جاءت التطورات الأخيرة المتمثّلة خصوصاً في طلب لجنة التحقيق الدولية الاستماع الى الرئيس السوري بشار الأسد ووزير خارجيته فاروق الشرع ومسؤولين سوريين آخرين، لتضع "نظرية" الصفقة بين النظام السوري و"المجتمع الدولي" في مهبّ الريح. وليس خافياً في هذا المجال أن "نظرية" الصفقة "انتعشت" في الأسابيع الأخيرة على خلفية ما أشاعه النظام السوري وموالوه من أن العلاقات السورية ـ الأميركية تحسّنت مِن مدخل المسألة العراقية حيث تعاونت دمشق تعاوناً كاملاً لتسهيل الانتخابات التشريعية في بلاد الرافدين فأحكمت لهذه الغاية سيطرتها على الحدود ومنعت التسلّل الى العراق في هذه الفترة. وكالعادة روّج النظام السوري لمعادلته المعروفة: لبنان في مقابل العراق.
"نظريّة" الصفقة والهجوم السوري المضاد
كذلك، لا يخفى أن "نظرية" الصفقة السورية ـ الأميركية ـ الدولية، إنما "تغذّت" في الأسابيع الماضية مِن عدد من "الظواهر": اعتبار دمشق أن القرار 1644 "ليّن" وأن ليونته تعكس مناخاً دولياً متغيراً، صمتُ الإدارة الأميركية خلال فترة، على الأرجح لـ"تمرير" الانتخابات العراقية، وتراجع منسوب الكلام الدولي، الأميركي ـ الغربي حيال النظام في سوريا. وهذه الأمور جميعها "استُخدمت" سورياً للقول إن المعادلات التي أحاطت بالوضع اللبناني منذ القرار 1559 آيلةٌ الى التحوّل.
وفي "عزّ" هذه المراهنة، نظّم النظام السوري هجوماً مضاداً في لبنان، ترافق في جانبه "السياسي" مع جانب أمني اتّخذ صيغاً بينَ تسليح مجموعات لبنانية موالية لسوريا وبين محاولة "الظفر" باغتيال ما، فكان "حظّ" النائب والصحافي الشهيد جبران تويني أن جرى اغتياله في هذا الوقت.
شعرت قوى 14 آذار بأن الهجوم السوري المضادّ ينطوي على انقلاب سياسي "كامل الأوصاف"، فاستنفرت وأعادت رصّ صفوفها، خصوصاً بعدَ جريمة اغتيال الشهيد تويني. وأدركت أن الرهان على التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه ليأتيَ بالحسم، لا يكفي.. وحده على الأقل، فكان قرارها أن تعود الى المبادرة السياسية. حصل "الصدام السياسي" بينها وبين حلفاء سوريا لا سيما "حزب الله" باعتباره الجهة الوحيدة التي يمكن أن تشكّل رافعة الاختراق السوري "المتجدّد" للوضع السياسي اللبناني إذا كان له أن يحصل.
أداء "حزب الله" في الأسابيع الأخيرة: ما حساباته؟
الآن، وبعد أن تأكد مجدداً أن لا صفقة سورية ـ أميركية ـ دولية، ما التطوّر المحتمل في لبنان؟
بداية، لا بد من القول إن ثمة ما "حيّر" الوسط السياسي اللبناني حيال "التشدّد" الذي أبداه "حزب الله" خلال الأسابيع الماضية في الموقف السياسي من جهة وفي العلاقة مع الأطراف من جهة ثانية. ومصدر "الحيرة" هذه مِن شقّين. الأوّل، وعلى افتراض أن ثمّة صفقة سورية ـ دولية كما روّج النظام السوري خطأ، كان من المفترض منطقياً أن يبدو نوعٌ من "القلق" على الحزب وأدائه لأن الصفقة لو انعقدت هي ضدّه بالتعريف وعلى "حسابه". أما الشق الثاني، وبصرف النظر عن وجود صفقة أو عدمه، فيتعلّق بتقدير الحزب للمعطيات الدولية، حيث بدا أن حساباته تقوم على افتراض تراجع "ما" في الموازين الدولية.
