في ما يتجاوز النبرة الهادئة التي اتسمت بها مقابلته على شاشة "المنار" مساء الجمعة الفائت، طرح الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله مجموعةً من العناوين والمعادلات التي يشكّل ربطُها ببعضها مشروعاً سياسياً في حدّ ذاته.
هكذا تنظر أوساط عدّة من 14 آذار إلى مضمون المقابلة التي تحدث السيّد نصر الله خلالَها مِن موقع الحليف للنظام السوري من جهة وبوصفه رافعةً لقوى 8 آذار الموالية لسوريا من جهة أخرى.
الشرطان "التنظيمي" و"السياسي".. والبدائل
ماذا يقول مشروع نصر الله في العمق؟
في تقدير أوساط 14 آذار أن فكرة المشروع تتسلسل على نحو محدّد لا لبس فيه. فهو ينطلقُ من الأزمة الحكومية قيد المعالجة ليحدّد شرطين "تنظيمي" و"سياسي" على المعالجة الجارية. "التنظيمي" يتعلق بآليات التوافق بما يلغي اللجوء إلى التصويت في مجلس الوزراء تحت عنوان "القضايا الكبرى" أو الرئيسية. و"السياسي" يتعلق بصيغة من صيغ القول إن القرار 1559 لم يعد ذا "معنى".
ويسارع نصر الله إلى توضيح أن هذين الشرطين التنظيمي والسياسي حاسمان من وجهة نظره للاستمرار في الحكومة ويؤمنان ما ينادي به لجهة أن الحكومة "شراكة" وليست أكثرية وأقلية. بيد أنه إذ ينطلق من "الراهن" أي الأزمة الحكومية قيد المعالجة ويُبدي نسبة من التفاؤل بإمكان التوصل إلى اتفاق ينهي هذه الأزمة، يشرَع نصر الله في استعراض البدائل. والبدائل التي يعرضها تتعلق بالأزمة الراهنة في حال لم يتم التوصل إلى حلّ، لكنها هي نفسُها البدائل التي يرى السير فيها الآن وفي المرحلة المقبلة.. أي أن السيّد يلمح إلى ما يجب أن يكون مستقبلاً من زاوية نظره.
البديلُ الأول هو استقالة وزراء الثنائية الشيعية في حال لم يتم الأخذ بشرط التوافق المسبق، فيتم استبدالهم بشيعة آخرين. والبديل الثاني هو استقالة الحكومة ككل لتقوم مكانها حكومة اتحاد وطني شاملة تضمّ قوى لم يحالفها الحظّ في الانتخابات النيابية الأخيرة. أما البديلُ الثالث فهو الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة. وفي هذا المجال يتحدث نصر الله عن تحالفات مختلفة عن تلك التي قامت في الانتخابات السابقة، متبنياً نظريّة أن الثنائية الشيعية ساهمت في تكوين الأكثرية النيابية ـ والوزارية ـ الحالية.
مشروع "أخذ" السلطة
في نقاش هادئ لما عرضه السيّد، مضامينه منسوبة الى قوى من 14 آذار، يتبيّن بوضوح أنه، وبمناسبة أزمة حكومية قيد المعالجة وفي ظروف معينة، إنما يريد أن "يأخذ" في مقابل أنه لا "يُعطي" شيئاً.
وليس خافياً أن ما يريده نصر الله هو "أخذ" السلطة بإحدى صيغتين: إما عبر استتباع الحكومة الحالية باسم التوافق وشرط عدم التصويت، وإما تغيير الحكومة الحالية لتقوم مكانها ما يسميّه حكومة اتحاد وطني تتعطل فيها عملية التصويت بفعل تركيبتها في حدّ ذاتها، وتقود هذه الحكومة عملية انتخابية مبكّرة.
الحقيقة تساوي الاستقلال
إن ما يطرحه الأمين العام لحزب الله إذاً هو مشروع استيلاء على السلطة.
أما ما "يعطيه" نصر الله في المقابل فيتمثل بـ"نقطتين" سيتبيّن أنهما ليستا فعليتين. النقطة الأولى وتحت عنوان التمسّك بمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يطرح السيّد من خلالها فصل هذا الملف عن سائر الملفات لأنه أياً يكن المتورط في هذه الجريمة يجب أن يُعاقب. أما النقطة الثانية، فتمثلت في الإعلان الواثق من جانب نصر الله بأن "السوري" لن يعود إلى لبنان و"أنا مسؤول عن كلامي".
