في هذه الأيام، يتزامن الحديث عن انفتاح دولي باتجاه سوريا مع الحديث عن مبادرة عربية بين لبنان وسوريا. الحديث الأول تسريب مصدره سوري تارة أو قراءة مغلوطة للموقف الدولي تارة أخرى، فيما الحديث الثاني ـ عن مبادرة عربية ـ حقيقي بمعنى ان ثمة مشروع تحرك عربي قريباً في ما يتعلق بـ"الأزمة" بين بيروت ودمشق.
الموقف الدولي: دفتر شروط على النظام السوري
فبحسب المعطيات المؤسسة على معلومات، فإن ما يسميه التسريب السوري انفتاحاً دولياً، لا يعدو كونه تكراراً مملاً لمقولة ان المجتمع الدولي على وشك التوصل إلى عقد تسوية مع النظام السوري أو صفقة ما، وهو ما يلجأ نظام دمشق إلى تسريبه كلما أوغل في المأزق، في محاولة للايحاء بأنه لا يزال يمثل حاجة في المنطقة وبأنه لا يزال يملك أوراقاً لـ"المساومة"، وللإيحاء للبنانيين بأنه لا يزال قادراً على "مقايضة" أوراق عدة في مقابل استعادة "الورقة اللبنانية".
والحال ان المجتمع الدولي يضع "دفتر شروط" على النظام السوري ويطالبه بتنفيذه، وشطر كبير من "دفتر الشروط" هذا تحكمه قرارات دولية. ان المجتمع الدولي يطالب النظام السوري إذاً بتنفيذ شروط محددة وليس في صدد "مساومة" أو "مقايضة" أو "صفقة". وعلى قاعدة ان المجتمع ا لدولي يطرح تغيير سلوك النظام السوري وليس تغيير النظام في سوريا، فإن الشروط الموضوعة هي قواعد تغيير هذا السلوك، إن التزم بها نظام دمشق كان به وإن لم يلتزم بها سيستمر النظام الدولي في الضغط لإجباره على تنفيذها أو لتعطيل قدرته على إعاقتها. أما مصير النظام في سوريا، فهو نتيجة. فإذا استطاع تنفيذ "دفتر الشروط" بدون أن يسقط، يتعاطى المجتمع الدولي مع هذه النتيجة، وإن لم يستطع تنفيذها تكون نتيجة أخرى يتم "التعامل" معها في وقتها.
إذاً، في حساب لبنان، أي في رصيده، موقف دولي حازم: إما أن تلتزم دمشق بدفتر الشروط ولا مشكلة، وإما أن ترفض وتواجه الضغوط الدولية ولا مشكلة ايضاً.
أين موقع استقرار لبنان من الاهتمام العربي؟
بيد ان ما ينبغي تسليط الضوء عليه هو الموقف العربي. فإذا كان الموقف الدولي "لا يمانع" في أن ينقذ النظام السوري نفسه ـ إذا استطاع ـ عبر تنفيذ الشروط المتعلقة بلبنان وفلسطين والعراق، لأن لا هدف دولياً قائماً بذاته اسمه تغيير النظام في سوريا، فإن الموقف العربي أو بعضه بكلام أدقّ يُعطي أهمية قائمة بذاتها لإنقاذ النظام في سوريا تحت عنوان إستقرار سوريا وإستقرار المنطقة.
بطبيعة الحال، ان لبنان ليس فقط لا يرفض تحركاً عربياً يعنيه في الظروف التي يمرّ بها، بل هو يطلب التحرك العربي. غير ان لبنان الذي يلاحظ ان الموقف الدولي المشروح آنفاً لا يطالبه بتنازلات، من حقه أن يطالب العرب بـ"الانسجام" مع الموقف الدولي وبعدم الضغط عليه لتقديم تنازلات. فلبنان الذي لا يعترض على استقرار سوريا، يطالب باستقراره، واستقراره هو أولويته. ومصدر الخطر على استقراره هو النظام السوري.
لينتبه العرب من سياسة كسب الوقت
لذلك، فمن واجب أي مبادرة عربية ليس أن تتوازى مع الموقف الدولي وحسب، بل أن تأخذ في الاعتبار المعطيات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ إن النظام السوري لا يدعُ مجالاً للشك ان الشطر الرئيسي من سياسته يقوم على كسب الوقت، للانقضاض مجدداً إذا تمكّن من ذلك. وهو يستند في محاولته كسب الوقت على مجموعة من المراهنات، على علاقته بإيران تارة وعلى تناقضات دولية مفترضة تارة أخرى، وعلى تغيّر في فلسطين على مستوى التوازن السياسي الفلسطيني بما يؤدي إلى تأزيم المسألة الفلسطينية في وجه أميركا تارة ثالثة، وعلى رخاوة الوضع العربي تارة رابعة.. وعلى تطورات دراماتيكية تارة خامسة..