على هذه الخلفية، بدا الأداء المتشدّد لحزب الله مبنياً على حساب معيّن لموازين القوى قاده ـ الحساب ـ الى تصدّر "الهجوم" في الداخل. وإذا كان مِن نافل القوى أن في "سياسة" الحزب جانباً مبدئياً يتعلّق بمواقفه، فإن فيها جانباً "حسابياً" أيضاً أي جانباً يتعلّق بالمعطيات. وبما أنه من المفترض منطقياً أن "حزب الله" يدرك تماماً أن أي صفقة سورية ـ أميركية لو قامت فعلاً، هي ضدّه بالتعريف، فمعنى ذلك أنه لم يكن في تشدّده يبني على هذا المعطى على الرغم من استخدامه له "في وجه" الآخرين. وفي هذه الحالة، يغدو من المرجح أن "حزب الله" لم يبنِ على حساب الصفقة، بل بنى على "مبالغة" في تقدير الموازين الإقليمية والدولية، وربما على العامل الإيراني في هذا السياق.
إذاً، وقبل محاولة الجواب عن السؤال بشأن التطوّر المحتمل بعدَ تطوّرات التحقيق الدولي التي أعادت تأكيد أن "نظريّة" الصفقة بائسة، كان لا بدّ من المرور على أداء "حزب الله" في الأسابيع الأخيرة، باعتباره الطرف الذي تصدّر "مشروع" تغيير المعادلة السياسيّة.
وفي هذا المرور على سياسة الحزب، يمكن تسجيل أن تشدّده، كما حصل في المسألة الحكوميّة مثلاً، أتى في ظرف هجوم سوريّ مضادّ مظلَّل من جانب النظام السوري بالنظريّة إيّاها، لكنه أتى أيضاً في سياق احتساب معيّن لموازين القرى الاقليميّة والدولية ينطوي على الأرجح على نسبة من المبالغة، وفي سياق احتساب معيّن لـ"ضعف" القوى الأخرى في لبنان. وفي هذا الإطار بالتحديد، يقرأ الوسط السياسيّ تعليق مشاركته ـ وحركة "أمل" ـ في الحكومة وشروطه للعودة.
ظروف مبادرة برّي عند انطلاقها
بيدَ أن ما جرى الحديث عنه حتّى الآن لا يستقيم من دون المرور بأداء "أمل" وبالمبادرة التي أطلقها الرئيس نبيه برّي للحوار اللبناني.
ليس الأكثر أهميّة في أداء الحركة، اشتراكها مع "حزب الله" في تعليق المشاركة في الحكومة و"مواكبتها" له في شروط العودة. فالأكثر أهميّة يتصل بمبادرة الرئيس برّي.
ليس سراً القول في هذا المجال إن المبادرة التي "نشّطها" رئيس المجلس بعدَ جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني، وإن كان أطلق إشاراتها الأولى قبل ذلك، إنما حصلت في ظروف محدّدة محلياً وعربياً وإقليمياً. فهي انطلقت في فترة الهجوم المضادّ للنظام السوري أولاً، وفي ظلّ أزمة حكوميّة عنوانها خروج الثنائي الشيعي من الحكومة ثانياً، وفي ظلّ إعلان قوى 14 آذار من موقع التوحّد ورص الصفوف استعدادها للحوار ثالثاً، ووسط "إرتباك" بعض المواقع العربية في قراءة الموقف الدولي من دمشق، عكسَ نفسه في كلام المبادرات العربيّة رابعاً.
... وظروفها الآن
بكلام آخر، أن مبادرة برّي انطلقت وسط عوامل محدّدة، من بينها أن النظام السوري "الهاجم" على لبنان، لم يُطلق النار عليها. غير أن ما جرى في الأيام الأخيرة من تطورات سواء على صعيد التحقيق الدولي أو ما يتصل بمقابلة عبد الحليم خدام وانعكاساتها سوريّاً، أو "استيعاب" المواقع العربيّة التي سعت الى التوسّط تحت عنوان تهدئة العلاقات اللبنانية ـ السورية لحقيقة أن لا تسوية دوليّة مع النظام السوري.. إن هذه التطورات جميعاً تضع مبادرة برّي في سياق ظروف موضوعية مختلفة. ذلك أن العامل الثابت الوحيد فضلاً عن رغبة برّي في مواصلة مبادرته، هو استعداد قوى 14 آذار لدعمها، في حين لا يمكن الوثوق بأن دمشق لن تطلق النار عليها، خصوصاً أن ثمة تسريبات في الصحافة الموالية لسوريا في لبنان، حملت على برّي في الأيّام القليلة الماضية بحجّة أنه لا يتشدّد.
