في ظلّ التعقيدات المحيطة بعودة وزراء الثنائي "أمل" و"حزب الله" إلى الحكومة، حيثُ يبدو أنّ هذه الأزمة مفتوحة على شتى الاحتمالات، ثمّة في الوسط الشيعيّ السياسيّ من همسَ في الساعات الماضية بفكرة مفادها انّ المبادرة التي أطلقها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي لتنظيم حوار بين التيّارات الرئيسيّة الممثّلة في المجلس، قد تكون هي المخرج من الأزمة الحاليّة.
مبادرة برّي: خطّ مواز لاستئناف العمل الحكومي
فبرأي أصحاب هذه الفكرة ضمن الوسط الشيعيّ أنّ وضع الرئيس برّي لمبادرته موضع التطبيق، أي دعوته الأطراف إلى حوار حول المسائل الخلافيّة، من شأنه أن يشكّل "مظلّة" لعودة وزراء الثنائيّة الشيعيّة إلى الحكومة، على أساس انّ خطّاً موازياً للعمل الحكوميّ يكون قد فُتح فيحصل الحوار ويتقدّم لكن الحكومة لا تكون معطّلة في هذه الأثناء. وعندما يصل الحوار إلى نتائج، تغدو هذه النتائج واحدةً من مرجعيّات العمل الحكوميّ، إلى جانب مرجعيتيّ الميثاق الوطني والدستور، خاصة إذا كان الحوار سينتظم تحت سقف الطائف والدستور.
ليس معلوماً مدى مطابقة هذه الفكرة لتفكير برّي أولاً، ولا مدى تعاطي "حزب الله" معها إيجاباً علماً ان تصعيد الحزب امس ضدّ الرئيس فؤاد السنيورة وقوى 14 آذار قرئ في جانب منه على انه يهدف الى إحراج بري و"زركه". وكذلك لا يمكن الجزم بأنّ النظام السوريّ وتوابعه لن يقصفوا على هذه المبادرة كعادتهم الدائمة في القصف على أيّ حوار يقرّب بين اللبنانيين. غيرَ أنّها على كلّ حال فكرةٌ جديرةٌ بالمناقشة.
14 آذار والرؤية إلى الحوار
وعلى الأرجح ضمن المعطيات القائمة أنّ فريق قوى 14 آذار سيرحّب بفكرة تقوم على استئناف العمل الحكوميّ والحوار الوطني المفتوح بالتوازي، وهو ـ أي فريق 14 آذار ـ سبقَ له ان نوّه بمبادرة برّي، كما سبقَ له أن دعا إلى الحوار.
أمّا في مضمون الحوار، فقد حدّد لقاء قوى 14 آذار ثلاثة محاور. المحور الأوّل يتعلّق بتحديد الأطراف التي يرغب هذا الفريق في التحاور معها، والتي يجد أنّ الحوار خارجها غيرُ ذي جدوى، وهذه الأطراف هي "أمل" و"حزب الله" و"التيار الوطني الحر". ويعتبر فريق 14 آذار أنّ إشراك فرقاء آخرين من شأنه إثقال الحوار وإدخال قوى فضلاً عن كونها مصنفة في خانة النظام السوريّ وملحقاته هي قوى مشاغَبة على الحوار وغير ذات تمثيل شعبيّ جدّي. والمحور الثاني يتعلّق بعناوين الحوار نفسها، حيثُ تضمن بيان قوى 14 آذار بعد جريمة اغتيال النائب والصحافي الشهيد جبران تويني اقتراحات في هذا المجال، تتولى "هيئة التنسيق والحوار" التي شكّلها لقاء 14 آذار إعادة صياغتها وتحديدها بدقة، ويفترض ان "تنسّقها" مع عناوين مبادرة برّي. أمّا المحور الثالث فيتعلقُ تأسيساً على المحورَين السابقين، برفض قوى 14 آذار لأيّ محاولات هادفة إلى فرض تعديلات "قسرية" على موازين القوى السياسيّة بما يُؤدّي إلى العودة السوريّة من النافذة بعد الخروج السوريّ من الباب. وهذا ما كان الوزير مروان حمادة صريحاً في إعلانه قبلَ يومين. والمحاور الثلاثة ليست شروطاً مسبقة على الحوار، بل هيَ أسس واقعيّة أي غير مفتعلة تمهّد لحوار منتج.