ثانياً ـ ولا يزالُ النظام السوري، في إطار سياسة كسب الوقت يراهنُ على إمكانية بيع كل الأوراق في مقابل شراء "ورقة لبنان" مجدداً.
... ومِن عدم تنفيذ الـ1559
ثالثاً ـ وعطفاً على النطقة السابقة، يجب أن يُقال ويجب أن يعلم العرب جميعاً ان النظام السوري لم ينفّذ القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، علماً انه معني بتنفيذ عددٍ من البنود الرئيسية فيه.
فالنظام السوري الذي سحب جيشه من لبنان في 26 نيسان الماضي، لم يسحب مخابراته وشبكاته التي تشكّل العمود الفقري لآلة القتل في لبنان، أي انه لم ينفّذ انسحاباً كاملاً. ولا يزال "حبل الصرّة" قائماً بينه وبين فصائل فلسطينية تنشر سلاحها خارج المخيمات وتُكلّف بمهام أمنية لصالحه. وكذلك لا يزالُ يمارس تدخلاً سياسياً سافراً في الوضع اللبناني، سواء تدخله أثناء الانتخابات النيابية الأخيرة، أو عبر علاقته بجهات موالية له تمارس التهديد والوعيد، أو عبر قدرته بواسطة تحالفات معينة على شلّ المؤسسات اللبنانية وتعطيلها، وهو الذي لا يزال "يملك" رئاسة الجمهورية ويحرّكها.
رابعاً ـ ولا يزالُ النظام السوري يسترهن لبنان كما قال الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، برفضه ترسيم الحدود، لا سيما حدود مزارع شبعا، وذلك بما يؤدي إلى عدم تمكين لبنان من استعادة أرضه المحتلة، وإلى وضعه في مواجهة مع الشرعية الدولية.
خامساً ـ وفوق ذلك كله وقبله، لا يزال النظام في سوريا يراوغ مع التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ويحرّض ضدّ هذا التحقيق، ويسعى إلى تعويق الوصول إلى الحقيقة.. لا بل لا يزال يُطلق العنان لِفرق الموت تغتال السياسيين والإعلاميين.
خشية اللبنانيين من استمرار سياسة القتل
مِن واجب أي مبادرة عربية إذاً أن تأخذ في الاعتبار كل ما جرى ذكره آنفاً. ومن حق اللبنانيين الذين يطلبون مساندة عربية تتوازى في قوتها مع الموقف الدولي، أن يخشوا على استقرار بلدهم الذي يجب أن يكون أولوية عربية، في حال لم ترتكز المبادرة العربية إلى وعي بما تمّ عرضُه حتى الآن.
ففي ظل عدم تنفيذ النظام السوري للقرار 1559، فإن خطر استمرار القتل، قائم. وأكثر من ذلك، يخشى اللبنانيون مِن أن يواصل هذا النظام القتل في ظل مبادرة عربية. وثمة في هذا المجال مثلان أحدهما "تاريخي" والثاني حديث. فقد اغتال النظام السوري الزعيم الشهيد كمال جنبلاط في آذار 1977 بعد قمة عربية وافقت على إرسال قوات ردع عربية إلى لبنان. وفي الآونة الأخيرة، وبعد صدور القرار الدولي 1644 كاد النظام في دمشق يصوّر القرار انتصاراً له لأنه أتى "خفيف اللهجة" كما افترض، فاستجمع أنفاسه قبل أن يصدر موقف من واشنطن يذكّره بأنه لا يحق له أن يكون مرتاحاً حيال مندرجات هذا القرار.
لا مقابل مقبول
إذاً، يخشى اللبنانيون مِن أن يواصل النظام في سوريا سياسة القتل في ظل مبادرة عربية. ويخشون، ومِن حقّهم أن يخشوا أن تمنح المبادرة العربية هذا النظام فرصة لفك عزلته الخارجية يستغلها لمواصلة سياسة كسب الوقت. ويخشون أكثر ما يُشاع عن "مقابل" يوضع تحت عنوان "وقف الحملات السياسية والإعلامية".
