الأسبوع الماضي، وفي خضم الحزن اللبناني على الشهيد جبران تويني، زار الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى لبنان في مسعى لـ"التوسط" بينه وبين سوريا بهدف استعادة العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى سياق طبيعي. وقبله ببضعة أسابيع، أتى إلى بيروت مستشار الرئيس السوداني بمهمة مماثلة مقرونة بـ"آلية" معينة.
هاتان الزيارتان لا تلخّصان الحركة العربية الرسمية حول ما بات يسمّى "الملف السوري ـ اللبناني". ذلك أن ثمة تحركات عربية أخرى أساسية حصلت في الشهور الماضية، كانت المملكة العربية السعودية تارة ومصر تارة أخرى، محورها.
"تجربة" عمرو موسى
وبحسب معلومات توافرت في الأيام الماضية، اقترح عمرو موسى أو هو توصّل إلى اقتراح بفصل ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية عن ملف التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري طالما أن التحقيق في عهدة الأمم المتحدة وصدرت بشأنه ثلاثة قرارات دولية: 1595 و1636 و1644. وعلى أساس هذا الفصل، افترض موسى أنه يمكن "فكفكة" عناصر ملف العلاقات ومحاولة تحقيق تقدم معين. سأل الجانب اللبناني عن العناوين المباشرة التي يرى ضرورة معالجتها، والتي تُحقق معالجتها تطبيعاً في العلاقات بين بيروت ودمشق. أُعطي موسى عنوانين هما ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية ومساعدة سوريا للبنان في الموضوع الفلسطيني نظراً إلى تأثيرها على فصائل معروفة تنشر سلاحها خارج المخيمات. ذهب الأمين العام إلى دمشق ثم عاد منها ليغادر من بيروت إلى القاهرة. ولخّص ما توصل اليه في العاصمة السورية بالقول إن المطلبين اللبنانيين سيتم درسهما.
إن استعادة هذه "التجربة" تسمح بعدة استنتاجات. الاستنتاج الأول، البديهي، هو أن الظروف لا تزال لم تنضج من أجل الحل بين لبنان والنظام السوري. والاستنتاج الثاني هو أن الفصل بين مسارات العلاقة مستحيل، وقد جرّبه الرئيس فؤاد السنيورة في الفترة السابقة، فزار دمشق مرة وتابع مع الأمين العام للمجلس الأعلى والتقى وزير الخارجية السوري فاروق الشرع. كانت النتائج المتتالية المعروفة: الأزمات الحدودية، التهريب، تعطيل الحوار اللبناني ـ الفلسطيني، وعود بمعالجة لبنانية مزارع شبعا لم تنفذ.. وفوق كل ذلك حملة على رئيس الحكومة اللبنانية. أما الاستنتاج الثالث فهو أن النظام السوري، هذا النظام الحالي، لم يتعاطَ مرة بصدق مع الأشقاء العرب.
خطة النظام السوري وحربه على لبنان
والأهم هو أن لهذا النظام خطة حيال لبنان، حتى بعد انسحاب جيشه النظامي، تستفيد من عوامل عدة، بينها عامل عربي رئيسي.
فمِن متابعة الخطاب السياسي السوري على لسان رئيس النظام بشار الأسد، سواء الخطاب الذي أعلن فيه سحب قواته من لبنان تنفيذاً للقرار 1559، أو الخطاب الذي هاجم فيه التحقيق الدولي حتى بعد موافقته على استجواب المسؤولين الأمنيين، وانتهى فيه إلى مهاجمة الوضع السياسي اللبناني وتهديده، يتبيّن أن النظام السوري الذي يعتبر أن له خطوطاً سياسية ـ أمنية لا تزال موجودة في لبنان، يعتبر في الوقت نفسه أنه يملك "الورقة اللبنانية"، سلباً هذه المرة، أي ورقة التهديد بالفوضى انطلاقاً من لبنان أولاً.
