8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تفجير الحكومة أو إنقاذ البلد؟

غنيّ عن القول إن اتفاق الطائف ودستوره يواجهان تحدياً كبيراً وخطيراً هذه الأيام، في ضوء قرار "حركة أمل" و"حزب الله" تعليق مشاركتهما في الحكومة والشروط التي يعبر عنها الحزب للعودة إلى المشاركة.
ربما يكون ثمّة جانب "طبيعي" في الأزمة القائمة حالياً، كون الطائف يخضع للمرة الأولى منذ شهور فقط لتطبيق لبناني، وكونُ اختبار استعادة مركز القرار إلى الداخل بعد أن زحَل هذا المركز نحو عنجر ودمشق ـ أي الخارج ـ طيلة سنوات مديدة، لا يزال في مراحله الأولى، في ظلّ ضرورة وجود وعي عام بأن لا خارج فوق رأس أحد يحميه. بيدَ أن الإشكالية التي يطرحها موقف الثنائية الشيعية، لا سيما أحد طرفيها أي "حزب الله"، خطيرة جداً.
إشكاليات خطيرة لعدم التصويت
ذلك أن القبول بشرط عدم التصويت في مجلس الوزراء على القضايا المختلف بشأنها، يعني تعطيل مؤسسة مجلس الوزراء، أي تعطيل قرارها وآلية اتخاذ القرار المحددة في الدستور. ويعني اعتماد عدم التصويت الإقرار بحق كل مجموعة تمثيل طائفي في السلطة التنفيذية بالاعتراض على أي قرار وتعطيله. كما يعني أيضاً إحالة مجلس الوزراء إلى سلسلة من الأزمات الحكومية المفتوحة.
في المقابل، إن رفض هذا الشرط الرئيسي المطروح من قبل الثنائية الشيعية، ومن "حزب الله" بشكل خاص، يعني "المجازفة" باستقالة الوزراء الشيعة من الحكومة. وفي هذه الحال، يمكن الطعن بهذه الحكومة أو بغيرها من منطلق ميثاقي. وهكذا، يمكن للوضع أن ينتقل من حالة أزمة حكومية دستورية إلى حالة "أزمة وطنية".
وثمّة أمثلة كثيرة، منذ أن "اندلعت" أزمة تعليق الوزراءالشيعة لمشاركتهم في الحكومة، عن نوع الأزمات التي يمكن أن تُنتج أزمة أكبر. فعلى سبيل المثال، فكّر الرئيس فؤاد السنيورة في عدم عقد جلسة مجلس الوزراء التي تلت تعليق المشاركة الشيعية بهدف إعطاء إشارة إلى حسن النوايا وإلى الرغبة في معالجة المشكلة. غير أنه لاحظَ أن خطوة من هذا القبيل ستدفع وزراء التمثيل السياسي لطوائف أخرى إلى تعليق مشاركتهم أيضاً أو الاستقالة، أي تفجير الحكومة، وإغراق البلاد في نوع من الفراغ الدستوري الخطير.
أين الخلاف مع "حزب الله"؟
لكنّ ما جرى طرحه حتى الآن يتعلق بتداعيات المواقف السياسية دستورياً وميثاقياً. فماذا في أصل المواقف السياسية إذاً؟.
لا شكّ هنا أن لحزب الله ـ بشكل خاص ـ سياسةً أخرى، مختلفة "جذريّاً" عن سياسة فرقاء الغالبيّة في العديد من الميادين. ومصدر هذا الاختلاف الجذري، هو القراءة المختلفة حيال النظام السوري وسياسته حيال لبنان، وهو القراءة المختلفة للمعطيات الاقليمية والدولية، وهو القراءة المختلفة لكيفية حماية لبنان.
فحزب الله لا يرى أن ثمّة حرباً يشنها النظام السوري على لبنان قبل انسحاب جيشه من البلد وبعده، منذ التمديد لاميل لحود مروراً بمسلسل الاغتيالات الذي لم يتوقف حتى الآن. ومن نافل القول إن الحزب يقرأ في النظام السوري موقعاً مفترضاً لـ"الممانعة" يضاف إلى إيران وإلى منظمات فلسطينية يراهن عليها لتغيير توازن القوى الفلسطيني الداخلي. غير أن "الغريب" هو أن الحزب عندما يناقش جدلاً "فرضيّة" أن النظام السوري يخوض مواجهة في لبنان ضد قوى الغالبيّة، يحمّل هذه القوى مسؤولية التعبئة السياسية والتوتير.
تجربة جنبلاط مع نصر الله
وهنا، لا بد من التذكير بتجربة الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. فالجميع يعلم أن السيد نصر الله تطوّع لنوع من الوساطة بين جنبلاط ودمشق بعد محاولة اغتيال مروان حمادة، فوافق جنبلاط شاكراً، متأملاً أن ينجح السيّد في فتح طريق الحوار حول كافة جوانب العلاقات اللبنانية ـ السورية. رهنَ النظام السوري آنذاك الأمر بمسؤول مخابراته في لبنان رستم غزالي. كان من الطبيعي أن يرفض جنبلاط، ونصر الله توقف عند هذا الحدّ. وبعد نحو أربعة أشهر، وقعت جريمة العصر، جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فانفجرت معركة الاستقلال من جانب، وكان "حزب الله" في مكان مختلف.