إذاً، الفكرة القائلة بفتح خطٍ موازٍ للحوار اللبناني، يمكن أن تشكّل مخرجاً من الأزمة الحكوميّة، بمعنى انّ العمل الحكومي يُستأنف في ظلّ حوار لبناني يتناول برويّة ومسؤوليّة النقاط التي كانت في أساس الخلاف داخل الحكومة. بيدَ أنّ الفكرة وبالرغم من إيجابيتها، لا يمكنُ الجزمُ بأنّها ستُعتمد. والسببُ ليس خافياً: النظام السوريّ بالمرصاد، وهدفه ليس حصول تفاهم بين القوى اللبنانيّة الرئيسيّة، بل إلغاء المعادلة السياسيّة اللبنانيّة الراهنة.
أحداث الجنوب مثالاً
وأقرب مثال زمنياً على أنّ النظام السوريّ يتربّص بالبلاد شراً، ما جرى في الجنوب قبل أيّام، حيث ليس سراً انّ "المبادرة" إلى التوتير جاءت من لبنان، ولا يقولنّ أحد تحت أيّ ظرف من الظروف أنّ المبادرة إلى هذا "التصعيد" أو "التوتير"، إسرائيليّة... إلاّ بالمعيار "الإيديولوجي" الذي يرى إلى إسرائيل عدواناً ومبادرة عدوان دائمين.
"حزب الله" نفى أيّة علاقة له بصواريخ الكاتيوشا التي أطلقت على كريات شمونة. حامت الشبهة حول "الجبهة الشعبيّة ـ القيادة العامة" التي تملك هذا السلاح ولها سوابق في استخدامه، ومع ذلك، نفت مسؤوليتها عن هذا الموضوع.
غير أن الأمر لا يقف هنا. الجهة التي أطلقت الكاتيوشا "مكتومة". لكن ما يبلّغ به اللبنانيون في هذه المناسبة هو أنّ ثمّة سلاحاً في الجنوب خارجَ "الشرعية الرسميّة" من ناحية وخارج "شرعيّة المقاومة" من ناحية أخرى. ومن يملك هذا النوع من التسليح وراءه "دولة"، والفلسطينيون الموالون للسلطة الفلسطينية لا يملكونه فضلاً عن أن القرار السياسي للسلطة (الفلسطينية) في مكان آخر سياسياً. وحتى لو وجد هذا السلاح بين أيدي فصائل غير موالية للنظام السوري، فهذا يعني أن ثمة اختراقاً سورياً لهذه الفصائل.
إذاً، وفيما كان الحوارُ دائراً بين فرقاء الحكومة حول القرار 1559، وفيما يشكّل القرار 1559 بنداً من بنود الحوار اللبناني ـ اللبناني، إذا انعقدت طاولته، جاء من يُخبر اللبنانيين أنّ ثمة "مقاومتين" في لبنان، لبنانيّة وفلسطينيّة، وأنّ ثمّة سلاحين، لبناني وفلسطيني، وفي "أحسن الأحوال" أنّ هناك من يرغب في دمج السلاحين في مواجهة القرار 1559، في وقت يفك اللبنانيون هذين السلاحَين ويعترفون بمقاومة واحدة وسلاح واحد خارج سلاح الجيش حتى "إشعار آخر".
ما الرد السياسي لحزب الله على الكاتيوشا؟
لقد دعا الرئيس فؤاد السنيورة الفلسطينيين الى إدانة أعمال إطلاق الصواريخ والى التعاون مع الحكومة اللبنانية. غير ان "حزب الله" الممثل اللبناني للمقاومة معنيّ بالرد سياسياً على ما جرى، خاصة انه سبق له ان اعترض على إثارة مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات واعتبرها سابقةً لأوانها. وهو معنيّ بالردّ لأنّه وفي إطار المفاوضات الدائرة حول الوضع الحكومي كانَ له مطلبٌ سياسيّ يتلخّص بإنهاء أو إسقاط القرار 1559، ولأنّ وجهة نظره تقول بتجديد التأكيد اللبنانيّ على حقّ المقاومة طالما انّ مزارع شبعا محتلة وأن ثمّة أسرى ومعتقلين لا يزالون في السجون الاسرائيليّة، أي نوع من "التفويض" للمقاومة بغطاء رسميّ.
