراعهم ضدّ "الاحتلال السوريّ". حرامٌ ان يُسلب "التيار" إرثه وتراثه.
.. ولم يتأخر الحسم. ها هو بهجت سليمان يتداخل على شاشة "المستقبل" بعيد انتهاء مقابلة الجنرال على شاشة الـ "ان.بي.ان".. ويقول بـ "لكنة" مختلفة ما كان يقوله عون قبل دقائق، يهاجم الحريري وجنبلاط والجميع في لبنان نافياً عن النظام السوري ايّ "موبقة".
وهنا، ختم من لم يكونوا يأملون بالحوار مع عون أصلاً النقاش. قالوا لرفاقهم: ألا تذكُرون ما قاله كريم بقرادوني بعد لقائه هو واميل اميل لحود الجنرال في باريس؟. الم يقل انّ ثمة اتفاقاً تحصل عودة الجنرال الى لبنان من باريس في إطاره؟ لا تندهشوا اذاً: هناك اتفاق والجنرال ملتزم به... وهو لا يتجرأ على اتخاذ مواقف غير التي يعلنها.. لا بل يعتبر انّ "الوفاق" السوري ـ الأميركي الذي أطاحه عام 1990، لا يزال قائماً وسيعيده في العام 2006 (!). امّا مناضلو "التيار" فهم في رحاب الاستقلال ومعركة الاستقلال كانوا وسيبقون.
مناضلو "التيار" سيسمعون جيدا ما قاله وليد جنبلاط أول من امس وعلى شاشة "المستقبل" ايضاً: من يقبل بتسوية مع النظام السوريّ، ومن يتغاضى عن إجرام الطغمة الحاكمة في دمشق هو إمّا غبيّ وإمّا مشترك معها في مكان ما. هذه "وصيّة" وليد جنبلاط المهدّد بالقتل إلى "شعب 14 آذار".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.