ثم، بعد 14 آذار، وابتداء من نيسان، بادر وليد جنبلاط إلى تفاهم مع نصر الله والرئيس نبيه بري مهّد للانتخابات النيابية. غير أن هذا ليس الأهم، لأن الأهم بالفعل هو أن جنبلاط التزم منذ الصيف الماضي وحتى فترة غير بعيدة سياسة انفتاح على الحوار مع "حزب الله"، وتبنّى مواقف لصالح المقاومة، وتجنب ما يمكن أن يكون استفزازاً لسوريا، بالرغم من أن الحملات السورية عليه كما على زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري لم تتوقف. واستمر تواصله مع السيد نصر الله، لكن كبير "حزب الله" لم ينجح في إخماد السعار السوري. وأكثر من ذلك، استمرت رسائل التهديد السورية لجنبلاط والاستعدادات لتنفيذها. إذاً، إن القول بأن فرقاء الغالبية هم الذين يخلقون مناخ التوتر ليس صحيحاً.
قبل المحكمة الدولية لم يحصل تصويت
وفي هذه الأثناء، كان تركيز "حزب الله" على الشكوك برئيس الحكومة فؤاد السنيورة من كل المداخل. اعترض على فتح ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. احتج على طلب ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية. عارض المحاكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
اقترح سعد الحريري ما يشبه التسوية عندما وضع معادلة لا مساومة على المحاكمة الدولية ولا مساومة على المقاومة. لم يلتفت الحزب كثيراً إلى ذلك. في الفترة الأخيرة طرح وليد جنبلاط ما يشبه التسوية أيضاً عندما وضع معادلة "نحن نحمي المقاومة فليحمِنا "حزب الله" من اغتيالات النظام السوري". رد الحزب بشكل غير مباشر بأن مواقف الهجوم على النظام السوري ورئيسه لا تسهّل المهمة.
إذاً، قبل أن يحتج "حزب الله" ـ والثنائية الشيعية بطرفيها ـ على التصويت في مجلس الوزراء حول المحكمة ذات الطابع الدولي وبشأن توسيع صلاحيات التحقيق الدولي، كان مارس طوال نحو أربعة أشهر سياسة "حجز" لسياسة الحكومة في ميادين رئيسية، ميادين تتعلق بأمن البلد واستقلاله، مشتبِهاً بما يسمّى "التدويل" وهو على الأرجح يعلم أن هذه الحكومة برئيسها وبقواها الأخرى ليست حكومة استدراج التدويل. ومع ذلك، لا يتذكّر أحد أن تصويتاً حصل في مجلس الوزراء قبل جلسة المحكمة ذات الطابع الدولي، ولا أحد يتذكّر أن الحزب "أخذ على حين غرّة".
من هنا القول إن الذهاب إلى "الأصل" وعدم البقاء في حدود التداعيات الدستورية والميثاقية لموقف تعليق المشاركة في الحكومة، يكشفان أن هذا "الأصل" يتعلق بالاختلاف السياسي "الجذري". أما حديث التفاهمات التي يقال إنها سبقت تشكيل الحكومة الحالية، فليس معلوماً منها تفاهم على عدم التصويت في مجلس الوزراء. كذلك فإن حديث الانقلاب على تفاهمات حاصلة، ليس في محله، لأن قراءة في البيان الوزاري للحكومة وفي مواقف هذه الحكومة، لا تظهر أن ثمة انقلاباً ما، حصل على التزامات محددة، خصوصاً بالنسبة إلى المقاومة.
في "الأصل" إذاً، خلاف "جذري" في قراءة النظام السوري وسياسته. لكن في "الأصل" أيضاً خلاف "جذري" بشأن التطورات الاقليمية. فالحزب يعمل أيضاً على فرضيّة أن المعطيات الاقليمية والدولية الراهنة ستتغير في غضون شهور. وعلى هذا الأساس يبدو مهتماً بعدم تسهيل سياسات للحكومة ينسبها إلى خضوع للخارج الدولي، وهي ليست كذلك. ويتزامن ذلك مع استعادة "حزب الله" لتحالفات 8 آذار ووضعها في مواجهة تحالفاته ضمن 14 آذار، فعاد طلال ارسلان ووئام وهاب، وعاد سليمان فرنجية.. وعاد غيرهم أيضاً، بالإضافة الى العلاقة بالعماد ميشال عون واستمرار عدم الاقتراب من أي إشارة ضد لحود.
في القراءة السياسية، أن "حزب الله" يبتعد أكثر فأكثر عن "الآخرين". ويبدو أن هذا الأمر متصل بمخاوف أو هواجس حيال "الآخرين" أي الغالبيّة أو قوى فيها لكنه يبدو متعلقاً بمبادرة من "حزب الله" الى تأزيم معيّن.