وهنا أيضاً وفي نقاش هادئ مع السيّد نصر الله، ترى قوى 14 آذار أن فصل "ملف الحقيقة" عن سائر الملفات، خطير. فدماء الرئيس رفيق الحريري هي التي فجرت انتفاضة الاستقلال، وهي التي أدت الى بزوغ الاستقلال اللبناني الثاني. والحقيقة بشأن الجريمة الإرهابية التي أودت بالرئيس الحريري ورفاقه، هي التي تستكمل إنجاز الاستقلال وتدعمه. فكيف تفصل معركة الاستقلال عن معركة تحصينه وتأكيده؟
عودة السوري بالسياسة
أمّا التعهد بأن "السوري" لن يعود إلى لبنان، فأمر آخر. فالسيّد نصر الله يتجاهل أولاً أن "السوري" لا يزال في لبنان ولم ينسحب منه إنسحاباً أمنياً ـ مخابراتياً كاملاً، أي أنه لم ينفذ البند المتعلّق بانسحابه الكامل عسكرياً ومخابراتياً في القرار 1559. وعلى افتراض أن السيّد مقتنع بأن "السوري" انسحب ولن يعود، فإن ما يقترحه في "السياسة" هو إعادة "السوري" إلى السلطة السياسية في لبنان في مقابل انسحابه العسكري والأمني. وبكلام آخر، يبدو لقوى 14 آذار أن المعادلة المطروحة من نصر الله هي خروج "السوري" عسكرياً ومخابراتياً في مقابل عودته سياسياً عبر حلفائه الذين يطرح نصر الله نفسه رافعةً لهم.
ولا يحتاجُ الأمرُ من زاوية قوى 14 آذار إلى كبير عناء لإثبات أن مشروع نصر الله هو في عمقه مشروع لإعادة حلفاء النظام السوري وأدواته إلى السياسة اللبنانية من بوابة السلطة. فالأمين العام للحزب يقول بلا أي لبس إن الأكثرية الحالية ليست أكثرية، وفي سبيل ذلك يستحضر قوى 8 آذار ليغدق عليها أوصافاً تمثيلية استثنائية مضيفاً "التيار الوطني الحر" برئاسة العماد ميشال عون اليها. كما أن تزامن التشكيل من قبله بالأكثرية مع الموقف السوري الرسمي الذي يعلن أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة غير شرعية، يثير ما هو أكثر من مجرد الالتباس.
أبو موسى الأشعري.. والأمويون الجدد
هكذا إذاً ردّ السيّد نصر الله على مطالبته بـ"الوساطة" مع النظام السوري لوقف مسلسل القتل والاغتيالات، بأنه ليس وسيطاً. وأكثر من ذلك، وفي وقت كانت غالبية قوى 14 آذار تعلن موقفاً اعتراضياً على ما تسرب بشأن مبادرة عربية للتوسط بين لبنان وسوريا، محددة شروط أي مبادرة عربية لصالح لبنان، برز السيّد نصر الله مدافعاً عن المبادرة العربية... وبلا شروط، لا بل ذهب وخلافاً لـ"منهجيته" العقائدية والسياسية إلى حد "تذكير" قوى 14 آذار بأن ثمة صفقات دولية ـ اقليمية واردة وسأل قوى 14 آذار ماذا ستفعل في هذه الحالة؟.
في هذا المجال، تستحضرُ أوساطُ زعيم سياسي واقعة التحكيم التاريخية بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وهو التحكيم الذي قام به أبو موسى الأشعري وجاءت نتيجته لصالح معاوية ضدّ الإمام علي. وتقول إن "التحكيم" طُلب من كثيرين، فكانت النتيجة حتى الآن عدم الاستجابة لمقتضيات استقلال لبنان كما يلزم. وتسأل هذه الأوساط: من هو أبو موسى الأشعري في هذه الأيام الذي "يحكّم" لصالح "الأمويين الجدد"؟
نقطة البداية:
تغيير توازن الحوار.. وعون
طبعاً، ليس هنا "كامل" الموضوع. فالسيّد نصر الله المتطلع إلى تغيير التوازن السياسي على مستوى السلطة، يريدُ تغييره سلفاً على مستوى الحوار، إذ يريد إدخال سليمان فرنجية وطلال أرسلان إلى هذا الحوار، وإلى السلطة من بعده. ولأنه يعرف ـ على الأرجح ـ حدود ما يمثّله فرنجية وأرسلان، بادر إلى إدخال "جديد". وهذا "الجديد" هو الجنرال عون.