من هنا، وبالعودة الى السؤال عن التطوّر المحتمل في لبنان، يبدو من المفيد جداً التنبيه الى أن سقوط نظريّة الصفقة التي واكبت الهجوم المضادّ للنظام السوري في الأسابيع الأخيرة، لا يعني أن النظام السوري وقد برزت مشكلته الداخلية بشكل إضافي، سيوقف حربه على لبنان، أي على المعادلة السياسية اللبنانية، لكن هذه المرة تحت عنوان مواجهة الضغوط بدلاً من أن يظهر بمظهر المرتاح الى المعطيات الاقليمية والدولية.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: في ظلّ هذا التراجع السوري ـ أي سقوط نظريّة الصفقة مجدداً ـ وعلى الرغم من توقّع استمرار الحرب السياسية ـ الأمنية على المعادلة السياسية اللبنانية، هل تعيد قوى لبنانية النظر في أدائها بعد أن اتضح أن النظام السوريّ يقاتل بلا أفق سياسي مفتوح؟
الأزمة الحكومية بعد التطورات
إن الجواب عن هذا السؤال "صعب" و"ممكن" في آن، مع أن ثمة سؤالاً يبقى مطروحاً: هل يعود وزراء الثنائية الشيعية الى الحكومة، أي هل يعودون بـ"تسوية" بدلاً من ربط العودة بشروط كان بعضُها متصلاً عند البعض بقراءة معيّنة للتوازنات الداخلية والاقليمية والدولية، أي هل يعودون بعد أن تبيّن أن الهجوم السوري المضاد كان مؤسساً على فرضيّات وأوهام حيال الوضعين العربي والدولي؟
والأهمّ هو السؤال عمّا إذا كان في وسع الرئيس برّي، على الرغم من التشجيع اللبناني والعربي المصري ـ السعودي لمبادرته، مواصلتها فيما إذا تعامل النظام السوري معها على أنها مبادرة لـ"لبننة" الوضع السياسي اللبناني بـ"الكامل"؟.
إنقلابٌ سياسي أُحبط
بطبيعة الحال، إن الوسط السياسي يتطلّع الى عودة وزراء "أمل" و"حزب الله" الى الحكومة من ضمن تفاهم يشمل جميع الأطراف، ويتوقع ذلك ليس فقط من خلال إشارات الساعات الأخيرة حيث انحسرت أجواء التشنج بل من خلال ما سمعه أقطاب سياسيون من برّي عن حرصه على التهدئة "تحصيناً" للمبادرة التي لا يمكن أن تحصل ووزراء "الثنائي الشيعي" خارج الحكومة. وكذلك يتطلّع الوسط السياسي الى مبادرة برّي بوصفها فرصةَ حوار يريدها رئيس المجلس بالفعل، بين المكوّنات الرئيسية بهدف التوصّل الى صياغة قناعات مشتركة تؤدي الى فصل مسار السياسي اللبناني الداخلي عن الإعاقات التي يزرعها النظام السوري. لذلك، فإن الجواب عن السؤال المتعلق بالتطوّر المحتمل لبنانياً، هو مِن جهة أن النظام في سوريا سيزيد من شراسة حربه في لبنان، ومِن جهة أخرى إن انعدام الأفق السياسي لهذه الحرب يُعطي الوضع اللبناني فرصة بناء تماسك داخلي، مع رهان لا يخفى على دور "ترويقي" يقوم به برّي لدى "حزب الله" الذي ليس مستبعداً أن "يروق" ذاتياً هو نفسه..إذا تبيّن للجميع في النهاية أن لا بديل من أن "يضبّ" الجميع على بعضهم.
على أن ما يقتضي التشديد عليه في مجرى التطوّرات جميعاً، هو أن مشروع انقلاب سياسي لا يوفّر أي وسيلة بما في ذلك استباحة دماء اللبنانيين، قد أصيب بمقتل خلال الأيام الأخيرة سواء مِن جانب التحقيق الدولي الذي توجّه الى "الرأس" مباشرةً هذه المرة أو من جانب الإرتدادات التي أحدثتها مقابلة خدّام. وبكلام آخر، أن انقلاباً أُحبط، لكن ذلك لا يدعو الى الاسترخاء، وقوى 14 آذارة مدعوّة في كل الأحوال الى البقاء على استنفارها السياسي كي يشكّل هذا الاستنفار العامل اللبناني الضروري لمواكبة المعطيات الإقليمية والدولية التي تؤكد أنها لن تترك لبنان لوحده، ولن تسمحَ بالانقضاض على منجزاته وشدّه الى الوراء.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.