ماذا في المعلومات؟
في المعلومات ان "حزب الله" اقترح في لحظة من اللحظات على زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري نصّاً من بندين رئيسيين. الأول يدعو الى اعتبار ان القرار 1559 قد نفّذ، فيما يلحظ البند الثاني ان المقاومة تتولى تحرير الاراضي المحتلة ومواجهة اسرائيل والتصدّي لأطماعها (طبعاً النص هنا ليس حرفياً).
لم يعترض الحريري على النص او انه شاء عدم الاعتراض عليه، في نفس الوقت الذي اعتبر ان الحلفاء الآخرين لا بد ان يطلعوا عليه.
وعند وصول النص الى السنيورة، كان صريحاً مع "حزب الله" في القول انه لا يوافق عليه وإن مجلس الوزراء يستحيل ان يوافق عليه، وقال للحزب صراحة انه سيقوم بمشاورات سعياً الى نص يحظى بالاجماع، اي انه لم "يبلف" أحداً ولم يقل كلامَين.
والأهم ان السنيورة وفي ضوء المشاورات التي اجراها طوّر نصاً يتضمن النقاط الرئيسية الآتية: اعتبار ان القرار 1559 لا يزل محالاً على حوار داخلي اولاً، التأكيد على ان "حزب الله" ومقاومته ليسا ميليشيا ثانياً، التشديد على ان الدولة ترعى شرعية عمل المقاومة ثالثاً، والدخول في محادثات مع سوريا لترسيم الحدود ولا سيما حدود مزارع شبعا رابعاً. ومعنى هذا النص لا يخفى انه يؤكد على دور المقاومة لكنه يؤكد دور الدولة في رعاية مواجهة اسرائيل وأطماعها.
وفي المعلومات ايضاً، ان النص المقترح من رئيس الحكومة حظي بموافقة الشركاء في الحكومة، بما في ذلك وقبله الشريك المسيحي، وهذه الموافقة تمثل غطاء وطنياً شاملاً لشرعية المقاومة. وهنا فقط اعطى رئيس مجلس الوزراء وصف "اتفاق قاهرة جديد" على كلّ نص "تفويضي" مطلق يسلب الدولة دورها ومظلتها.
اتفاق القاهرة: البدء بشيء وعدم الانتهاء بشيء آخر
لم يخطئ الرئيس السنيورة اذاً في اعتبار أنّ تأكيد حقّ المقاومة مجدداً وتفويضها، بمثابة "اتفاق قاهرة" لبناني هذه المرة. لماذا؟
فالمخضرمون من اللبنانيين يتذكّرون جيداً أنّ اتفاق القاهرة في العام 1969 أعطى منظمة التحرير الفلسطينيّة ما سُميّ آنذاك "فتح لاند" في منطقة العرقوب. ثمّ بعد ذلك، وبدءاً من أيلول 1970 بعد أحداث الأردن وتدفّق المقاتلين الفلسطينيين إلى لبنان، توسّعت "فتح لاند" تباعاً حتّى صارت مناطق لبنانيّة بكاملها تحت نفوذ المنظمة. والمغزى هنا أنّ الأمر يبدأ بشيء ولا ينتهي بشيء آخر. وبمجرد ان "تتنازل" الدولة لا يعود ثمّة قعرٌ مرئيٌّ لتنازلاتها. وها هي تطورات الأيّام الأخيرة على جبهة الجنوب تثبت هذا "المبدأ".
طبعاً، ثمّة شبه إجماع لبنانيّ على المقاومة اللبنانيّة في مزارع شبعا حتّى تحريرها وتحرير الأسرى والمعتقلين. وطبعاً أيضاً، يمكن النظر إلى مطلب "حزب الله" إيجاباً من زاوية أنّه يلتزم بتحديد المقاومة في المزارع ويتجّه ـ عملياً ـ إلى القول انّ المزارع ـ والأسرى ـ نهاية مطاف المقاومة. بيدَ أنّ "الاعتراف" المتجدد بدور المقاومة لا يمكن أن يتحول تفويضاً "مفتوحاً".