وللتذكير فقط، فعندما بدأ الحوار بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" وبلغ محطة متقدمة نسبياً، جرى إبلاغ "الحزب التقدمي الاشتراكي" وزعيمه وليد جنبلاط من قبل الحزب أن لا داعي لهواجس من جانبه حيالَ هذا الحوار، والسبب أن الحوار منظوراً إليه من زاوية "حزب الله" لا يعدو كونه "محاولة" لفك عون عن القرار 1559 وليس مطروحاً (الحوار) بهدف إقامة حلف سياسي ضدّ الآخرين. وعندما زار وفد من الحزب النائب السابق طلال أرسلان قبل ان يعود أرسلان فيزور الأمانة العامة، قيل لجنبلاط من جانب الحزب إن الأمر لا يعدو كونه عملية تصفية لذيول المعركة الانتخابية في الجبل، وليس فيه أي "حرتقة" على جنبلاط.
بطبيعة الحال، لم يرفض جنبلاط ـ ومعه قوى عديدة في 14 آذار ـ الحوار بين "حزب الله" و"التيار العوني"، لا بل "بالغ" جنبلاط في إبداء التفهم للحوار هذا وطبيعته، واعتبر أن هدفه "نبيل". بيدَ أن قوى عديدة في 14 آذار، اعتبرت مساء الجمعة الفائت أن نصر الله "خدمها" ولم "يخدم" عون في الكشف عن إدراج "التيار الوطني الحر" ضمن 8 آذار، وعن ربطه بمشروع تغيير السلطة في "سياق سوري"، وصولاً الى "تبني" ترشيحه إلى رئاسة الجمهورية.. بعدَ سنتين، لأنّ نصر الله تجنّب الحديث عن مصير رئاسة اميل لحود، لا بل اعتبر وجوده في الرئاسة "ثابتة" حتى ذلك التاريخ.
ولعلّ الأمين العام لحزب الله لا يعرف أن "الجديد" الذي "اختاره" ممثلاً للمسيحيين لم يعد في أوج قوته مسيحياً، كما لعلّه لا يعرف أن إعلان ارتباطه به سوف "يضغط" على "التيار". ولعلّ السيّد يتجاهلُ في الوقت نفسه حقيقية أن "فائض" حديثه عن التعددية السياسية في الطوائف لا يستقيم مع "حجزه" للتعددية ضمن الشيعة، حتى وهو يقول إن ثمّة ضمن الطائفة الشيعية من يمكن إحلالهم في الحكومة كبدلاء من الوزراء الشيعة الحاليين، الأمر الذي بدا مطروحاً في صيغة "تحد" أكثر منه في صيغة "واقعية".
ردّ 14 آذار: الحكم.. والحوار
ومع ذلك ترى قوى 14 آذار أنها يجب أن تلتفت نحو ما هم أهمّ ـ وأخطر ـ في ما يعلنه السيّد نصر الله إذ "يكشف" المشروع السياسي.
ففي ظل ما تسميه حرباً مفتوحة عليها من قبل النظام السوري، وفي ظل مشروع للاستيلاء على السلطة بإسقاط حكم الغالبية النيابية، وحيث يبدو أن تغيير السلطة لصالح سوريا هو النتيجة السياسية للحرب الأمنية ـ المخابراتية، لا بد لقوى 14 آذار من أن تتوجه نحو السيطرة على السلطة بكلّ مفاصلها للإمساك بها. ذلك أنها لا تستطيع الاستمرار في الالتباس الذي رافقها طوال الفترة السابقة بين كونها لا تزال معارضة للنظام السوري وملحقاته اللبنانية واختراقاته، وكونها حكومة. فهذه القوى ـ 14 آذار ـ يجب أن تأخذ قراراً بالحكم.
بالتوازي، وإذا كان كلام نصر الله يبدو و"كأنه" يغلق الحوار سواء عبر تحديد توازن قوى الحوار مسبقاً أو عبر كشف الهدف المتمثل بتغيير السلطة، فإن الردّ في موازاة أخذ القرار بالحكم، هو بالتشديد على الحوار.. لكن هذه المرّة بمواصلة عمليّة رصّ صفوف 14 آذار، الأمر الذي بدأ بعد جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني.
صحيح أن السيّد لا "يربح جميلة" أحد، وهو في أحسن الأحوال يعتبرُ أن الحماية السياسية التي وفرّتها قوى 14 آذار لحزب الله والمقاومة، واجب لا تشكر عليه، علماً أن هذه الحماية هي التي حدّت من الضغوط الدولية وليس "الصفقات" التي لم يستبعدها نصر الله بين سوريا والولايات المتحدة.. لكنّ الصحيح في المقابل هو أن تواصل قوى 14 آذار مسعاها الحواري تماماً لأنها وبخلاف ما يقوله البعض هي أكثرية شعبية تجلت في 14 آذار وليست مجرد أكثرية نيابية. وفي هذا الحوار، هي مطالبة بالصراحة وبعقد تسويات.. لكن تحت سقف الاستقلال والمسار الديموقراطي.. والطائف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.