8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك ناطقاً باسم المزاج الشعبي المسيحي "المتبدّل"

في عظة الميلاد الأحد الماضي، قال البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير كلاماً واضحاً في موضوع رئاسة الجمهورية في حضور الرئيس إميل لحود. وفي عظته، تناول البطريرك مسألة الرئاسة من زاوية محدّدة تتعلّق بهذا المقام وهذا الموقع الدستوري الرئيسي. وهو إذ ذكّر بما يقع على رئيس الجمهورية من مهام كبرى: قيادة البلد الى ما فيه طمأنينة أبنائه والعمل على المحافظة على الدستور وتحقيق الوحدة الوطنية، شكّك في قدرة الرئيس الحالي على تحقيق صلاحيات موقعه وأشار إليه بأن يقرّر ما إذا كان بقاؤه أو اعتزاله يعلو بمقام الرئاسة أو يحطّ به. وذهب الى أقصى الاستنتاج الممكن حين خاطب لحود بالقول: سيسجّل التاريخ عليكم أو لكم الموقف الذي ستتخذون لإعلاء شأن الوطن.
مقام الرئاسة ورفع الغطاء عن لحود
مِن نافل القول إن في خلفية هذا الكلام البطريركي قناعةً راسخة بأن مقام الرئاسة تعرّض على يد لحود للإساءة، سواء عبر التمديد غير الدستوري لولايته بفعل التدخّل السوري، وبأن مقام الرئاسة معطّل بفعل إصرار لحود على البقاء في بعبدا، وبأن هذا المقام الذي يرمز الى المشاركة المسيحية ـ المارونية في "الصيغة اللبنانية" فقد هيبته ودوره الجامع تباعاً. ولو لم تكن هذه القناعة موجودة لما أثار البطريرك هذا الموضوع وفي حضور المعنيّ به مباشرةً. وعلى الأقل، لو لم يكن العلوّ بمقام الرئاسة والحطّ به يتساويان لما حرّك سيّد بكركي هذه المسألة. وفي جميع الأحوال حافظ البطريرك على اقتناعه بأن استقالة لحود يجب أن تأتي منه.
لم يكن أحدٌ ينتظر من إميل لحود أن يفهم هذه الرسالة، أو أنه إذا فهمها سيعمل بموجبها. لكن الرسالة واضحة لا لبس فيها وهي تدعو رئيس الجمهورية الى تغليب الدستور والمصلحة الوطنية وهيبة المقام الرئاسي، والاستقالة تالياً حتى لو لم يلفظ البطريرك هذه الكلمة بالتحديد.
فألاّ يفهم لحود هذه الإشارة أو أن يتجاهلها، فذلك متوقّع. غير أن الوسط السياسي معنيّ بالتعامل مع ما قاله البطريرك صفير على أنه دعوةٌ أكثر من ضمنيّة الى استقالة رئيس الجمهورية الممدّد له أولاً ورفع مكرّر للغطاء البطريركي عن بقاء لحود في موقعه ثانياً وإجازة مِن قبل رأس الكنيسة بـ"فتح" المسألة الرئاسية من ضمن قاعدَتي الوفاق والدستور ثالثاً.
طبعاً كان يمكن للبطريرك أن يقول كلاماً "أعلى" لكن ما قاله "كافٍ". وكان يمكن للبطريرك أن يستحضر مزيداً من الحيثيّات السياسية والوطنية التي "تقمّش" الموقف، لكن البطريرك كان يتحدث في عظة، وخير الكلام ما قلّ ودلّ، خصوصاً أنه مسبوق وملحوق بمواقف سياسية عن الوضع الراهن تعلن استياء صفير من الحالة ومِن "محاولاتهم" عبر الاضطراب الأمني إثبات عجز اللبنانيين عن حكم أنفسهم، وتأكيده على متابعة معركة الاستقلال وعلى الوفاق بين اللبنانيين.
العظة.. وخلفيّتها السياسية
إذاً، أتت عظة الميلاد بمضمونها عند مفترق سياسي بالغ الأهمية والخطورة.
فهي أتت تعبّر عن موقف سيّد بكركي في لحظة حرب سياسية ـ أمنية يشنّها النظام السوري وبقاياه على لبنان. وهي تأتي في لحظة يشكّل إميل لحود مظلّة محلية لهذه الحرب السورية، متابعاً ولاءَه لمن مدّد له. وهي تأتي في لحظة خلط أوراق على الصعيد الداخلي. وتأتي لتعلن انحيازاً شبه مباشر الى ورقة قوى 14 آذار، التي تعتبر أن خروج لحود من بعبدا هو مفتاح حلّ الأزمة.