حقّ المقاومة + ترسيم الحدود + القرار 1614 + إنهاء السلاح خارج المخيمات
لذلك، يجب ان يقترن الموقف من حقّ المقاومة بمجموعة من المواقف والخطوات. ففي الوقت الذي من حق المقاومة أن تواصل دورها التحريري في مزارع شبعا، لا بدّ من تسجيل الاتفاق على ضرورة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريّا، لا سيّما حدود مزارع شبعا بما يؤكد لبنانيتها قانوناً من وجهة نظر الشرعيّة الدوليّة. غير أنّ ذلك وحده لا يكفي، إذ لا بدّ أيضاً من إنهاء ظاهرة السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات على قاعدة أنّ ثمّة مقاومة واحدة لبنانيّة فقط لا غير، ولا بدّ من انتشار الجيش في الجنوب تأكيداً لسيادة الدولة على أرضها من جهة وتنفيذاً للقرار الدوليّ 1614 من جهة أخرى. وغنيّ عن القول هنا، أن ليس في الأمر تطويق للمقاومة بل تعيين لكافّة بنود تجديد "تشريعها". ذلك أنّ مصلحة المقاومة هي في الغطاء السياسي الوطني اللبناني الجامع، كما هي في الاستناد إلى شرعيّة دوليّة أيضاً. أمّا إسقاط سائر النقاط والاكتفاء بلون من "التفويض"، ففيه "انتزاعٌ" لموقف مفتوح زمنياً، على اعتبار انّ عدم ترسيم الحدود مع سوريّا سيعني ابقاء المزارع مفتوحةً زمنياً إلى "ما شاء الله"، وانّ عدم حسم مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات سيشرّعه إلى أمد غير منظور، وعدم إرسال الجيش إلى الجنوب سيعني عدم ممارسة الدولة لسيادتها، علماً أنّ في نزول الجيش هذه المرّة تشريعاً رسمياً للمقاومة، يؤكّده لبنان أمام المجتمع الدوليّ ويبلّغه قراراً سيادياً متكاملاً.
إذاً لا اتفاقَ قاهرة جديداً يبدأ ولا ينتهي، بل اتفاق لبناني متكامل له بداية وله نهاية في المبدأ. ويجب ان يكون واضحاً في هذا المجال أنّ أحداً لا يقترح وقف المقاومة إلى ان يتم ترسيم حدود المزارع، لكنّ ما هو مقترح تحت عنوان رفض اتفاق قاهرة جديد هو استمرار المقاومة من ضمن "أجندة" لبنانيّة متكاملة بحيث لا يعود السؤال عن قرار السلم والحرب في يد من مطروحاً، والأهم ألاّ يبقى هذا القرار في يد النظام السوريّ. والأهم اكثر هو أنّ اتفاقاً متكاملاً يدرجُ المقاومة في "أجندة" لبنانيّة من شأنه تحصين المقاومة نفسها وتحصين الوضع اللبناني بمجمله.
نموذج للحوار المنتظر فهل يقوم فعلا؟
ما سبقَ ذكره، هو نموذج من الحوار الجدّي المُنتظر أي نموذج من النقاط المفترض أن تتمّ إثارتها، وهي مثارةٌ تحت سقف الاستقلال وسيادة الدولة، وتحت سقف الطائف. وليس ثمّة ما يمنع النقاش في ما كرّر الزعيم الاشتراكيّ وليد جنبلاط طرحه في الآونة الأخيرة، بشأن منظومة دفاعيّة تشارك فيها المقاومة إلى جانب الجيش أو ضمنه، كي يُربط الحاضر بالمستقبل، أي كي يبدو واضحاً منذ الآن أنّ المطروح بالفعل هو حماية المقاومة ومساعدتها وتطمينها.
لذلك، وبالعودة إلى مسألة الحوار، يغدو السؤال عن احتمال القصف السوريّ على الحوار وكافة مبادراته مطروحاً بإلحاح.. لا بل يطرح السؤال الآتي: هل ثمّة استعدادٌ للسير بالحوار من قبل الجميع تحت كل الظروف أو يجري إبقاء البلد تحت "رحمة" مشروع سوريّ لا يتردّد في الكشف عن أنّ هدفه استرهان لبنان كساحة "مفتوحة" يواصل عبرها حربه في كلّ الاتجاهات؟
وعلى كلّ حال، على كلّ الفرقاء الرئيسيين أن يقولوا قولهم، فلا ممرّ آخر غير الحوار سواء لـ"تظهير" المشكلة أو لحلّها. لكنّ الحوار لا يجوز أن يكون "أقل" من هذا المضمون ومن هذا المستوى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.