ويتبيّن ثانياً، أن هذا النظام لا يزال على قناعة بإمكانية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أي بإمكانية إعادة تغيير التوازن السياسي اللبناني الداخلي. ويتبيّن ثالثاً أن الآمال لديه بالعودة إلى لبنان مجدداً لا تزال قائمة.
إذاً، إن ما يجدر وعيه هنا في لبنان، كما على الصعيد العربي، أن النظام السوري قد أعلن حرباً على الوضع السياسي اللبناني، لا يوفر فيها أي وسيلة، بما في ذلك وأساساً مسلسل الاغتيالات.
ولا شك أن النظام في سوريا يراهن في حربه على لبنان، على مجموعة من العوامل. علاقاته اللبنانية تعينه على عرقلة مسار لبنان نحو استكمال استقلاله وحريته واستعادة نظامه الديموقراطي. مخابراته وشبكاتها موجودة في لبنان وتنشر فرق الموت فيه. تحالفه مع إيران إقليمياً يجعله يشعر بـ"القوة". يقدّر أن الظروف الدولية سائرة إلى تغيّر في غضون شهور لا سيما على المستويين الأميركي والفرنسي.
.. يستغلّ خشية العرب من عراق جديد
بيد أن النظام في دمشق الذي يعتمد "المراوغة" مع العرب، إذ يَعِد ولا يفي، ويناور لكسب الوقت، يعتمد بصراحة على موقف عربي رئيسي. فلا يخفى في هذا المجال أن عدداً من القادة العرب، وانطلاقاً من التجربة المريرة في العراق، يخشون عراقاً جديداً في سوريا، ويخافون مزيداً من عدم الاستقرار في حال بلغت الضغوط الدولية على النظام السوري ذروتها. وعلى أساس الخشية والخوف، هرع قادة عرب في الآونة الأخيرة باتجاه "مساعدة" هذا النظام و"إنقاذه" من الورطات المتعددة. وفي المقابل، "أخذ" النظام السوري هذه المساعي العربية ووضعها في جيبه، وواصل حربه على لبنان.
ثمة إشكالية كبرى في الموقف العربي إذاً. الخوف العربي على نظام دمشق من الضغوط الدولية، يجعل القادة أو بعضهم لا يرون الأولوية اللبنانية على حقيقتها، أي لا يرون ـ تماماً ـ أن ثمة حرباً سورية على لبنان وليس حرباً لبنانية على سوريا. والخوف العربي على نظام دمشق خوفاً من فوضى اقليمية يمنح هذا النظام "سماحاً" متمادياً ومزيداً من الأنفاس. وبطبيعة الحال، فإن أحداً في لبنان لا يدعو العرب الى التخلي عن حماية سوريا من سياسات نظامها التي تستدرج الضغوط الدولية، ففي ذلك حكمة عربية غير مستنكرة. غير أن الموقف العربي سيظل يشكو من "قلّة" التوازن طالما لم يشعر لبنان واللبنانيون أنهم تحت مظلة عربية، وفي حمى الوضع العربي. ولا مناص من التذكير هنا بأن النظام السوري "يأخذ" الموقف العربي في حدوده الراهنة على أنه ضعف للبنان فيواصل حربه بكل ما تشتمل عليه من إرهاب.
وعود للعرب نكث بها نظام دمشق
إذاً، إن المطلوب عربياً ليس وساطة بين لبنان وسوريا، تتأسس على فصل مسارات العلاقة. والمطلوب عربياً عدم تصديق النظام السوري ووعوده. والمطلوب عربياً "مطاردة" حرب هذا النظام على لبنان.
فقد وعد هذا النظام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بأن يكون الرئيس الشهيد رفيق الحريري محمياً... ثم كان ما كان، ووعد النظام الرئيس المصري حسني مبارك بأن يسهّل ترؤس الرئيس الشهيد لحكومة قادرة على إخراج لبنان من مشاكله.. ثم كان ما كان.. ووعد الرياض والقاهرة بالتعاون مع لجنة التحقيق الدولية فراوغ.. ثم عندما جاء أوان "الشكر" لم يحفظ لهما جميل. ولكل واحد من القادة العرب مع رئيس هذا النظام تجربة من عدم الالتزام بالوعود.