والأهم، على قاعدة أن البطريرك يعكس دائماً المزاج الشعبي المسيحي خصوصاً ـ واللبناني عموماً ـ أياً تكن اتجاهات هذا المزاج.. الأهم هو أن ما أعلنه سيّد بكركي يمثّل الموقف المسيحي الشعبي حيال التطورات الجارية.
الكنيسة.. أكبر "حزب مسيحي"
البطريرك صفير ليس تياراً سياسياً، ولا يخوض نزاعاً على المواقع مع أحد، لكنه "صندوق الناس" يقول ما يقولون وينطق بما يطلبون. وبهذا المعنى فقط فإن الكنيسة أكبر "حزب مسيحي"، و"جماهيرها" أوسع من أي قاعدة سياسية متحزّبة. ولذلك، يمكن القول إن في ما أعلنه البطريرك الأحد الفائت وفي ما حدّده من مواقف خلال الأيام الماضية تعبيراً عن مزاج مسيحي عام لا يمكن لأحد أن يتجاهله.
لقد أخذ المزاج المسيحي الشعبي في التبدّل منذ بضعة أسابيع. وقد أتيحت للبطريرك أكثر من فرصة لتلمّس هذا التبدّل، خصوصاً في موازاة جريمة اغتيال النائب الشهيد جبران تويني. فقد وصلَته من دون شك أصداء الغضب الشعبي الذي انفجر ضد لحود وضد بعض السياسات "المتذبذبة" لا سيما في منطقة الأشرفية المسيحية حتى العظم يوم تشييع الشهيد تويني. غير أن أهم ما في مميّزات البطريرك أنه إذ "يلتقط" وبسرعة الحسّ الشعبي، يبادر الى التعامل معه. وهكذا لم يتوقف عند البروتوكول، فذهب في خطوة استثنائية نادرة الى تعزية الكبير غسان تويني في كنيسة مار نقولا، احتراماً منه للشهيد ووالده، لكن احتراماً للغضب المسيحي ضد الجريمة الإرهابية ومجرمي النظام الأمني السوري.. وضدّ المتقاعسين سياسياً.
عون بين أمجاد الانتخابات.. والواقع الحقيقي
عند هذا الحد تنتهي القراءة في مضمون العظة ودلالاتها وسياقها. وعليه، وبالذهاب الى السياسة المباشرة لا بد من لفت الانتباه الى مجموعة من النتائج التي من شأنها أن تترتّب على التموضع الحالي للبطريرك، والذي أتت العظة الأخيرة في إطاره.
لا شك أولاً أن هذا التموضع البطريركي يمنح التيّارات والشخصيات المسيحية المنضوية في "انتفاضة الحرية استكمالاً لانتفاضة الاستقلال" بركته وتزكيته. وبذلك، فإنه يمنح تيّارات الوفاق والعيش المشترك بينَ المسيحيين مظلّته.
ولا شك ثانياً، أنه وبالنظر الى الخارطة المسيحية وعلى رأسها البطريرك الماروني، يبدو واضحاً أن العماد ميشال عون هو وحده من لم ينضوِ حتّى الآن ضمن إجماع الخارطة المسيحية على قراءة المرحلة ومتطلّباتها.. أي أن هذه الخارطة في مكان وعون في مكان آخر.
ولا شك ثالثاً أن الجنرال سيقول إن جميع مَن على الخارطة المشار إليها لا يمثّلون ما يمثّله على مستوى الشارع المسيحي، بيدَ أن واقع الحال هو أن عون يعيش على أمجاد الانتخابات الأخيرة لكأنها أبديّة علماً انّ عوامل عدة تدخلت في صناعة نتائجها. كان عون لا يزال عائداً حديثاً الى لبنان والمعروف من سياسته وممارسته لها قليل. وكان الشارع المسيحي على درجة من القلق على المصير بعد الانسحاب السوري الرسمي. وارتاب المسيحيون نتيجة الأضاليل التي جرى ضخّها من أن يكون المسلمون ـ أي زعاماتهم ـ في صدد مشروع إلحاق للمسيحيين واستتباعهم. وكان ثمّة أخطاء تكتيكية من قِبل زعامات إسلامية. وكان ثمّة خوف مسيحي مِن أن لا يكون لهم زعيمُهم أو زعماءُهم في مقابل أن لكل طائفة زعيمَها. وكان البطريرك معبّراً في تلك المرحلة عن ذروة القلق المسيحي. وكان زعيم "القوات اللبنانية" سمير جعجع لا يزالُ في السجن.