وفي الخلاصة، ثمة خوف من قبل الغالبية من مصدر خطر آت من النظام السوري، وثمة خوف مقابل من قبل "حزب الله" من وصاية دولية.. والخوفان حتى وهما مشروعان، هما متناقضان.
عون وإسقاط الحكومة
غير أن ما يلفت الانتباه، هو أنه في مناخ الأزمة الحكومية الراهنة الناجمة عن تعليق وزراء الثنائية الشيعية مشاركتهم في الحكومة، انتقل الجنرال عون إلى الهجوم على الحكومة والغالبيّة. طبعاً، ليس ثمة جديد سياسي في هذا الهجوم بحد ذاته، إلا أن الجديد هو انتقاله إلى المطالبة باستقالة الحكومة، معتبراً أن "الحدث" تجاوز طرح موضوع رئاسة الجمهورية.
الآن إذاً، تتشكل في لحظة حرب مفتوحة من قبل النظام السوري، وفي موازاة أزمة علاقة الثنائية الشيعية بالحكومة، جبهةُ مطالبةٍ باستقالة الحكومة، وستتعزز هذه المطالبة إذا سحبت الثنائية الشيعية وزراءها، فيكون قد جرى تحويل المشكلة من رئيس الجمهورية إلى الحكومة.
والسؤال المشروع لدى الغالبيّة ومؤيديها هو الآتي: هل كل ذلك طبيعي؟ هل إنه مبدئي ـ دستوري فعلاً؟
دعوة قوى 14 آذار تضع الأزمة الحكومية في حدودها
ومع ذلك، لا بأس من تسويات جديدة لانقاذ الوضع وتبديد المخاوف المتبادلة. وأول من أمس، دعت قوى 14 آذار إلى حوار بينها وبين "أمل" و"حزب الله" و"التيار الوطني الحر".
مارست قوى 14 آذار، أي قوى الغالبيّة النيابية ـ الوزارية حقها في تحديد مطالبها، ومارست حقها في "اقتراح" الحوار وعناوينه. أعلنت هذه القوى بوضوح أنها تمثل فريقاً كبيراً من اللبنانيين، وأهمّ ما في بيانها أنها اقترحت الذهاب إلى نقاش "على الكبير"، في سبيل عدم البقاء في "عنق زجاجة" المسألة الحكومية الراهنة. أكدت على أهمية التوصّل بالحوار إلى توافقات في موازاة تأكيدها على سقف الطائف وآليات اشتغال الدستور.. أي اعتبرت أن التوصّل بالحوار إلى توافقات يسهّل تطبيق الطائف ودستوره والآليات.
ردّ فعل الجنرال عون على هذه الدعوة جاء ملتبساً وحمل شروطاً مسبقة، ولا يخفى أن النوايا عنده غير صافية حيال قوى 14 آذار. أما ردّ فعل "حزب الله" فلم يظهر حتى الآن. وحده الرئيس نبيه بري رحب بدعوة الحوار هذه في امتداد ترحيبه بكل دعوة حوارية.. وهو صاحب مبادرة يؤكد أنه يتابعها وصولاً إلى تحديد مضامينها.
مبادئ بري
قبل أيام قال ممثل "حزب الله" في الحكومة وزير الطاقة محمد فنيش إن على من يفتش عن اختلاف بين الحزب والرئيس بري "أن يخيّط بغير هذه المسلّة". بطبيعة الحال، إن أحداً لا يبحث عن خلاف بين طرفي الثنائية الشيعية لأن بري طرف بهذا المعنى وله مواقفه. بيدَ أن رئيس "حركة أمل" يختلف بكونه رئيساً لمجلس النواب، وبصفته خبيراً محنكاً في الحياة السياسية والدستورية، وباعتباره يعرف أن القطع مع الآخر ممنوع وأن الأمور لا تساس بتغذية المواجهات.
وفي الأساس، إن دعوة قوى 14 آذار تصب في مبادرة الرئيس بري أو أنها تتقاطع معها.
ثمّة فرصة للذهاب إلى نقاش "على الكبير"، لتجاوز أزمات خطيرة. والفرصة هي نفسها اختبار للجميع وامتحان لمختلف السياسات. وإذا كان من الواجب الاعتراف بحق "حزب الله" في أن يعتبر أن ثمّة حاجةً إلى تفاهمات جديدة، فمن الواجب أيضاً الاعتراف بأن الوفاق كي يُصنع تجديده بحاجة إلى إرادات وإلى تسويات في كلّ الأمور الأساسية، وعدم إبقاء قضايا وعناوين معيّنة خارج البحث.
والمسألة عندما تكون مسألة تطمينات من قِبل الكلّ للكلّ، تستحقّ أن تُخاض، خاصة إذا انطلق الجميع من مبدأ أن لا حماية خارجية لأحد، وأن الحماية مصدرها الوحيد ميثاق العيش المشترك.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00