المظلة العربية الرادعة
في ضوء ذلك كله، فإن ما يطلبه اللبنانيون هو تأمين مظلة عربية لحماية لبنان وردع الحرب الإرهابية التي تُشن ضده. ولا ينكر اللبنانيون الدعم الذي قدمه العرب لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، كما لا ينكرون المواقف المتضامنة معهم ومع حكومتهم. لكن اللبنانيين يطالبون بردع مسلسل الموت.
ثم للتذكير، يعتبر اللبنانيون أن ثمة خيمة عربية كانت موجودة في البداية فوق اتفاق الطائف. آنذاك عندما بادرت اللجنة الثلاثية العربية بإصرار من خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، للدعوة الى مؤتمر الطائف في المملكة العربية السعودية، كانت سوريا ـ أي نظامها ـ جزءاً من المشكلة اللبنانية وليس طرفاً في الحل.. إلا بعد تطمينات وتفويضات معينة.
وبقدر ما يسعى اللبنانيون بعد انتهاء الوصاية السورية، إلى إعادة تكوين الحاضنة الداخلية لاتفاق الطائف، أي الميثاق الوطني اللبناني، فإنهم يتطلعون إلى إعادة تكوين الحاضنة العربية لهذا الاتفاق وقد بات تنفيذه في عهدتهم.
الملك عبد الله والرئيس مبارك
الآمال اللبنانية متجهة إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي سمّاه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في مقابلة تلفزيونية أول من أمس حكيم العرب. وكذلك هي متجهة صوب الرئيس حسني مبارك الذي أعطى للبنان من عاطفته الكثير. وعندما تلتقي المملكة ومصر على هدف حماية لبنان، يغدو لبنان فوقه "شمسية".
غني عن القول إن اللبنانيين رفضوا الوصاية السورية التي يثبت يوماً بعد يوم ليس فقط أنها أدت الى كوارث، بل إنها جزء لا يتجزأ من "مشروع" لابتلاع لبنان ومحو وجوده. وكذلك يرفض اللبنانيون الوصاية الأجنبية.
بيد أن إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف في امتداد إعادة الاعتبار للتاريخ، تقود الى التذكير بأن اتفاق الطائف كان محصّلة إرادتين في البداية، إرادة عربية وإرادة دولية انضمت اليها إرادة لبنانية. ولبنان اليوم يصرخ أنه بحاجة إلى مبادرة عربية، سعودية ومصرية، تستدعي مشاركة دولية في تشكيل الغطاء للبنان.
رعاية عربية ودولية مشتركة وليس وساطات ملتبسة
البلد بحاجة إلى رعاية ـ وليس وصاية ـ عربية ودولية في مواجهة حرب إرهابية مفتوحة ضده. وصحيح أن موقفاً يشجب الاغتيالات في لبنان مهم. لكن القول المباشر للنظام السوري إن العرب "يرونه" وإنهم يحمّلونه المسؤولية، أهم.
والأشد أهمية، هو أن تتوافق الرياض والقاهرة اللتان شهدتا العديد من القمم بشأن لبنان في زمن محنته السابقة، مع من تشاءان من العرب، على آلية لوضع هذه الرعاية موضع التنفيذ. فهما الدولتان اللتان ليستا فقط الأساس في الوضع العربي، بل هما الأكثر معرفة بالنظام السوري وخبرة فيه، وهما الأكثر معرفة بلبنان وحرصاً عليه وعلى نموذجه في المنطقة.
فلتكفّ المبادرات "الصغيرة" إذاً.. الجزئية والملتبسة، كي تنزاح حرب النظام السوري عن ظهر لبنان، كي يتوقف المسلسل الجهنمي، كي تبقى قياداته على قيد الحياة فتقود مسيرته نحو المستقبل.. وكي تنجلي "الحقيقة". ولبنان ينتظر من العرب أن يلبّوا النداء.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.