كان كل ذلك موجوداً فحصد الجنرال ما حصدَه وقد أُضيفت هذه العوامل الوازنة إلى التراث النضالي لـ"التيّار" ضدّ الوصاية السورية. غير أنه وخلال الأشهر الستة الماضية ومنذ انتهاء الانتخابات، لاحظ الشارع المسيحي أن الجنرال ـ الزعيم يوظّف التفويض الشعبي في إطار سياسة تؤدّي إلى حجب حقيقة الحرب التي يشنّها النظام السوري على لبنان مستهدفاً توازنَه واستقراره السياسيَين، وتتعمّد تجهيل الفاعل في جرائم الاغتيال الإرهابية، وتشكّل متراساً أمام لحود.. و"تتنافر" مع جميع مَن هم في14 آذار كلّ في "دوره"، وتنزلق بسرعة "مخيفة" الى 8 آذار. ولهذه السياسة كلفة. وإذا كان عون نجحَ في فترة من الفترات بتحويل "صدام" الآخرين معه الى "شعبية"، وإذا كان بعض القادة السياسيين لم يحسنوا دائماً توقيت الهجوم السياسي على مواقفه فاستفاد من ذلك بهدف "التعبئة"، فإن وجود لبنان على مفصل خطير يجعل من السياسة التي لا يزال عون يتبعها، سبباً لصدمة شعبية ولإحباط بما في ذلك داخل قاعدة "التيّار الوطني الحرّ" ذات التاريخ النضالي العريق، وهي سياسة لا يرى الجمهور أي "تبرير" مقنع لها خاصة في ظلّ استعداد قوى 14 آذار الدائم لتسهيل أيّة "استدراكات".
البطريرك: الأوّل باسم الشريك المسيحي
.. ولا شك رابعاً أن هذا التموضع البطريركي، يُفترض أن يجعلَ البطريرك الأكثر تعبيراً عن الشريك المسيحي، بحيث يغدو البطريرك "الأوّل" باسم هذا الشريك أي "المفاوض" باسمه بشأن مستقبل الشراكة الوطنية اللبنانية، لأنه عندما يفعل لا يُلغي الواقع السياسي في الشارع المسيحي ولا يحجبُه بل يوسّع أمامه الآفاق.
مِن هنا، فإن على قوى 14 آذار أن تأخذ هذا المعطى ـ البطريركي ـ في الحساب، وهي في معرض رصّ صفوفِها مِن جديد، لأنه يمنحُها عصباً مسيحياً من جهة وعصباً مسيحياً منفتحاً على الآخرين من جهة ثانية، وهو عصبٌ لا "يبتزّها" في أي حال من الأحوال.
الجبهة المتراصّة
على أي حال، إن أمام قوى 14 آذار فرصة كبيرة. فبموقفه المعبّر عن قناعاته وعن المزاج الشعبي المسيحي، اخترقَ البطريرك "جدران الفصل" بين البيئات الطائفية اللبنانية. وبمواقفه المستمرّة في التأكيد على العيش المشترك وعلى الشراكة الإسلامية ـ المسيحية تحقيقاً للاستقلال واستكمالاً له وكشفاً للحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهي ـ أي الحقيقة ـ المدخل الى تثبيت الاستقلال كما كان استشهاد الرئيس الحريري المدخل الى الاستقلال، يخترق سعد الحريري "جدران الفصل" أيضاً. ووليد جنبلاط بمواقفه يعيدُ وصلَ ما انقطع بينه وبين البيئة المسيحية في ظروف معلومة رافقت المرحلة الانتخابية.
جبهةُ 14 آذار يفترضُ أن تكون متراصّة إذاً، وعنوانها صفير ـ الحريري ـ جنبلاط. وفي حوارها مع الشركاء الآخرين يجب أن تكون متراصّة فلا تنازلات على حساب الحقيقة أو على حساب الاستقلال والحرية... أو على حساب الإمساك بمقاليد السلطة. والتراصّ هذا ليس مطروحاً في وجه أي شريك ولا في وجه الوفاق الوطني، بل هو مطروحٌ في وجه مشروع سياسي يطرح إعادة النظام السوري الذي خرجَ من الباب الى السلطة من "الشبّاك"، محاولاً فرضَ توازن الحوار مسبقاً، ومتحدّثاً عن متغيّرات إقليمية ـ دولية في غير صالح 14 آذار وقواه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00