وبرسم العرب جميعاً، يجب أن يُقال ان هذا "المقابل" يسلب المجتمع السياسي اللبناني "سلاحه" الأساسي. لماذا؟
لأن النظام السوري يريدُ أن يتقبل لبنان القتل من دون أن يصرخ من ألمه لفقدان قادته.
ولأن النظام السوري يريدُ أن يتوقف السياسيون والإعلاميون اللبنانيون عن اتهامه بمسلسل الاغتيالات، لا سيما في حلقته الرئيسية المتمثلة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، فيستغل "التبريد" في مواجهة التحقيق الدولي ويزيد من فرص مراوغته.
خطة نظام دمشق حيال لبنان الآن
والأخطر، هو ان منح النظام في دمشق "هدنة سياسية"، سيجعله ينقضّ أكثر فأكثر على الوضع السياسي اللبناني. ومن الضروري أن يعلم العرب ان الخطة السياسية السورية تقضي بـ"العودة" إلى لبنان مِن أحد طريقين: إما "تفجير" المؤسسات الدستورية من داخلها عبر إسقاط الحكومة باستقالات معينة وعبر استقالات من مجلس النواب لجرّ البلاد إلى استحقاقات مبكرة في مناخ من الترهيب والإرهاب.. وإما الفوضى السياسية ـ والأمنية ـ التي تشكّل مناخاً مؤاتياً لهذه الخطة.
لا يمكنُ للبنانيين أن يقبلوا أن يكون العرب غافلين عمّا يحيكه النظام في دمشق. وهم إذ يرحّبون بمبادرة عربية لا بل يطلبونها، يدعون العرب إلى الانتباه إلى ما يقوله زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري وزعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، وزعيم "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وقادة لقاء قوى 14 آذار. وإذا هم انتبهوا فعلاً، يصبح المطلوب منهم مبادرة عربية تتضمن المطالب اللبنانية من النظام السوري لأن لدى لبنان ما يعطيه لسوريا التي أخذ نظامها كل شيء من لبنان، ولا يزال يطمح إلى استعادة وصايته على البلد.
المطالب اللبنانية: القرارات الدولية
والمطالب اللبنانية التي لا مقابل لها تكادُ تختصر بأن ينفذ النظام السوري القرار 1559. ذك ان هذا القرار يعني الانسحاب الكامل لآلة القتل وشبكاتها، ويعني وقف التدخل السياسي في الشؤون اللبنانية، ويعني ترسيم حدود مزارع شبعا. أما ما هو غير وارد في الـ1559، فواردٌ في القرارات 1595 و1633 و1644 المتصلة بالتحقيق الدولي، والتي تلزم نظام دمشق بالتعاون الكامل وصولاً إلى تسليم المشتبه بهم إلى التحقيق وتوقيفهم عندما يطلب المحقق الدولي ذلك، وإحالتهم على المحاكمة عندما تتشكّل أطرها القانونية.
إذ ذاك يطمئن اللبنانيون إلى استقرار بلدهم الذي يتعرض لحرب النظام السوري. وإذذاك، أي عندما يعيد العرب جميعاً الاعتبار لأولوية الاستقرار اللبناني، يساعدون سوريا على تحقيق استقرارها. واللبنانيون لا يريدون من النظام السوري الآن سوى أن "يفكّ عن ظهر لبنان".
بكلام آخر، ليس ثمة حاجة إلى مبادرة "واسعة"، لأن الحاجة هي بالفعل إلى مبادرة محددة تطلب رفع يد النظام السوري عن لبنان بتنفيذ القرارات الدولية، وعندئذٍ يقرّر لبنان الوقت المناسب للتعاطي مع عناوين أخرى في ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية.
عمرو موسى
أما الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، فالأهم أن يأتي مكلفاً من الجامعة أي من القادة العرب، كي لا يثير تحركه إذا كان "شخصياً" أي بلبلة وإشكالات. ذلك أن ليس في لبنان حرب داخلية، بل هناك حرب من النظام في سوريا وأدواته على الداخل اللبناني، والأمر يستحق أن ينتبه موسى إليه جيداً.
وعلى أية حال، قد يكون ما جرى عرضُه هو مضمون المبادرة بالفعل. لكن الحذر واجب والتنبيه ضروري في لحظة يحق للبنان أن يصرخ: دعوني أعيش. وإذ لا يعقل أن يكون الموقف العربي "أدنى" من الموقف الدولي، فإن الحكمة تقتضي المطالبة بتنسيق سعودي ـ مصري وعربي ـ دولي يشكّل مظلة للبنان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.